نفحات رمضانية .. لمفاهيم قرآنية (1) .. بقلم : جمال عمر


من حقي .. ومن حقك .. ومن حق أي إنسان أن يؤمن بما يشاء ويعتقد فيما يشاء ، بل حقيقة .. لابد لكل إنسان أن يؤمن بمعتقدات وقيم تشكل فكره ووجدانه وتحدد اتجاهاته في الحياة فذلك هو دينه الخاص ، والذي هو في الحقيقة يرسم ملامح شخصيته ، وليس من حق إنسان أن يتدخل أو يفرض على غيره التصديق أو الإيمان بشيء رغما عنه ، خاصة لو كان الموضوع متعلقا بمعتقدات تجاه الخالق العظيم ، لأن الله لا يقبل الإيمان به جبرا ، ولا يرضى أن يكون سبحانه معبودا من خلقه قصرا ورغما عنهم ، وقد أوضحه سبحانه في آخر كتبه ودستوره لحياة للبشر وهو القرآن الكريم (كما نعتقد)، بقوله تعالى .. {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ .. }البقرة256 ، وبالتالي فمن باب أولى ألا يكون لبشر حق فرض أي شيء على أحد غيره ، وهذا ما تعلمنا ببساطة من مفاهيم القرآن الكريم التي نحسب (والله أعلى وأعلم) أن فهمنا لها صحيحا خاصة في رمضان ، حيث نجد في رمضان الفرصة للتأمل في آيات القرآن بعيدا عن السباق الساذج لختم القرآن أكثر من مرة .

وفي رمضان اكتشفت أن الله فرض عقوبات وشدد بعضها وخفف بعضها ، ولكنه سبحانه فرض عقوبات مفصلة ومحددة وجعلها خزي في الدنيا مع الوعد بالعذاب الشديد يوم القيامة لمن يرتكب خطيئة واحدة ، وليست هي الشرك ولا الكفر ولا القتل ولا الزنا ولا السرقة وكلها مجمل جرائم شهوات ابن آدم ، ولكن هذه الجريمة هي الخطيئة الوحيدة التي تشعل غضب الرب وسخطه ويعتبرها سبحانه .. إعلانا للحرب على الله (ولله المثل الأعلى) ، ألا وهي الإفساد في الأرض ، والإفساد في الأرض يبدأ بكلمة أو همسة تصنع فتنة أو حتى إلقاء ورقة في الطريق العام ،  {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 ، فالله لا يقبل أن يكون خليفته على الأرض ، والمستخلف على الأرض بمهمة واحدة فقط هي إعمار الأرض كخليفة لله عليها ، هو نفسه من يفسدها سواءا متعمدا أو مهملا أو مضطرا لأنه سبحانه .. "  {.. وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ }البقرة205 .

ولقد اكتشفت في رمضان أيضا .. أن الله شدد هذه العقوبة .. لأن "إعمار الأرض كخليفة لله عليها" ، هو مهمة العبودية التي خلق الله من أجلها البشر ، وأداء هذه المهمة هو "العبادة الحقيقية" التي استحق عليها البشر { استغفار – حفظ – دعاء – سجود } الملائكة ، ولذلك ينادي الله المؤمنين والكفرة والمشركين جميعا بقوله "عبادي" ، لأنه من قمة إعجاز الله تعالى .. أن يقوم المؤمن والكافر والملحد والمشرك بإعمار حياته بفطرته ، فالكل يريد أن يطور حياته ويتزوج وينجب ويبني بيتا ويزرع أرضا ويصنع أشياء أفضل ممن سبقوه ، وتلك هي العبادة الحقيقية ، ولن يستقيم الإنسان في أداء العبادة { إعمار الأرض} إلا بتنفيذ الضمانات التي وضعها خالقه وهي الفروض والمناسك (الصلاة – الصيام – الزكاة – ذكر الله الحج) .

واكتشفت عجبا .. أن أول من زور مفهوم العبادة ، وأسمى الفروض والمناسك بالعبادات ضلالا وبهتانا مخالفا للقرآن العظيم ، هم الفاطميون في مصر ، حيث كان عهدهم زاخر بالضلالات والبهتان ، حتى أنهم فرضوا حفظ البخاري على المصريين قصرا وجبرا قبل القرآن ، بل وفرضوا عقوبة الجلد على من يخطيء في البخاري وهو ما لم يفعلوه مع حفظ القرآن ، حتى توارثت أجيال المصريين مقولة "هو انا غلطان في البخاري" ، فهم أول من نشر مفهوم أن العبادات هي المناسك والفروض ، حتى رسخوا في نفوس المصريين أن من صلى وصام وزكى وحج وذكر الله فهو في الجنة ، فتحول المصريون شيئا فشيئا إلى دراويش مساجد لا قيمة لهم ، وتبعهم كل المسلمين حيث حرص الفاطميون أن يكون جامعهم الأزهر هو مصدر الدين للعالم أجمع ، فتفشى الزور والبهتان في مفاهيم الإسلام بداية من مفهوم الدين نفسه ، ثم العبادات ، ثم الأرزاق ، ثم الأمانة ، وتبعه آلاف من المفاهيم التي تم طمس معناها الحقيقي زورا وضلالا باسم الدين ، فلم يبق من الدين إلا مظاهر وجلباب ولحية وركعات وأقوال وشعائر .

واكتشفت أيضا في رمضان .. أن المسلمين أهملوا أكثر من 45% من آيات القرآن وهي آيات الخلق والعلوم البحتة ، والتي أنزلها الله ليضع حدود العلوم ، ويوضح معالم كل علوم الحياة للإنسان لتساعده في أداء المهمة التي خلقه الله من أجلها وهى "إعمار الأرض كخليفة لله عليها" ، واهتم المسلمون فقط بـ "188 آية" لا تمثل أكثر من 2% من القرآن وهي آيات الفروض والحدود ، والتي أسموها ضلالا وزورا بـ "العلم الشرعي" ليجعلوه هو فقط العلم المقدس ، وتفرغوا له ، ثم اختلفوا فيه ، ثم انقسموا باختلافاتهم بعضهم على بعض ، وتفرقوا إلى فرق وجماعات تخطى عددها السبعين فرقة وجماعة ، بل وأصبح مشايخ وعلماء الأزهر حتى يومنا هذا مقسمين بين مختلف الفرق والجماعات ، فشيخ الأزهر مثلا يتباهى أنه صوفي أشعري ، ومساعديه ينتمون لإخوان المسلمين وبعضهم سلفيون وهابيون وآخرون ينتمون للجهاد ، وكثير منهم ينتمي للفرق الصوفية .

Image result for ‫صور الصوفية‬‎

ورغم علم جميع مشايخ وعلماء الأزهر والأوقاف أن الانتماء للفرق والجماعات هو شرك صريح بالله ، مصداقا لنهي الله القاطع في سورة الروم { .. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون} ، وقوله تعالى في الأنعام .. {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }الأنعام159 ، إلا أن الجميع لم يجدوا مانعا من الانتماء للفرق والجماعات ، ولكنهم لا يردون على أي استفسارات بهذا الشأن ، وأفضلهم ضميرا وفهما يسوف ويتهرب فيقول لك أن هناك تيسيرات في الفهم ، وأن الفرق والجماعات التي تستبيح دماء بعضها بعضا هي فقط المعنية بوصف الشرك ، وكأنهم بذلك يمنحون أنفسهم الرخصة من الله ليشركوا به ، ولذلك لا عجب أن يكون بلاد وشعوب المسلمين من سيء لأسوأ منذ قرون طويلة مضت ، لأنهم ليسوا بمسلمين ، ولا مؤمنين ولو صدقوا في دينهم ، ما أهانهم ربهم في الدنيا ، فهم مسلمون بالوراثة ولا يستحقون إسلامهم .

وفي رمضان اكتشفت حقيقة أن الإنسان مجرد نفس ، يمنحها الله جسدا من طين الأرض ، يحيه الله بنفخ الروح فيه ، وهذه الروح هي التي تجعل الحيوان المنوي والبويضة أحياء ، وكذا خلية الأميبا والحشرات والنبات وكل الأحياء على الأرض ، ولا علاقة للإنسان بالروح فهي سر من أسرار الله لإحياء كل جماد ، وعندما يأذن الله للنفس أن تدخل الجسد الحي للمرة الأولى بنهاية الشهر الرابع للحمل ، تقول الأم أن الجنين قد تحرك ، ويصف سبحانه هذه اللحظة بقوله  { ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } ، فالمخلوق الذي مر بأطوار سبعة للخلق قد أصبح إنسانا بدخول النفس فيه ، ومنذ أول دخول للنفس في الجسد في نهاية الشهر الرابع للحمل ، تستمر هذه النفس في الخروج والعودة للجسد أثناء النوم ، حتى تخرج للمرة الأخيرة ، فلا تستطيع العودة لتلف وفساد الجسد بعد استرداد الله لسر الإحياء من الجسد "الروح" ، فيتوفى الله النفس ، ليرسلها في نشأة جديدة مختلفة  {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47، تعتمد على نتائج نشأته السابقة ، ويظل ابن آدم في تكرار نشآته حتى يوم القيامة ، حيث ينفخ في الصور ، فيصعق من في المساوات والأرض ، ثم ينفخ فيه مرة أخرى فينشأهم الله "النشأة الآخرة" للحساب والثواب والعقاب .

ولا شك أن تصحيح هذا المفهوم وبعيدا عن أساطير تناسخ الأرواح المعروفة في حضارات كثيرة سابقة ، سوف يفضح عوار وضلال كثير من المفاهيم الخطيرة التي يزخر بها الدين كضلالات مقدسة .. سوف نستعرضها لاحقا …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *