من “رابعة” .. إلى الـ “إيديكس” .. بقلم : جمال عمر



مشاهد متسارعة مرت عبر خيالي المتواضع رغما عني على أبواب معرض الدفاع المصري الأول "إيديكس 2018" ، فلم اتذكر شيئا مما اعتدنا تذكره عند زيارة المعارض أو الأماكن الجديدة ، ولا مشاهد الصراعات المسلحة في العالم ، ولكن روعة المظهر والتنظيم وجلال الهيبة المفاجيء لعقلي المحدود أجبره على سرعة سرد مشاهد أحداث اعتصامات رابعة العدوية والنهضة منذ سنوات قليلة ، وبل وجعلني أكاد أخر ساجدا لله على نعمته وكرمه وفضله أن أنقذنا من كارثة المستنقع التي كان هذا الوطن غارقا فيه لأذنيه ، فالفارق شاسع ورهيب ، بين قاع الفوضى والعشوائية والخراب ، وبين قمة النظام والروعة والإتقان ، فكلاهما مظهرا لتجمع البشر حول هدف واحد ، فالتجمع السابق كان مظهرا صارخا للتدمير والفوضى والتفريق والتقسيم والعداء ، على العكس تماما من المشهد والتجمع الحالي والذي هو شهادة قوية على القوة والتقدم والاحترام والأمان .

وعندما نرى أقوى دول العالم عسكريا واقتصاديا وسياسيا هي أكبر المشاركين في مثل هذا المعرض ، فلابد أن لهذا دلالات كثيرة ، أولها أن هناك ثقة كبيرة في قدرة مصر على تنظيم مثل هذه المعارض ، وثانيها أن هذه شهادة دولية بالإجماع على ثقل مصر السياسي والعسكري كدولة محورية هامة ، وثالثها أن هناك قدرا عظيما من الثقة في مستويات الأمن والأمان على أرض هذه الدولة ، ورابعها أن هذه الدولة تخطو على الطريق الصحيح لتصبح قريبا دولة من الكبار في العالم ، وخامسها أن هناك ثقة دولية في قدراتها الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية الحالية والمنتظرة منها ، وسادسها أن مصر قد تخطت بالفعل مراحل الخلل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري التي هددت كيانها كدولة مستقرة منذ سنوات قليلة مضت ، وسابعها أن مصر قد أصبحت قوة عسكرية متميزة ومحسوبة وهو ما يؤكد أنها أصبحت ضمن أقوى عشرة قوى عسكرية في العالم ، وتلك حقيقة غير قابلة للجدال تشكو منها إسرائيل واللوبي الصهيوني مؤخرا .

ولا شك أن تضارب المشهدين لحظيا ، كان سببا في إصراري على تسجيل هذه اللحظات بحروف وكلمات هي في حقيقتها عاجزة تماما عن وصف حقيقة الفوارق بين مفاهيم ودلالات المشهدين ، فالأول كان برهانا قاطعا على عجز الدولة وضعف قدراتها واقترابها من هاوية الحرب الأهلية والخراب والتقسيم ، والثاني بشموخه جاء برهانا على ارتقاء قدرة الدولة وتطورها للأفضل حتى أصبحت مصدرا للثقة والاحترام والأمان الذي يضمن تنفيذ مثل هذه الأحداث بتميز وجدية وإتقان ، خاصة عندما ترصد هذا الكم الغير مسبوق من اللقاءات والاجتماعات التي يعقدها وزير الدفاع ورئيس أركانه ووزير الإنتاج الحربي ورئيس الهيئة العربية للتصنيع مع وزراء دفاع وملحقي سفارات ورؤوساء شركات عالمية ، وما يستتبعه من اتفاقيات وبروتوكولات وعقود يتم توقيعها في شتى مجالات التسليح والتصنيع ، فيقفز إلى الذهن مباشرة ذكريات أيام مضت كانت مصر فيها لا تجد من يبيع لها معدات الدفاع الشخصي للشرطة ، بل ويومها ألغت كثير من الشركات الأوربية لعقود معدات وأسلحة شرطية بحجة انعدام الأمن وعشوائية الإدارة وفقدان الدولة السيطرة على مؤسساتها وشعبها .

