” والله لسة بدري والله .. يا شهر الصيام ” … بقلم : جمال عمر


لا تلوموني .. ولا تنكروا عليي عشقي لهذا الشهر ، الذي يمضي سريعا دون هوادة أو تأني ، وكفاني شجنا وحزنا أن كل ساعة تمر وكل يوم يمضي لن يتكرر في رمضان مرة أخرى ، فنحن في لمسات الأسبوع الأخير ، وما أدراك ما الأسبوع الأخير في رمضان ، فهو شجن الأحبة والمحبين لرمضان ، ووداع العاشقين لنفحات الله وعبق رمضان الأزلي الذي يزداد قوة وقيمة وجلالا عاما بعد عام ، فرمضان رغم أنه مشقة للجسد وحرمان من النوم ، إلا أن كل مشقة في رمضان تصيبنا فقط من جراء سوء عاداتنا وضلالاتنا المقدسة فيه .

ففي شرع الله وناموسه الرباني ، يكون نهار رمضان هو للصيام والعمل والكد والكدح ، وليل رمضان جعله الله تمتعا بالأنيس والونيس والأهل والأحباب كما يقول سبحانه وتعالى .. {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }البقرة187، فلم يفرض الله ولا رسوله في ليل رمضان مطلقا أية صلاة للقيام "تراويح" ولا صلاة تهجد ، ولا اعتكاف في المسجد ، بل من الشرع والدين أن الاعتكاف لا يجوز إلا للمتفرغ من ثلاثة " العمل – الزوجة – الأولاد " ، فإذا تأثر بيتك وزوجك وأولادك بالاعتكاف في العشر الآواخر فلا يجوز لك الاعتكاف وهم أولى بوقتك ووجودك ، وإذا كنت ممن يعملون يوميا في وظيفة أو صنعة أو حرفة فلا يحل لك شرعا تعطيلها لتعتكف ، فرسول الله كانت وظيفته المحددة من قبل الله هي أنه رسول نبي مكلف بالتفرغ لتبليغ الرسالة ليل نهار ، ومراجعة القرآن الكريم ودراسته وتفسير ما يشاء الله للناس ، ولذلك فاعتكافه هو جزء من مهمته في الدنيا ، والتي لا يشاركه فيها أحد ولا يقلده إلا من كانت وظيفته في الدنيا مماثلة .

ولكن الفاروق عمر بن الخطاب بعد توليه الخلافة بعد وفاة النبي والصديق أبا بكر ، رأى أن يجمع الناس على إمام واحد في نوافل ما بعد العشاء في رمضان ، والتي تعلموا من رسول الله أنها تصلى فرادى لمن شاء ، ولا إجبار لأحد عليها ، ولا إزعاج لمخلوق بها ولا تعطيل لعمل أو إفساد لمصالح أو حياة بسببها أو لها ، ولكن الفرق والجماعات والتي هي نتاج تاريخي منطقي للشرك بالله والكفر بقيوميته انقسموا كالعادة وبالغوا في المناسك والشعائر وأضافوا لها الكثير من الضلالات المقدسة ، حتى أفقدوا المناسك والشعائر جلالها ومضمونها وفائدتها للنفوس ، فنرى من يصلي القيام ثمانية ركعات وبعضهم عشرين ركعة ويقرأ فيها بجزء من القرآن في كل ليلة ، ليصدق فيهم قول الله عز وجل .. {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً  ، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً }الكهف104 ، فلم يخلق الله عباده للتفرغ للصلاة ، ولا لترك العمل والكد والكدح بسبب الصلاة أو الصيام أو أي فريضة أو منسك ، لأن هذه الفروض والمناسك فرضها الله لتحافظ على استقامة بني آدم في إعمار الأرض كخليفة لله عليها ، فإذا ترك الفروض أو المهمة متعمدا فقد كفر بقيومية الله عليه ومن أو أفسدها وأهملها فلا قيمة لوجوده سوى أنه مستحق لأشد العقوبة عند الله في الدنيا والآخرة .

وما أكثر الضلالات في كل الأديان من جراء بهتان البشر وتزويرهم المستمر والمتصاعد للمفاهيم والتي على رأسها مفهوم العبادة ، والتي دوما نكررها أن العبادة هي أداء مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها ، والتي هي "إعمار الأرض كخليفة لله عليها ، وهي المهمة التي استحق عليها ابن آدم أن { تسجد له – تدعو له – تستغفر له – تحفظه } الملائكة والتي هي أفضل خلقه ، وما نسميها زورا وبهتانا بالعبادات .. ليست إلا مناسك وشعائر فرضها الله على ابن آدم ليستقيم في أداء المهمة التي خلقه سبحانه من أجلها ، فالصلاة وذكر الله "تنهى عن الفحشاء والمنكر" ، والصيام يهذب النفوس "لعلكم تتقون" ، والزكاة خضوع وتسليم واعتراف بأنك لست إلا وكيل على ما منحك الله وتخرج منه ما يأمرك به ، والحج تسليم لله في كل شيء ، ولكن البشر احترفوا الضلال بكل صوره ، حتى وصلنا في وقتنا الحاضر لطمس كامل لسماحة وبساطة الدين عند الله ، وفي زخم هذا تفشت أفكار الإباحية وانعدام الحياة والفوضى الإعلامية بكل صورها خاصة في السنوات الأخيرة بعد تفجر الفضائيات ، واحتلالها لمعظم المساحات الزمنية لعامة الناس خاصة في رمضان ، فما رعوها حق رعايتها ، وما احترموا رسالتهم الجليلة في تشكيل فكر ووجدان الناس ، حتى أفسدوا معتقدات البشر وأفكارهم ودمروا الحياء خاصة لدى البنات والسيدات .. والمفروض أنهن أصل الحياء ومصدره .

 

ورسالتي لمالكي ومسئولي قنواتنا الفضائية .. سامحكم الله .. أنتم .. " كرهتونا في رمضان ربنا" ، ولا أملك إلا ممارسة حقي في أن أدعو عليكم في رمضان .. وأن أمنحكم شرف دعوة الإفطار اليومية .. بدعوات قاسية مريرة تتوافق مع حجم ما تفسدونه من أخلاق وإيمان وصيام هذا الشعب ، وأن يجعل الله منكم عبرة .. عبر الزمن لكل مفسد فاسد مفسود لا يستحي أن ينشر الفواحش والشرور بين البشر بحجة الإبداع والفن والتسلية ، هذا الدعاء القاسي هو بالقطع على المسئولين عن المادة الرمضانية الفاسدة والمعروضة في معظم قنواتنا الفضائية وغيرها ، حيث أن الغالبية العظمى من قنواتنا الفضائية قد فجعتني بكم من الاستفزاز والتخلف والغباء والفواحش والاستهانة بعقول المشاهدين غير مسبوقة في تاريخ البشرية منذ آدم وحتى "سيسو" آخر أبناء عم شعبان بواب عمارتنا الفيومي .

بداية من إعلان فج مبتذل من بطولة مذيع رياضي شهير كان يوما رجلا عسكريا ، ولكنه اليوم لا يستحي أن يعلن عن البوكسر والفانلة ، بكلمات وأيقاع هيثم كاتنلة "سامحك الله" ، وتفجعك إعلانات مسعورة لا تنتهي لشركات المحمول التي تعطيك خمسين أو ثمانين أو ثلاثمائة ضعف لشحنتك ، وكلهم .. مع الاعتذار .. ( يتسابقون لنهب أكبر قدر من النقود من جيبك رغم أنفك ) وما عروضهم إلا وسيلة لابتزازك في أكبر قدر ممكن من دخلك لجيوبهم ، ولذلك لا تتعجب كيف تدفع أحد شركات المحمول أكثر من 600 مليون جنيه في تكلفة إعلان لمدة دقيقة أو اثنين ،  ولا غرابة أن تكتشف تدريجيا أن المسلسلات المعروضة جميعا تنقسم إلى أقسام رئيسية ، فالقسم الأول "قسم النكد والاحباط والاكتئاب والجريمة" وفي هذا القسم حدث ولاحرج ففيه ستجد المخدرات والخيانة والسرقة والندالة والنجاسة واللعنة والقتل في إطار شيطاني حنون يشدك لتتعاطف معه مثل "ولد الغلابة" ، وهكذا ينشرون الفواحش والخراب في المجتمعات ، أما القسم الثاني فهو الكوميدي بالـــــ " الهبل والاستهبال" ، وعدم احترام غباء المشاهد لأقصى درجة مثل "ميرو" و "فكرة بمليون جنيه سفاهة" و الزوجة 18" و "سيد الشحات" اعتمادا على أسماء ومهرجين بعينهم دون أن يقدم أي جديد للعائلات التي تتابعهم ، والقسم الثالث .. هي برامج الاستفزاز المملة بداية من المخبول رامز ومرورا بالعروسة البلاستيك عايشة شو ، ثم البرنامج الملعون الموقوف "شيخ الحارة" والذي يبدو أن الجهل وسوء التربية وضعف الأخلاق وفساد الدين قد اجتمعوا جميعا في فريق العمل لهذا البرنامج .

ولكني .. لا أستطيع إنكار وجود شيء جيد يمكن أن تراه العائلات سويا ويسعدها ويفيدها مثل البرنامج الفاخر "عباقرة العائلات" ، بارك الله في فريق عمله ومن وراءهم ، فهم وحدهم استطاعوا أن يخطفوا المشاهد لوجبة يومية خفيفة ومفيدة ورائعة من المعلومات والترفيه ، وأجمل ما فيه أنه يفضح حجم الجهل الذي يرتع في عقول المصريين وهم يحسبون أنهم عباقرة خاصة المشاهدين ، الذين كثيرا ما يحرجهم البرنامج أمام أبناءهم ، وليت أبناءنا يحركهم برنامج مثل هذا ليتعلموا ويعرفوا ويقرأوا ويزدادون علما وفهما ورقيا ، فهم الأمل الوحيد لتقدم هذا البلد وتطوره ، فضلا عن إعلانات هامة وإيجابية وتستحق الاهتمام وهي إعلانات التبرع والزكاة والصدقات والإطعام ومساعدة الغير التي تفخر مصر أن تكون فيها رائدة في المنطقة والعالم عامة .

ورغم ما قد نعانيه من ملامح الدنيا ، كبعض المساوئ والضلالات وفساد بعض النفوس .. إلا أن نفحة الله الكبرى للبشر .. " رمضان " .. ستظل تحمل رونقها وعبقها وبركاتها ونفحاتها وشجنها وسحرها إلى يوم القيامة ، وسنظل ما حيينا ننتظر رمضان بالحنين والشوق ، ونحياه ما كتبه الله لنا بكل الخشوع والعشق والشجن ، خاصة وأنه قد ازداد في سمع الزمان أنشودة "والله لسة بدري والله .. يا شهر الصيام" ، ورحم الله من سبقونا إلى ربهم من أجدادنا وأمهاتنا وآبائنا ، وإخواننا وأخواتنا وأولادنا وأحبابنا ، وهدانا الله لما يحبه ويرضاه .. وكل عام وأنتم بكل الخير والصحة والسعادة وختم الله لكم رمضانكم بالعفو من الكريم والعتق من النار …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *