لا شك أن الحديث عن السياسة وأمورها يسبب الكثير من الحيرة والجدال بين أي شخصين ، ليس في مصر والشرق الأوسط فقط ، ولكن في أي مكان من العالم ، خاصة في السنوات الأخيرة التي فاجأت البشر في أي مكان بمتغيراتها السريعة والحادة ، والتي حملت معها أيضا متغيرات اقتصادية واجتماعية والأهم والأخطر هي المتغيرات الفكرية والثقافية التي تجتاح الأمم والشعوب بلا استئذان أو إنذار ، فقد ساهم التطور السريع في وسائل الاتصال والتواصل في إحداث مزيدا من الفوضى والهرج والتغيرات الحادة والغير متوقعة في جميع المجالات وفي معظم دول العالم ، لا سيما بعد اختلاط الحقائق والمعلومات مع الأكاذيب وما يسمونه الإسرار المسربة "عمدا" لصناعة المؤامرات ، حتى أصبحت معظم الأكاذيب الملفقة هي من ثوابت السياسة الدولية وفي كثير من الدول والكيانات ، وبالتالي اختفت معالم الحقائق المطلقة وأصبحت كل الألوان رمادية أو "قوس قزح" تراها ولا تستطيع الإمساك بها أو معرفة حقيقتها ، فكل معالم السياسة أصبحت هلامية ولا يجيد اللعب على أوتارها إلا الخبراء والمحترفين ، أو هذا ما سوف يصل إليه المحلل والمدقق والدارس لاستراتيجيات السياسة الدولية .
ولا جدال أن هذا ليس وليدا للعصر الحالي ، ولكنه طبيعة السياسة منذ قرون طويلة مضت ، حتى أنه أصبح من الأقوال الدقيقة ، أن التاريخ يصنعه دوما المنتصرون ، أو بمعنى أدق المسيطرون ، وهم من يملكون القدرات على تغيير الأحداث ، ولعلنا نذكر نجاح الماسونية في صناعة جماعة القتلة المحترفين الملقبين بـ "الحشاشين" الشيعية الفارسية في القرون الوسطى ، والتي خلفت للعالم لفظ القتلة في الإنجليزية (Assassins) ، وهي جماعة اشتهرت عالميا بقدرات فروعها ورجالها على اغتيال أي شخصيات سياسية في أي دولة في العالم ، والتي على يديها تغيرت كثير من اتجاهات وتوجهات الدول وسياستها وبالتالي أحوالها وتاريخها الحقيقي ، وما زالت الماسونية حتى يومنا هذا تتبع نفس الأسلوب بلا تطور إلا في الوسائل ، حتى أصبح من المعروف أن أشهر الاغتيالات في العقود الأخيرة سواء كانت مزيفة أو حقيقية قد غيرت توجهات ووقائع السياسة العالمية ، وكفى أن نتذكر أن الحرب العالمية الأولى التي هدمت القيصرية الروسية والامبراطورية العثمانية قد تم إشعالها باغتيال ولي عهد النمسا .