ومن الطريف أن هذا المعرض يقام على أرض المعارض بالتجمع الخامس ، ليثبت للمعارضين والمعترضين وأصحاب النظرة المحدودة ، أنه ما كان لمصر أن تنفذ هذا المعرض بتلك الجودة والرقي والإتقان في أي مكان آخر على أرض مصر ، ويكفي أن يعلم "من لا يعلم" أن عائدات هذا المعرض الاقتصادية والسياسية والعسكرية والفكرية قد فاقت كل توقعات أفضل المتفائلين أو من يسمونهم بـ "المطبلاتية" بمراحل كبيرة ، حتى أن كبرى شركات تصنيع نظم الدفاع والتسليح في العالم قد نقلت للعالم أجمع سعادتها وتشرفها بوجودها واشتراكها في هذا المعرض على صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بها ، وهو ما لم يكن ليحدث مطلقا ، لو جانب مصر الصواب في تنظيم هذا الحدث في أي جانب أو مجال ، خاصة وأن من هذه الدول والشركات من كانوا ولا يزالون على رأس قائمة المتربصين بمصر وأخطائها ، علنا أو سرا .

ولا نقول سرا إذا اعتبرنا أن هذا الحدث وقدور التفاعل والاستجابة الدولية الكبيرة له ، هو دليلا على استمرار واستكمال لكثير من النجاحات المصرية والتي تعتبر تفردا لهذا الوطن خلال السنوات القليلة الماضية ، فمصر وحدها قد تفردت عبر التاريخ الحديث بأنها الدولة الوحيدة التي استطاع شعبها الخروج سالما من فوضى الثورة بل وفي أقل من خمس سنوات حتى أصبحت أقوى مما كانت قبل فوضى الثورة ، في حين قد خرج غيرها من ثورته ودولته مقسمة وشعوبه مشردة ، وعسكريا .. يكفي أن نذكر أن مصر قد أصبحت واحدة من سبعة دول في العالم تمتلك حاملات طائرات في أسطولها البحري ، وأن مصر وحدها قد أصبحت صاحبة أكبر عدد من المناورات العسكرية في العالم سنويا ، وأول دولة في التاريخ الحديث تقفز أربعة أو خمسة مراكز في الترتيب العالمي للقوى العسكرية في خمس سنوات فقط ، واقتصاديا .. فمصر وحدها قد أصبحت صاحبة أعلى معدل للتطور الاقتصادي في السنوات الخمس الماضية حتى أن الاحتياطي النقدي استطاع أن يقفز من الصفر إلى  أكثر من 44 مليار دولار ، وصحيا .. فمصر وحدها هي صاحبة أعلى معدل عالمي لتقديم العلاج المجاني لمواطنيها لنجاح مخططها للقضاء على فيرس سي ، وأمنيا .. فمصر هي الدولة التي هزمت الإرهاب على أرضها في حرب ضروس لم يشهد التاريخ مثلها من قبل ، وفي شتى المجالات اقتحمت مصر مشاكلها بلا تردد حتى أن مراكز الدراسات الاستراتيجية تتوقع أن تصبح مصر أحد القوى العظمى في غضون سنوات قادمة وقبل 2030م .

ربما يكون هذا الفهم والتقدير ليس واضحا في عقول الكثيرين ، أو ربما مرفوضا خاصة لدى الكارهين والمتربصين ومن اعتادوا الدونية والتشكيك تحت مسمى النقد والمعارضة ، أو ببساطة لدى من لم يرى شيئا ، واكتفى بالجلوس على صفحات التواصل أو أمام شاشات الفضائيات التجارية والمشككة والمأجورة لنشر السيء والفضائح والجرائم ، ولكن يكفي لمن زار أو شاهد أو حتى تابع هذا الإنجاز الكبير أن يقارن بين المشهدين الأكبر ، أولهما مشهد مضى كنا يومها نحاول دخول منطقة رابعة العدوية أو النهضة وسط فوضى وقذارة وخراب اعتصامات تجار الدين ، والثاني هو مشهد اليوم على أبواب معرض الدفاع المصري الأول "إيديكس 2018" في أحدث مقر للمعارض الدولية في العالم بالعاصمة الإدارية الجديدة ، فلله الحمد والنعمة والفضل …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *