الإشاعات .. وفكر التربص المتبادل … بقلم … جمال عمر

لا شك أن الحماقة هي نتاج منطقي ومعروف لتضافر (الغباء مع الجهل) وهي صفة متدنية ومرفوضة في فكر المدنية والمجتمعات المتحضرة ومذمومة ومحظورة في الأديان السماوية ، ولكننا لا نملك سب أو لعن الحمقى ، فالحماقة هي صفة وجدت مع البشر منذ بدء الخليقة ووجودها في البعض (وهم كثير) هو ضمان استقامة البعض من أصحاب السلطة في المجتمعات ، وبين الحمقى تنتشر الإشاعات وينمو فكر التربص المتبادل ، ولكن عندما نصل إلى تداول سبعة آلاف إشاعة شهريا .. فلابد أن يكون هناك خطأ جوهري في نفوس البشر يتعدى صفة الغباء وانتشار الجهل ، لأن هذا يعني أننا نتداول حوالي مئتان وأربعون إشاعة في اليوم بمعدل عشرة إشاعات في الساعة ، وهو رقم مخيف يعني ببساطة أن أكثر من 90% من إجمالي ما نتداوله يوميا من أخبار هي إشاعات ، وللأسف تلك هي الحقيقة ، فالإشاعة تجد رواجا مخيفا أسرع من النار في الهشيم ، خاصة لو كانت الإشاعة سلبية ومحبطة وضد الدولة وتكيل لها الاتهامات وتحفز النفوس على الكراهية والتحفز والتربص بالحكومة والسلطة .

ولا شك التربص والعداء للسلطة هي من متوارثات نفسية تأصلت عبر أجيال متعاقبة لشعب عانى من ويلات الاحتلال الأجنبي منذ عهد المماليك ثم العثمانيين الأتراك والتي تخللها الاحتلال الإنجليزي الذي كان صاحب الأمر والقرار في كل شيء في مصر ، بداية من تحديد أعداد المسموح لهم بدخول التعليم الأولي والمتوسط ، وحتى تحديد موعد وأعداد زوار الموالد وتوقيتاتها التي كان يحددها المندوب السامي البريطاني ، ناهينا عن تعيين الوزراء وموظفي الحكومة فضلا عن تعيين القادة ورؤساء المصالح والدواوين من الأتراك ثم من الإنجليز ومن يواليهم على مدى أربعة قرون كاملة قبل ثورة يوليو عام 1952م ، حتى أن الإنجليز وبالتواطؤ مع السرايا (حاشية الملك) كانوا يغتالون أي شخصية مصرية تظهر عدم الولاء لهم مثل (النقراشي باشا) والذي تم اغتياله بواسطة الجناح الماسوني للاحتلال البريطاني في مصر (إخوان المسلمين) ، ولا ننسى أن حسن البنا نفسه قد تم اغتياله بأوامر صريحة مسجلة بين الإنجليز والسرايا عقابا له على نشر مقالته الشهيرة "الإخوان ليسوا إخوانا ولا مسلمين" .

 

وقد توارث المصريون تأصل العداء للسلطة وسوء الظن بها ، تماما مثلما توارثوا حب الاقتراب من السلطة للتمتع بالأمان والاستقرار " إن فاتك الميري اتمرغ في ترابه" ، ومثلما توارثوا أيضا التقديس والرعب النفسي من محاولة التفكير أو التدبر في فتاوى ومفاهيم الدين ، ويكفي أن المصريون ما زالوا يرددون مقوله " هو أنا غلطان في البخاري ؟؟ " ، والتي توارثوها من العصر الفاطمي حيث كان حفظ البخاري مقدم على حفظ القرآن وكان المخطيء في كلمة من البخاري يجلد عاريا أمام الناس عقابا له ، وما زال البخاري يحمل تقديسا من الأزهريين يرقى لتقديس القرآن وربما أشد ، ولم يجرؤ مصري واحد أن يسأل نفسه لماذا يجبرون شعبا على حفظ البخاري جلدا ، ولكن هذا جاء استكمالا وتثبيتا لتوارث سوء الظن بأية سلطة ، فقد اعتادوا أن تكون السلطة سيفا مسلط على رقابهم ، حتى ولو كان رموز السلطة من الدين وليس من موظفي السلطة أو الحكومة فقط .

ولا شك أن التربص بالسلطة له مثيل في كل المجتمعات في العالم بنسب متفاوتة ، وهو ما تستغله الماسونية لهدم الأمم وتقسيم الدول والسيطرة عليها بجهل شعوبها واندفاعهم ضد السلطة تحت وطأة لهيب الشائعات والشعارات البراقة والزائفة ، ولكن المشكلة الأكبر والأخطر أن يصاحب هذا "فكر التربص المتبادل" ، فموظفي الحكومة في جميع مستوياتهم قد تأصل في نفوسهم العداء للعامة ، وتعمد تضييق الخناق عليهم كمراسم متوارثة لأصحاب السلطة حتى في أعلى مستوياتها ، فبداية من موظف وزارة التموين العاشق لبهدلة المواطنين للحصول على حقوقهم ، وموظف الشهر العقاري الذي يتربح من تعقيداته بمساعدة السماسرة المحترفين بكل مصلحة ، وصولا لئيس الوزراء الذي اعتاد أن لا يعلن عن بدء ومدة أجازات الأعياد إلا قبل بدايتها بساعات ، وكأنه يتعمد أن يظل جميع موظفي الدولة في حالة من القلق والترقب والضيق ، أو كأن سيادته عاجزا عن تحديدها إلا بعد أن يتأكد من تمام تعذيبه البشر ، رغم أن جميع دول العالم حتى العربية والإفريقية تحدد أجندة عطلاتها الرسمية منذ بداية العام ، بل وتستغل هذه الأجازات لتنظيم أنشطة ثقافية وتجارية وسياحية تنشط بها حركة التجارة والسياحة الداخلية بمهرجانات ورحلات مخططة واحتفالات مبهجة ومربحة ، تقليدا لما تفعله أمريكا والغرب من تنظيم الرحلات والأنشطة السياحية المخفضة في الأجازات الرسمية ، مع مرونة منح أيام إضافية للعطلات لنفيذ مخططات التنشيط كاملة .

ولعل من أبرز ملامح " النكد والتربص المتبادل " ما نراه في تفاقم سلبيات أساليب علاج المشكلات في مصانعنا وهيئاتنا ، والتي عالجها الغرب بأساليب راقية تعتمد على إرضاء وكسب ثقة وولاء العاملين بتحويل السلبيات لمميزات يستفيد منها العاملون والمؤسسة ، فمثلا يوجد مكان دائم لجميع العاملين في مصانع ومؤسسات الغرب يمارسون فيه عمل مشروباتهم الساخنة بأيديهم وبمعدات متطورة تدفع المؤسسة أو المصنع تكلفتها ، وهو ما يقابله في مصر مثلا عدم وجود بوفيه لكل العاملين ، بل ومحظور أن يقوم العامل بامتلاك وسيلة لعمل مشروباته الساخنة (سخان) ، بل وتعتبر جريمة كبرى تستوجب العقاب والمصادرة ، ولذلك تتزايد أساليب التحايل والمخالفات بضراوة ، ومحظور مثلا  .. على العامل المصري تحقيق أي ربح من جلب عميل جديد للمؤسسة التي يعمل بها ، فيضطر العامل لجلب هذا العميل لجهة أخرى خلاف مصنعه أو شركته ، ناهينا بالطبع عن عبقرية إجراءات المناقصات والممارسات الروتينية الطويلة والمعقدة والمليئة بالثغرات الدافعة للاختلاس والتربح والفساد ، ولكنها (ممتازة) ما دامت في إطار الروتين القاتل والمدقق فقط لصحة بيانات الأوراق (ولدينا محترفين في دقة تظبيط الأوراق) ، حتى أن إنشاء وتشغيل موقف حكومي للسيارات بلغ معدل تكلفة الإنشاء للسيارة الواحدة (50 ألف) دولار ، في حين التكلفة المثيلة في أغنى دول العالم لا تتجاوز ( 10 آلاف) دولار للسيارة الواحدة مهما كانت فخامة الإنشاء والتكنولوجيا المستخدمة .

 

فعندما يتعانق التربص والعداء مع الإحباط لابد وأن يكون النتاج هو فساد مدمر للنفوس والضمائر ، ليشكل بيئة خصبة لتفشي وانتشار الشائعات ، فمثلا .. لا عجب أن ينتهي تنفيذ (400) وحدة سكنية بواسطة أحدى المحافظات بعد سبع سنوات بتعثر ومشكلات وقضايا فساد ، في حين قامت القوات المسلحة بإنشاء وتسليم أكثر من ثلاثة أضعاف هذا العدد في نفس المحافظة في أقل من سنة واحدة ، ومثله .. قيام القوات المسلحة (بتكليف من الرئيس) بتدبير احتياجات أحد القطاعات الحيوية الحرجة من الخارج بنصف الثمن الرسمي والمتعاقد عليه بواسطة هذه القطاعات ومن نفس الجهات ، مما أثار الشبهات وفتح قضايا فساد للكثيرين في هذا القطاع ، ومثله شبهات الفساد بقطاع الثروة السمكية التي تعثرت في عشرات المشروعات الفاشلة وإهدار المال العام على مدى عقدين من الزمان في حين نجحت القوات المسلحة في تنفيذ أكبر مشروعاتها للثروة السمكية في نفس المنطقة في أقل من سنتين ، وبالتالي فلا عجب من تعالى صرخات الفاسدين بضرورة إقصاء القوات المسلحة من أية أعمال مدنية ، لأنهم يفضحون الفساد ورجاله بلا رحمة أو هوادة .

