سادتي الأفاضل .. ليس هذا مثلا أوشعر أو نثرا ولا من أقوال الحكماء .. ولكنه قرار وبلاغ رباني أصدره خالق البشر الفرد الصمد فهو القائل سبحانه {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً }الكهف54 ، ومن أصدق من الله قولا وبلاغا .. {.. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً }النساء122 ، ومن أصدق من الله حديثا {.. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً }النساء87 ، وهو السميع البصير العليم الخبير {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14 ، ولذلك فالحكم بكثرة الجدال هو قرار وقضاء رباني أصدره سبحانه ي حق آخر سلالات البشر المستخلفة إلى أجل مسمى على الأرض بإذنه ، فلا شيء على الأرض يكثر الحديث عنه وبه وفيه حتى يصل لمراتب الجدال بل ويكثر جداله والجدال من حوله وعنه وبه وفيه مثل الإنسان .
وناهينا عن نوعيات التقسيمات الزمنية لاستخلاف الله لبعض خلقه على الأرض ، وكذلك عن حقيقة الوجود والتداخل الكوني وبواباته البعدية أو الزمنية ، ولنقف عند الحقيقة الواقعة والتي لا تحتمل الجدال ، وهي أننا (بني آدم) نمثل آخر السلالات المعروفة في حيز إدراكاتنا المحدودة والتي تم استخلافها على الأرض ، وناهينا بالقطع أن جميع المؤشرات العلمية والتكنولوجية والمنطقية والنبوءاتية التي تؤكد الاقتراب من نهاية الأجل المقدر لوجود هذا المستخلف الأخير على الأرض ، فرحلة الأرض موقوتة ولكل جنس من فئة له مقدوره الزمني والمكاني في رحلات الاستخلاف المختلفة والمتباينة والتي لا نعرف عنها إلا القليل بل والنادر ، ونقابلها دوما بكثير من التنطع والتمسك بأساطير وخزعبلات الأقدمين وضلالات الشعوب مثل اليهوديات أو بكثير من الهزل والسخرية والهراءات والتي تنتهي عادة بلا نتيجة وبلا تحديد لمعنى له قيمة أو مفهوم يوضح حقائق الأشياء أو حتى كذبها وبهتان أصولها .
فالإنسان اعتاد أن يحيا حياته في زخم القطيع ، يأكل ويشرب ويتزواج ويسعى ويلهث خلف أشياء ربما بل غالبا لا تعني له كثيرا ، ولكنه اعتاد أن يلهث خلف الجموع ومن سبقوه في هذا الاتجاه أو خلف هذا المطلوب أو المأمول فقط لمجرد التقليد الأعمى لمن سبق من البشر ، ونادرا ما يتوقف ابن آدم ليسأل نفسه أو يقيم أفعاله وحياته ، وحتى لو حدث فسوف يكون عند تعرضه لحدث كبير ، سواء حزينا كان أو سعيدا ، ولكنه أبدا لن يتوقف للتقييم وإعادة الحسابات بفكر مطلق حر وقادر على إحداث التغيير الإنساني المنشود ، ولكنه غالبا ما يدفعه في اتجاه بعينه ليداوي أو ينتقم لألم أو عذاب أصابه ليزيد ضلالاته وبهتان مفاهيمه تخلفا بعقد أو أزمات نفسية جديدة ، يشارك بها أمثاله وبعض من سبقوه خاصة لو كانت النفوس يستهويها نوعيات العقد والتعقيدات النفسية التي تتورط فيها ، لنجد في النهاية أن معظم البشر على الأرض يعاني من درجة من درجات الخبل أو العته أو الهطل أو (عدم الاستواء النفسي) ، ولكنه في النهاية ليس مريضا ما دام يحيا داخل الإطار المقبول مجتمعيا .
وحقيقة لا يستطيع بشرا أن يحدد بدقة مفهوما موحدا لكل البشر على الأرض لـ " الاستواء النفسي العام " ، فبعض عادات الأوربيين الاجتماعية والشخصية تعتبر جرائما وخللا نفسيا ومجتمعيا في بلاد الشرق ، وبعض عادات الهنود تعتبر جنونا وربما تخلفا في غالبية بلاد العالم ، وبعض عادات الأفارقة تعتبر شذوذا في بلاد المسلمين وتخلفا في أوروبا ، ولكن يبقى الحد الأدنى من العلاقات الاجتماعية موحدا وهو الذي يسمح باستمرار الحياة وتطورها بل وأحيانا تبادلها بين مختلف الجنسيات والبيئات بمختلف معطياتها الزمانية والمكانية ، وهي العادات البدائية الحيوانية بالدرجة الأولى مثل التعارف والتزاوج والتعايش وتبادل المنافع والتعاون من أجل البقاء .
إلا أن جميع الجنسيات بتباين عاداتها وتقاليدها واختلافاتها ومعطيات معتقداتها تلتقي وتتواءم بل وتنصهر بسلاسة وبساطة مع قلب العالم في الشرق الأوسط ، في تلك البوتقة البشرية المسماة بشعب مصر ، فمصر لا تلفظ إلا من يتآمر عليها ، ولا تطرد إلا من يمكر بها ، ولا تهلك إلا من يظن أنه أكبر منها حتى ولو كان من أهلها ، فمصر لا تقبل إلا المسالمين الطيبين ، ولا تحتضن الكاذبين ولا الخونة ولا المنافقين ولا الفاسدين ، فهي بوتقة الأرض التي تلفظ خبثها وتحرق أعداءها وتذل من يتكبر عليها ، وتهدم من يتعالى عليها ، ولا مثيل لها على الأرض ولا شبيه ، ولذلك زارها كل الأنبياء والرسل الأقدمون قبل خاتم المرسلين ، وتزوج منها خليل الرحمن وحبيبه من أولي العزم من الرسل " إبراهيم ومحمد " ، وحماها الله بعنايته وحرسها بعينه سبحانه ، واشتهرت عبر التاريخ بأنها مقبرة الغزاة ، حتى أن الحجاج بن يوسف الثقفي وهو رغم سلبياته الكثيرة إلا أنه كان وما زال أذكى وأبلغ وأخطر عقلية وشخصية سياسية عبر التاريخ البشري حيث قال ناصحا طارق بن عمرو ، { لو ولاك أمير المؤمنين أمر مصر .. فعليك بالعدل ، فهم قتلة الظلمة وهادمى الأمم ، وما أتى عليهم قادم بخير إلا إلتقموه كما تلتقم الأم رضيعها ، وما أتى عليهم قادم بشر إلا أكلوه كما تأكل النار أجف الحطب ، وهم أهل قوة وصبر و جلدة و حمل ، و لايغرنك صبرهم ولا تستضعف قوتهم ، فهم إن قاموا لنصرة رجل ما تركوه إلا والتاج على رأسه ، وإن قاموا على رجل ما تركوه إلا وقد قطعوا رأسه ، فاتقى غضبهم ولا تشعل ناراً لا يطفئها إلا خالقهم ، وانتصر بهم فهم خير أجناد الارض وأتقى فيهم ثلاثاً ، نسائهم فلا تقربهم بسوء وإلا أكلوك كما تأكل الأسود فرائسها ، أرضهم وإلا حاربتك صخور جبالهم ، دينهم وإلا أحرقوا عليك دنياك ، وهم صخرة فى جبل كبرياء الله تتحطم عليها أحلام أعداء الله وأعدائهم } .
ولذلك فلا عجب أن كل دولة عظمى تسعى دوما بكل ما أوتيت من قوى للسيطرة على قلب العالم ، والوصول لقلب الدنيا النابض (مصر) ومحاولة السيطرة عليه مهما كلفها الأمر ، وهو ما يفسر أسرار العداء الإنجليزي التاريخي لمصر والمصريين ، فالإنجليز فشلوا في السيطرة على مصر ، وخرجوا بعد سبعين سنة كغيرهم صاغرين بل ومديونين للمصريين حتى يومنا هذا ، ولولا أن بريطانيا والغرب وأمريكا يعلمون جيدا أن المواجهة مع المصريين خاسرة ، ما توانوا لحظة عن تكرار أحد المسلسلات التي نفذت في سوريا أو ليبيا أو العراق أو حتى إيران نفسها عبر نصف قرن مضى ، بغض النظر عن مسرحيات العداء الهزلية التي تدار بحماقة وغباء غير مسبوقين ، ولكن الردع السلبي المصري أشد وأقوى من كل أطماع وأحلام وأوهام الطامعين والمتربصين ، وهذا رغم أنف كل من يعارض هذا من الجهلاء والمغيبين والموتورين والمأجورين والحمقى .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