وتتابعت حوداث الاغتيالات الماسونية الموجهة عبر عقود القرن الماضي والحالي في مختلف دول العالم حتى في أمريكا وبريطانيا وجميع دول أوروبا مرورا باغتيال جون كيندي وروبرت كيندي وأنديرا غاندي وبنيظير بوتو ومارتن لوثر كينج وعبد الناصر والسادات والأميرة ديانا والملك فيصل والحريري مرورا بصدام والقذافي اللذين اختلفت الوسائل قليلا ولكنهما كانا أيضا يمثلان عائقا كبيرا لتنفيذ مخططات الماسونية في الشرق ، فقد سقطت باغتيالهما دولتيهما لعقود طويلة قادمة إن لم تكن قرون ، وأخيرا كان إغتيال السفير الروسي ومسلسل خاشقجي في تركيا بعضا من فصول المسرحية الماسونية للتمهيد للحرب العالمية الثالثة أو "هرمجدون" كما أقنعوا بها شعوب الكاثوليك من اليهود والمسيحيين ، ولا نستطيع تجاهل كثير من محاولات الاغتيالات الفاشلة سواء إقليميا أو دوليا ، حتى أصبح من أبرز مهام أجهزة المخابرات في جميع دول العالم هو تدبير أو إحباط محاولات الاغتيال
ولا شك أنه قد أصبح جليا أن هناك قوى خفية تتحكم في توجهات وأحداث العالم في السنوات الأخيرة جرى العرف أن نسميها "أو هم أرادوا أن نسميها بالماسونية" ، فلسنا بصدد التحقق من هذا ، ولكن مجرد التدقيق في مجريات السياسة والإعلام والاقتصاد في العالم ، يتضح أن أكثر من 90% من اقتصاد العالم تحركه جهة واحدة باستراتيجية واحدة ، متوازية مع أكثر من 95% من وسائل الإعلام والاتصال والتواصل ، متسقة تماما مع معظم مؤمرات السياسة الدولية ، والتي تدعمها أبرز القوى العسكرية في العالم ، سواء كان هذا في صالح إقامة إسرائيل الكبرى ، أو استعادة أمجاد بريطانيا العظمى ولو بالتضحية ببلطجي العالم الحديث "أمريكا" ، مقابل تدمير القوى الروسية والصينية وتصفية كل الشعوب المتخلفة والغبية وعلى رأسها الشعوب العربية كاملة (مسلمة أو مسيحية أرثوذكسية) ، عودة لمخطط "المليار الذهبي" ، والذي لم تستح الماسونية من تسريبه لخدمة توجهات تنفيذه ، أو ربما استمتاعا بروعة الغرور والثقة في انعدام قدرة الأطراف المعنية على المواجهة أو التصدي ، تماما مثلما سربت أبرز مخططاتها الفرعية الخاصة بتصفية وتقسيم الدول العربية المسماة بالربيع العربي .
وأستطيع أن أدعي يقينا أن أحداث المظاهرات البلجيكية و الفرنسية الأخيرة ليست وليدة الصدفة ولا احتجاجات حقيقية ، ولكنها عقاب ماسوني سريع لتهذيب وتأديب التمرد الفرنسي الذي ظهر جليا أنه يميل للجانب الروسي والصيني والمصري في مواجهة تنين الماسونيةالبريطاني وذنبه الخطير أمريكا ، وردا سريعا ومنذرا لفرنسا التي تزعمت المطالبة بجيش أوروبي للحماية من أي عدائيات محتملة مثل أمريكا مستقبلا ، وهو ما ينذر بتمرد أوروبي محتمل على سيطرة الماسونية ، فظهرت جماعات السترات الصفراء من العدم ، لتشعل بلجيكا وفرنسا وتحول أمنها واستقرارها لقشة في مهب الريح ، تكرارا للجماعات الليبرالية التي احتلت ميدان التحرير لشهور ، دون القلق أو معرفة من يدفع تكاليف حياتهم اليومية وإمداداتهم وعلاجهم ، بل خرج بعضهم من النوم في خيام التحرير وهو مليونيرا مثل إسراء عبد الفتاح وأسماء محفوظ ، وكشفت الوثائق المسربة مؤخرا تدريبهم في صربيا وإسرائيل وإدارتهم بواسطة ضباط "الشابات" في الموساد الإسرائيلي ، كما رأينا نفس المسلسل من قبل يتكرر في أوكرانيا وجورجيا وفي الأردن ومحالة تكراره في الإمارات والجزائر وتونس وأي دولة ، تخرج عن إطار المخطط لها .
ولا تتوانى الماسونية عن استخدام أية وسائل خاصة الغير مشروعة للحفاظ على دقة تنفيذ مسارات مخططاتها في أي دولة في العالم ، ولا يردعها إلا من يجيد التعامل مع ألاعيب سياساتها باحتراف وثبات ، ومن الملفت للنظر أن الماسونية تغير جلدها كالحرباء وتتلون تبعا لأفعال وردود أفعال الأمم والشعوب المستهدفة ، وهو ما رأيناه واضحا في مسلسلات السياسة الأمريكية الداخلية ، حيث قرروا فجأة إدخال لاعبهم المجنون "ترامب" ، ليكون صورة الغلاف الأمريكي لتسريع تنفذ خطوات بعينها ، قد فشلوا في تنفيذها خلال سنوات الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط وأجبرتهم مفاجآت الوقائع والأحداث على المناورة وتعديل المخططات ، خاصة بعد نجاح الثورة المصرية ، وتحول مصر من دولة على حافة التقسيم إلى دولة مصنفة عالميا ضمن أقوى عشرة جيوش عسكرية ، وما استتبعه من توقف تنفيذ التقسيم السوري والعراقي والليبي ، والتقارب العربي الخليجي ثم الإفريقي لمصر وما تلاه من تمرد كثير من الدول على مراسم الخضوع والطاعة العمياء المعتادة لأمريكا وبريطانيا والغرب ، وجعل المطالب بمقاعد دائمة في مجلس الأمن حقا مشروعا يستحق الدراسة وربما الاستجابة السريعة ، ثم أشعل الموقف تأزما اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية بين مصر والصين وروسيا وفرنسا ، ليثبت للعالم "بما لا يدع مجالا للشك" أن معهد استانفورد للدراسات الاستراتيجية التابع للمخابرات الأمريكية لم يكن مخطئا أو مدعيا عندما حذر بأن مصر ربما تعيد تشكيل خريطة العالم السياسية في غضون سنوات قليلة .
ترتيب درجات رجال الماسونية
أخيرا .. ليس ما أدعيه مجرد أوهام أو تخيلات متفائلة أو حالمة ، ولكنها الحقيقة التي ربما يخشى البعض تصديقها ، ولذلك فليسأل كل منا نفسه ، لماذا تسمح الماسونية العالمية لدولة على حافة الإفلاس والانهيار والتقسيم ، ومصنفة من العالم الثالث أن تحصل على كل ما تطلبه من نظم التسليح المتطورة حتى ولو كانت حاملات طائرات غير مسموح لثاني اعظم دولة في العالم باستلامها ، وكيف سمحت لها بالقفز أربعة أو خمسة مراكز في التصنيف العسكري العالمي في سنوات قليلة ، وكيف تدعي أمريكا وإسرائيل والغرب العداء المؤكد مع إيران ، مع إننا لم نرى أي أثر فعلي للتهديدات المتبادلة عبر أكثر من نصف قرن ، بل على العكس نرى ونشاهد أكبر استثمارات يهودية هي في إيران ، وآيات الله جميعا يقضون الصيف على ضفاف البحر في حيفا وشواطيء البحر الميت الإسرائيلي ، وتلك حالات فردية محيرة من بين آلاف الحالات الغير منطقية أو لا تتوافق مع قواعد اللعبة السياسية المعلنة في العالم .
وهو ما يثبت أن حقيقة السياسة خاصة الدولية تختلف كليا عن مظاهرها المعلنة ، خاصة لو كانت المؤمرات ومباديء الخداع وعلاج الأزمات بالأزمات قد أصبحت أسسا متفشية ومستساغة في مضمار السياسة ، ولذلك كثيرا ما ينصح بالتروي والتدبر كثيرا قبل التفاعل مع ما يعلن من أحداث ومواقف سياسية في أي دولة أو مكان بالعالم ، وهو ما يدعونا دوما لمحاولة الفهم للسياسة وتبعاتها في إطار الاستراتيجيات الحقيقية للدول خاصة العظمى ، والتي كثيرا ما تخفيها بادعاء عكسها ، وحاولة طمس معالمها بأحداث إعلامية محددة الأهداف ، فإذا قيل أنه لا علاقة للدين بالسياسة ، فلابد أن تكون المعتقدات الدينية هي أساس كل المواقف والتفاهمات والعداءات في العالم ، وإذا قيل أن حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والحرية والديموقراطية هي مباديء رئيسية لابد من توافرها في الدول ، فلنعلم أن كل هذا مجرد شعارات ووسائل للضغط على الدول لتسهيل اختراقها وتهديد أمنها واستقرارها .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