  

ولا يقتصر الفساد على موظفي الحكومة في التعاملات الرسمية بل أصبح ثقافة مجتمعية ، كنتيجة منطقية للتربص والعداء المتبادل بين العامة والحكومة التي تمثل صنم المحتل الجاثم على نفوس العباد ، رغم أن موظفي الدولة هم أيضا بعض مواطنينا الشرفاء ، ولكن الجميع تقريبا إلا ما رحم ربي يرون مثلا في سرقة الكهرباء نوعا من (المهارة والذكاء) وتخليص بعض الحق الضائع ، فحجم التقدير الرسمي للكهرباء المسروقة تجاوز نسبة 35% من حجم الطاقة المنتجة ، ومن منطلق العداء والتربص نجد أن علاج البرلمان والوزراء (أصحاب السلطة) للمشكلات الاقتصادية دوما على حساب المواطن الملتزم والمطحون وليس على حساب الأغنياء ، وآخرها قانون الضرائب العقارية الذي يحصل ضريبة العقارات من صاحب الشقة الذي اشتراها (بتحويشة عمره) ، وليس من صاحب العمارة أو البرج الذي باع وتربح بالملايين ، بل وحتى الضرائب على الدخل لا تتجاوز 22.5% على الأغنياء بالرغم أن أقل حد للضرائب على الأغنياء في معظم دول العالم تبدأ بـ (45%) وتصل إلى (70%) من الدخل ، ولكن يبدو أن الأغنياء في مصر هم فقط من يضعون القوانين ، لتزداد الهوة بين الفقراء والأغنياء .

أخيرا .. لسنا في حاجة لقوانين بقدر حاجتنا لعلاج مجتمعي للعلاقات الإنسانية المجتمعية ، والتي لن تبدأ مطلقا من العامة أو القاع ، إلا بوازع ديني يغير المعتقدات المقدسة الفاسدة ويصحح مفاهيم الدين في نفوس العامة ، وهو ما لا أمل فيه ما دام هناك من يتعمد عدم الفهم أو الرغبة الصادقة لوجه الله في التغيير أو التصحيح ، وإن لم يجد المواطن من السلطة مواقفا وسلوكا حقيقيا ملموسا ، يشعره بسقوط العداء والتربص وحرص السلطة على راحته والوقوف معه في معاناته ، فستظل كل القوانين واللوائح وسيلة فاشلة للسيطرة على المجتمع ، وسوف تتزايد أساليب التحايل والنصب والفساد في المجتمع ، والتي يرى فيها المواطن وسيلة للحصول على بعض حقه المهدر ، وسوف تجد الشائعات دوما أرضها الخصبة لتتفشى وتشعل النفوس إحباطا وعداءا لكل ما يمثل الدولة والسلطة ، ولا شك أن هذا سوف يستغرق كثيرا من الوقت والجهد الحكومي ، والذي لا ننكر أنه قد بدأ بالفعل منذ سنوات ولكن آثاره الإيجابية ما زالت غائبة بفضل سلبيات نفوس الكثيرين من موظفي الدولة والعامة معا ، سواء تعمدا أو جهلا واعتيادا لممارسة التربص والعداء المتبادل والمتفشى منذ قرون ، خاصة من يتعمدون تمثيل الأدوار السرابية المعتمدة على الشو الإعلامي ، ومثلهم من ما زالوا مصرين على نفس الخطاب الديني والفكري والثقافي بكل مساوئه وأخطائه الكارثية التي قسمت المجتمع لفرق وجماعات وبددت شمله دينيا ومجتمعيا .

ويبقى في النهاية .. قضاء الله وقدره في هذا (البلد الأمين) الذي أقسم به سبحانه وتعالى .. ويبقى صدق قول الله تعالى قائما وشاهدا لنا وعلينا .. {  … كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ }الرعد17 .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

عالم النفوس .. بين الحقيقة والخيال (2) … بقلم : جمال عمر

توقفنا سابقا عند الحركة الرئيسية للنفوس عند مغادرتها للجسد للنوم ، وقلنا أن .. الغرض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *