" تم البدر بدري .. والأيام بتجري .. والله لسة بدري والله .. يا شهر الصيام " .. هي ليست أنشودة شعبية تاريخية فقط .. ، ولكنها تسجيلا عبقريا لحالة متكررة يشعر بها العاشقين والمتيمين برمضان عندما يصدمهم أن رمضان قد عبر منتصفه وبدأ العد التنازلي ، ثم انزلق في العشر الأواخر منه ، والتي رغم بهاء رونقها إلا أنها تحمل كثيرا من الشجن لاقتراب نهاية نسائم وروح وعبق وروح رمضان ، التي تعشقها النفوس وتهوى أهازيجها القلوب والحواس ، فعلي مدي هذه الأيام القليلة المتبقية من شهر الصوم المبارك تنتشر عبر أثير شبكات الإذاعة وقنوات التليفزيون أغنية وداع رمضان التي تشدو بها المطربة شريفة فاضل من كلمات الشاعر الغنائي عبدالفتاح مصطفي ولحن الملحن عبدالعظيم محمد ـ رحم الله الجميع ، وفي أداء مشحون بالشجن تعلن هذه الاغنية أن ليالي شهر الصوم قاربت علي الإنتهاء وأن عيد الفطر تطل بشائره على الأبواب وأن الشهر الكريم الذي استقبلناه بالفرحة والسعادة لأنه شهر الرحمة والبركة والمودة والتقرب إلى الله على وشك أن يودعنا ولا ندري هل نبلغه مرة أخرى أم لله قدرا آخرا فينا ، ولذلك لن نمل ومن تكرار غنائنا " والله لسة بدري والله .. يا شهر الصيام " .
ولعلي لست وحدي من تهزه مثل هذه الأغنيات بعنف وتفجر مشاعره ، خاصة عندما يشعر الإنسان أنه قد تجاوز منتصف العمر وبدأ في مراحل العبور للطرف الآخر من الحياة ، ولا شك أن أهم ما يجعل مثل هذه الأغنيات تفجر دوما كثيرا من الشجن هو أنك تشعر بأن كلماتها وألحانها وأدائها قد تم التعامل معها بمنتهى الإخلاص والجدية والتفاعل الإنساني الصادق ، وهي سمات اتصفت بها سنوات أجيال ازدهرت منذ منتصف القرن الماضي وحتى نهايته ، حيث كانت أم كلثوم هي كوكب وامبراطورة النغم والغناء في الشرق ، وعاصرها كم كبير من عمالقة الغناء والتلحين والكلمات والأشعار ، ناهينا عن عمالقة الأدب والعلوم المختلفة ، حتى أنه مثلا .. مجرد المقارنة بين عملين فنيين قد يصيب البعض بالغثيان ، فكيف تقارن مثلا .. بين رقي ترانيم أم كلثوم بقصيدة مثل رباعيات الخيام أو أراك عصي الدمع وبين عته وتخلف وانحطاط ودونية كلمات أغنية مثل .. " فرتكة .. فرتكة " ، أو بعض أغنيات أدخلن صويحباتهن السجن فحشا مثل " عندي ظروف " أو " بص أمك " .
ورغم أن أمثالنا قد يحيا معظم عمره بعيدا عن مسقط رأسه ، ولكنني أذكر أن رمضان كان له رونقه الخاص جدا في كثير من صور وأشكال ربوع بلادنا العامرة بذكر الله وتعظيم شعائره ، ففي الإسكندرية حيث تغمرك رائحة البحر الساحرة ورونق الإفطار على شاطئه في ستينات وسبعينات القرن الماضي حيث لا توجد أبراج ولا عمارات بل شاليهات خشبية أو نصف خشبية تمتد من الشاطبي وحتى ميامي حيث نهاية العمار وبداية الرمال والطريق الساحلي لأبي قير ورشيد ، وتبهرك جمال وبساطة الزينة لمداخل جبل ناعسة واللبان و ومحلات وشوادر شارع شجرة الدر ومرورا بعرفان وطوسن وحتى أبيس ، ومن شوادر بحري والمنشية إلى الورديان والماكس وجناين العجمي ، حيث كان لكل منطقة طابعها الخاص في رمضان خاصة في فصل الشتاء ، ولكنها جميعا كانت تعشق صوت قرآن المغرب بصوت الشيخ رفعت وابتهالات النقشبندي خاصة عندما يدوي صوته في الآذان بندائه على شاطيء البحر ساعة الغروب بقصيدته التاريخية " مولاي .. يا مولاي " ، لينتهي بك المطاف على مائدة إفطار تزينها الصيادية وبعض فواكه البحر عند ملوك الوجبات البحرية على شاطيء الماكس لتلحق بالعشاء والتراويح بمسجد منصور الروبي ، وينتهي بك المطاف في صلاة الفجر بالمرسي أبو العباس .
ويختلف الحال كثيرا في قريتنا الصغيرة القابعة في جنوب المعمورة أو كما نقول " على طرف السما القبلي " في صعيد مصر ، حيث رمضان بكل ألوان البدائية والبساطة والكرم ، فلم تكن توجد كهرباء حينها سوى ساعتين في اليوم ، من الثامنة حتى العاشرة مساء ، وربما أقل من هذا ، ولكن في رمضان تمتد الكهرباء حتى نهاية صلاة الفجر ، ويتبارى أكابر القرية في " التسهير" ، وهو التعاقد مع شيوخ لإحياء ليالي رمضان في منادر البيوت " مداخل وأماكن استقبال الضيوف " بالابتهالات والتواشيح والقرآن يوميا من آذان العصر وحتى صلاة الفجر ، مع ذبائح يومية لإفطار وسحور وطعام وشراب الشيوخ "المشايخ" وضيوف الرحمن من الفقراء والأصدقاء والأقارب والزوار ، وكان بعض الناس على قدور استطاعتهم يقيمون "التسهير" أسبوعا واحدا في أول الشهر وبعضهم في آخره ، حيث يبدأ الإفطار في المنادر بعد الآذان ببعض تمرات أو بعض اللبن أو بعض اللبن بالبلح أو الكشك الصعيدي باللبن أو العصيدة باللبن أو قمر الدين ثم يرعون لصلاة المغرب في المسجد القريب أو الكبير ، ثم يعودون بعدها لتناول وجبة الإفطار الرئيسية المتوجة باللحوم وما لذ وطاب والتي يستمر التعامل معها ومع توابعها حتى آذان العشاء ، فيقومون لصلاة العشاء وبعض ركعات من التراويح ، وبعدها يعودون لتناول المشروبات والأكلات الخفيفية وسماع الابتهالات والقصص من المنشدين حتى اقتراب الفجر ، ومعه بشائره تبدأ مراسم وجبة السحور والتي غالبا ما تكون لحما ودسما وثريدا للمشايخ ، وفولا وجبنا وبيضا وربما عسلا لأهل الدار ، ولا تنسى أن تعجل بالشاي في دوره الأول والثاني ثم دوره الأخير بالنعناع للفتيات والصغار قبل الإمساك ، ثم مراسم صلاة الفجر التي يحضرها كل رجل وشاب وولد صغير بمسجد القرية ولا يتخلف عنها إلا من كان امرأة أو فتاة أو مريضا أو مسافرا ، فتشعر أن رمضان قد جمع القرية كاملة لشهر كامل ، فلا تجد بعد رمضان مشكلة بلا حل أو خلافا بلا نهاية ، وكذلك ولا فقيرا محتاجا لأي شيئ حتى نهاية رمضان ، فضلا عن أن رمضان بهذه الصورة كان يحفر في النفوس ذكريات وصور وتابوهات نفسية لا يمحوها الزمن .
وعلى صعيد آخر .. لا أستطيع أن أنسى رمضان في قلب صحراء سيناء مع جنودي ، ودرجة الحرارة نهارا تتجاوز الخمسين درجة ، حيث لا يستطيع أحد أن يختفي بعيدا عن أشعة الشمس المباشرة إلا خلف غطاء رأسه الذي تشعر أنه قد تلاشى بعد أقل من دقائق معدودة ، ورغم قسوة الطقس فلا توجد وسيلة لقتل الوقت إلا بالاستفادة منه بالعمل خاصة في جحيم درجة الحرارة العالية ، وكان هروبي المعتاد من سخونة أرض وساحات التدريب والعمل الجبلية للمرور على القطاعات الإدارية مثل العاملين في جحيم أفران المطبخ الجبلية ، حيث دربنا جنودا حتى أصبحوا محترفين في صناعة الخبز بأنواعه ، وآخرون أصبحوا طباخين مهرة يجيدون إقامة الولائم بشتى صورها وبمختلف الإمكانيات لزملائهم في رمضان يوميا ، ولم تكن حالة الجو تبدأ في التحسن إلا قبل المغرب بساعة تقريبا ، ولا يمكن أن أنسى اجتماعنا اليومي لتناول وجبة الإفطار ضباطا وجنودا ، حيث زاد من تقارب النفوس أنه لم يكن هناك ما يلهي النفوس أو يشتت انتباهها وتقاربها مثل القنوات الفضائية أو وسائل اللهو المعروفة ، بل كان الراديو هو سيد الموقف ، وصاحب الصوت الذي لا يغيب عن مجمع الطعام ونادي وعنابر أو خيام الصف والجنود طوال الليل بداية من قرآن المغرب وآذانه ، ثم فوازير رمضان ومسلسلات وقرآنه وابتهالاته اليومية وبرامجه حتى برنامج أحسن القصص وبداية وجبة السحور الجماعية اليومية للجنود والضباط وضباط الصف مثل الإفطار تماما ، فالحياة مع الرجال في الصحراء تصنع تآلفا قويا بين الجميع وتبرز أخلاقا بعينها وتعلي من شأنها مثل الرجولة والشجاعة والشهامة والمروءة والولاء والفداء والكرم .
ومن المؤكد أن أولادنا لن ينسوا رمضان مهما اختلفت وسائلهم وأساليبهم في التعامل مع هذا الشهر العظيم ، ومهما كان اختلافهم مغايرا لنا ، وقد لا نرضى عنه كله أو بعضه ، ولكنهم في النهاية يحيون مقدراتهم ومعطيات حياتهم بكل ما فيها من مميزات وسلبيات ، وهو قدرهم المكتوب عليهم وسوف يحيونه رغم أنف الجميع شاءوا أو أبوا ، ولكني أسر لهم بأخطر ما سوف يعلمونه مطلقا ، أنهم جيل مظلوم ليس فقط لأنه قد ظلم نفسه ، ولكن لأنه لا يجيد الاستمتاع ببساطة حياته وسلاسة التعامل فيها ومع معطياتها ، لأن بعضهم يبخلون بالجهد ويظنون أن المتع في الراحة ، ويستمتعون بالكسل ، ويجهلون تماما أن جميع متع الإنسان في الدنيا ، لا يصل بها لذروتها إلا على قدر ما يبذله من جهد وكد وتعب ، ونذكرهم بأن القوة الجسدية لا يحققها الإنسان إلا بكثير من مشقة التدريب والتحمل ، والقوة العقلية لا تأتي إلا بكثير من العلم والتعلم والصبر على مشقة التعلم ، فلا فوز بروعة المتعة إلا بتحمل المزيد من المشقة ، وهذا هو ناموس الخالق في خلقه ولا تبديل لخلق الله وناموسه .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
