( الإبداع هبة ربانية .. فهل نستحقها )  …  بقلم  :  جمال عمر


لا شك أن الإنسان هو ذلك المخلوق العاقل المكرم من الله  {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70 ، وذلك لاستخلافه على الأرض بمهمة إعمارها  {.. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ }هود61، ومن أجل ذلك منحه الله من أعظم وأجل وأرفع صفاته سبحانه وتعالى ، وهي صفة (الإبداع) ، فهو المخلوق الوحيد المتجدد الإبداع ولديه رغبة فطرية مشتعلة للإتيان بالجديد ، ولا شك أن هذه الصفة البديعة متباينة بين البشر ما بين الاستعار والخمود الذي يصيب البعض فيصبح محبطا فاقدا للرغبة في الحياة وهو أيضا ما قد يحدث عند يقين الإنسان بلحظة وفاته .

ولكن ابن آدم المخلوق ليختبر في الدنيا ابتلاه الله سبحانه ببعض الأعداء الذين يعوقونه عن القيام بمهمته التي خلق من أجلها ، وأهم هذه الأعداء ما هو فطري في نفسه وعلى رأسها صفة الاستعجال .. {وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً }الإسراء11 ، ثم الضعف الناتج عن شهوات نفسه المتأججة .. {وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً }النساء27 ، ثم وسوسة القرين من الشياطين المسلط على كل إنسان خاصة البعيد عن مراقبة الله وذكره ، وهذا القرين قد يسيطر على الغالبية العظمى من البشر لدرجة أن البعض أصبح أسيرا له لا يستطيع التفرقة بينه وبين حديث وقرارات نفسه ، فينكر وجوده وتأثيره بأوامر حازمة من هذا القرين المسيطر ، {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ }الزخرف36 ، ثم أخيرا فتن الدنيا والرغبة العارمة لتقليد غيره من البشر خاصة في رزق الله ونعمه على خلقه .. {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ }الأنعام53.

فإذا اجتمعت هذه الأعداء الأربعة على إنسان (الاستعجال – الشهوات – وسوسة القرين – فتن الدنيا) وهو ما لابد من حدوثه وتكراره مع المتكبرين والمغرورين وأصحاب الثقة العالية في النفس والجهلاء والمغيبين ، فلا محالة من السقوط ، وأن هؤلاء سوف يغامرون ويسيئون استخدام (هبة الإبداع) ، لسرعة إثبات الذات ، أو الحصول على أكبر قدر من المتع أو لممارسة أهواء النفوس بالسيطرة على غيرهم من البشر ، حتى ولو بتضليلهم وتزوير مفاهيمهم وتغييب عقولهم ، وهو تماما ما فعله جنود إبليس منذ فجر التاريخ البشري ، فظهرت الصوفية ثم تطورت في عهد نوح إلى القبالة (الكبالا) والتي تطورت عبر التاريخ للماسونية ثم لتصل اليوم إلى الأخويات الماسونية مثل أخوية بيلدربرج وأخوية البوهيميا وأخوية المسلمين (الإخوان الملسمين) ، وأخوية المسيحيين واليهود الكاثوليك والتي أفرزت (تنظيم الصهيونية العالمي) ، ولاجدال أن جميع فروع الماسونية اليوم تنتمي لأصل وهدف ومخطط واحد ، وهو السيطرة على العالم والتخلص من غالبية البشر الغير خاضعين لها ، بتقسيم بلادهم وأممهم وتصفيتهم بأيديهم تحت شعارات سواء دينية أو ليبرالية كالعدالة والحرية والديموقراطية تبعا لنوعية ومعتقدات الشعوب .

 

ولا جدال أن الماسونية العالمية قد استخدمت بمهارة شهوات البشر للسيطرة عليهم وعلى رأسها شهوة الجنس التي استطاعت أن تجعله موضوعا مطروحا دون حياء في كل مواد الإعلام في العالم (إعلانات – دراما – رياضة – ثقافة – تعليم – …) ، خاصة دول المتدينين المسلمين أو المسيحيين تحت شعارات إبداع الفنون ، ولعل فن الباليه هو قمة نجاح إبليس في إفساد البشر ، حتى أن كثير من النساء في دول مسلمة لا تستحي أن تتخذ من عري راقصي البالية وعرض تفاصيل أجسادهم دليلا على مشروعية عرض أجساد البنات والنساء في الشوارع تحت مسميات الحرية والتقدم ، وبنجاح إبليس وأعوانه في كسر الحياء خاصة عند النساء ، وسقوطهن في استحلال عرضهن لأجسادهن ضمنوا أن يظل الرجال دوما أسرى لاستعراض أجساد النساء بما يستتبعه من الإثارة الدائمة للشهوات الجنسية فارتفعت معها الجرائم الاجتماعية وفسدت البيوت وتفككت الأسر وتفشي الطلاق والانفصال وسوء العلاقات الأسرية والاجتماعية ، وهو ما نعاني منه حاليا في بلادنا ، وليس هذا بغريب فقد تم شرح أساليب ونتائج استخدام العري والجنس والإباحية بالتفصيل في بروتوكولات حكماء صهيون منذ أكثر من قرون مضت ولكن الشعوب لا تقرأ ، وإذا قرأت لا تفهم ، وإذا فهمت تخضع وتسلم قيادها لشهواتها وفتن الدنيا من حولها .

ولا محل للجدال مع من يتبنون حرية العري وعرض الأجساد في الطرقات ووسائل الإعلام والفنون ، خاصة وأن تفاصيل جسد أي أنثى قد أصبح مشاعا دون حياء بانتشار الملابس العارية والبنطلونات الضيقة والفيزون ، ولكن يكفي أن نسألهم هل تصح الصلاة بهذه الملابس ، وهل لديكم صورة للسيدة العذراء بملابسها الداخلية ، وما الفارق بينكم كبشر علمكم الله (صنعة لبوس لكم) وبين الحيوانات العارية ، بل نسألهم هل تريدون أن يتفشى العري والدعارة بينكم مثل بعض الحيوانات المتدنية ، وما رأيكم أن الحيوانات جميعا لم يتفشى فيهم ما نراه من شذوذ جنسي بين البشر ، ولكن يقينا بأنه لا يملك بشرا أن يغير معتقدات وفكر غيره ، فلسنا في محل دعوة للإصلاح بقدر ما لابد أن لا ننسى أننا ميتون فلا شفاعة ولا هروب من الموت ، وسوف  سنقف عاجلا أو آجلا بين يدي الله نعترف أننا قلدنا غيرنا وفسدنا وعصيناه ، ولا يملك مخلوق أن يشفع لغيره أو ينقذه من عقاب الله ، خاصة وأننا نعرف الحق ونغرق في الباطل ، وندرك حقيقتنا ونزور ونضلل نفوسنا ونخضع لضعفنا وشهواتنا وتأخذنا العزة بالإثم .

ومن أسوأ استخدامات الإنسان لـ (هبة الإبداع) هو استخدامها لتزوير الكتب السماوية ، حيث أخفى زعماء الماسونية التوراة وأخرجوا لليهود التلمود الذي قسمهم لأكثر من ستين فرقة رغم قلة عددهم ، ثم مارسوا واحترفوا التزوير والضلال في إخفاء الإنجيل وإخراج أكثر من ثلاثمائة إنجيل متضاربة ، ثم اختصروها وحولوها لعقيدة الفراعنة ومعتقدات الرومان بادعاء وجود أبناء لله ، وأخرجوا للبشرية اربعة أناجيل تتفق على عقيدة الشرك بالبنوة لله والتي كانت سببا في انقسام المسيحيين لما يقرب السبعين فرقة ، ولم يسلم القرآن من أياديهم رغم فشلهم في إخفاءه أو تزوير حروفه وآياته ، ولكنهم نجحوا في إغلاق أبواب الفهم والتدبر ، وزوروا المفاهيم الرئيسية التي ساد بها المسلمون العالم لقرون طويلة ، وعلى رأسها معنى (العبادة) والتي في الحقيقة هي أداء المهمة التي من أجلها خلق الله الإنسان ، وهي (إعمار الأرض كخليفة لله عليها) بالعلم والعمل والكد والكدح ، وحولوا معنى (العبادة) زورا وبهتانا وجعلوها في المناسك والشعائر والفروض (الصلاة – الزكاة – الصوم – الحج – ذكر الله) ، وتلك التي فرضها الله فقط ليستقيم ابن آدم في أداء مهمته الحقيقية ، فتحول المسلمون لدراويش لا قيمة لهم وما زالوا من سيء لأسوأ منذ أن صدقوا وقبلوا واستسلموا لتزوير مفاهيم دينهم ، بل وزادوا الطين بلة بانقسامهم لأكثر من سبعين فرقة بالتركيز على اختلافات التفاسير لآيات الفروض والحدود (الفقه) ، والتي لا تساوي أكثر من 3% من القرآن ، وأهملوا أكثر من ثلاثة آلاف آية تمثل أكثر من 45% من القرآن هي آيات العلوم البحتة والخلق التي أنزلها الله ليستخدمها الإنسان في إعمار الأرض المكلف بإعمارها كمهمة العبودية الوحيدة التي خلقه الله من أجلها .

ولذلك لا عجب أن نرى هذا الكم من الجدالات والمشاحنات والاتهامات والحروب والمجاعات وهو ما نتج عن ضعف الإيمان بالله ، واستسلام النفوس للأهواء وفتن شياطين الإنس والجن ، لكن لا مفر من العودة للحق وإعلانه والتمسك به ، خاصة عندما نعرف أننا كبشر لا نستخدم أكثر من 5% من قدراتنا النفسية ، وأقل من 10% من قدراتنا العقلية ، بل ونستخدم معظم قدراتنا فيما لا عائد منه على حياتنا لتركيزنا على المتع والشهوات التي أصبحنا أسرى لها ، ونتناسى أن ما يفعله المتقدمون علميا وسادة العالم بالعلم هو نفسه ما يأمرنا به خالقنا في كتبنا المقدسة التي اتخذناها مهجورة وأحجبة للتبرك في المناسبات ، ونحن محاسبون عليها أمام الله عاجلا أو آجلا والله أعلى واعلم .

أخيرا .. لا ننسى أن الله الذي منح ابن آدم العقل الأرقى وكذلك صفة الإبداع بين خلقه من أجل أن يستخدمها في الارتقاء بحياته ويعمر الأرض بالعلم والعمل ، هو الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا السماء ، وأن معطيات الدنيا التي يقدرها سبحانه ، رغم مغرياتها تؤكد لنا أن الرزق مكفول ولا حيلة لنا فيه ، ولا يستطيع بشرا أن يغير من رزقه كاملا بكل أشكاله مهما فعل ، لأن الله لم يخلقنا لنسعى على الأرزاق بل كفل سبحانه الرزق لكل مخلوق وقدره ، ليتفرغ ابن آدم (فقط) لإتقان عمله المكلف به طمعا في رضا الله وكرمه سواء ببركة الرزق في الدنيا أو برضاه وجنته سبحانه في الآخرة ، كما لنا تؤكد معطيات الدنيا أننا جميعا أمة واحدة (بني آدم) شاء الله أن تختلف في معطياتها ومعتقداتها ، ولكنه سبحانه أمرنا أن نتسابق ونتعاون في إعمار الدنيا ونشر الخير والسلام بين البشر {.. لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ، وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ، وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم  ، فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48.

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *