من أنت أيها الإنسان ؟؟؟ …. بقلم جمال عمر

في زخم الحياة .. يتوقف الإنسان أحيانا أمام نفسه ليسأل كثيرا من الأسئلة التي قد لا يجد لها إجابة ، ثم يعود ليغرق في حركة الحياة  من جديد وينسى أو ربما يتناسى أسئلته ، ولكنها تبقى في ذاكرته لتتجدد مرارا وتكرارا كلما صدمه موقف يجبره على التوقف ومعاودة السؤال ، وفي النهاية .. ربما يجد الإجابات الشافية فقط عند لحظة رحيله عن الدنيا ، أو ربما يجد بعضا منها خلال مراحل متأخرة من حياته ، ولكنه في النهاية هو لن يصل لإجابات تروي ظمأ جهله إلا بقدر ما كتب الله له وعليه وكفاه في النهاية قول الله تعالى .. { … وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً … }الحج5 .

ولكن ذلك لا يمنع أن يحاول ابن آدم أن يضع لنفسه الإجابات التي تريح عقله وتقنع نفسه بأنه جاء للدنيا لهدف سامي رسمه الخالق العظيم لكل نفس خلقها ، فلا خلق بلا هدف وهو قوله تعالى … {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ }المؤمنون115 ، ولكن من حكمة الله تعالى أن تظل كل نفس باحثة عن هدف خلقها الذاتي تحديدا والتي قد لا تدركه مطلقا إلا في لحظة الرحيل ، أو ربما تكون أكثر وعيا وفهما لناموس الخالق في كونه فتدرك الهدف الحقيقي لحياتها ، وتلك هي قمة الإدراك والوعي للنفس البشرية والتي لو بلغته في حياتها لكانت سببا في فهمه لكثير من أحداث ومواقف حركة حياته وبالتالي كان أعلم البشر بما يستوجبه ناموس الخالق من أحداث قادمة ، وتلك هي قمة الحكمة التي لو بلغها الإنسان لكانت هي أفضل من منحه الله في حياته ، ولذلك يقول عنها المولى عز وجل .. {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }البقرة269 ، فالحكمة هي فهم ناموس الخالق في حركة الحياة .

وفي زخم رحلة الإنسان في البحث عن حقيقته وبدايته ونهايته ربما يتورط في كثير من مستنقعات أفكار وخيالات البشر من قبله أو معاصرين له ، ويتجاهل أو ينسى أنه أولى له أن يبحث عن الحقائق بين سطور كلمات الخالق لخلقه والتي ما بخل سبحانه على البشر بها مطلقا ، بل أنزلها متواترة ومتدرجة عبر رحلة تاريخ طويل للرسل والأنبياء والتي اختتمها سبحانه بدستور الحياة الشامل والكامل للإنسان على الأرض وهو القرآن العظيم ، الذي يقول عنه كورسل “القرآن الكريم هو معجزة إلهية بليغة، ليست من قول بشر إنها معجزة دائمة ليست كأي معجزة هي أقوى من معجزة الموتى” ، فما نجح بشر على الأرض عبر القرون الأربعة عشرة الماضية أن يتحدى القرآن أو يثبت خطأه أو تجاوزه حتى في الحقائق العلمية الكبرى أو الدقيقة والخطيرة ، والتي من المستحيل أن يعرف دقائقها إلا خالقها ، وبالتالي فمن العبث وإهدار العمر والوقت البحث عن الحقائق لدى غير هذا الكتاب العظيم .

 

ربما يرى غير المسلم أنني أنحاز بقوة لهذا الكتاب لأنه كتاب المسلمين الذين أنتمي لهم ، ولكنها الحقيقة التي ما كنت أملك الشجاعة على قولها لولا البحث والتدقيق عبر عقود عمري الماضية ، والتي توصلت خلالها ليقين بحقيقة روعة وصدق وقدسية هذا الكتاب العظيم ، وهو ما يجعل البحث عن الحقائق لدى غيره ضربا من العبث بل العته والخبل العقلي المرفوض والمعيب على قيمة العقل البشري التي يعلي قيمتها هذا الكتاب ، حيث يلوم المولى عز وجل الإنسان في هذا الكتاب أكثر من سبعين مرة على عدم استخدامه العقل والمنطق في تدبر وفهم الأشياء في حركة الحياة ، ولو كان كتابا مؤلفا من بشر ما امتلك تلك الشجاعة ليحث البشر على استخدام العقل والمنطق والفهم خاصة في استعراض الحقائق العلمية والتي لم يكتشفها الإنسان إلا بعد أربعة عشرة قرنا من نزول القرآن ، بل وفي وصفه الدقيق لمراحل خلق الإنسان وبدايته ونهايته وحركة حياته على الأرض وقبلها وبعدها ، فهو كتاب علم من الدرجة الراقية والخاصة جمع الله فيه حدود كل العلوم التي يحتاجها الإنسان ليحيا على الأرض ، وهو يتحدى دوما أن يثبت بشرا خطأه أو تجاوزه فهو كتاب معجز وإعجازه متجدد عبر تاريخ البشر وحتى نهايته .

ولكن عجبا .. فالمسلمون أنفسهم توقفوا تماما عن أي محاولات لفهمه أو تدبره ومنذ قرون بعيدة ، ولم يحدث هذا فجأة ولا عبثا ، بل كان مخططا بعناية ودقة بواسطة الماسونية العالمية التي زورت تماما وبتعمد مجرم كل من التوراة والإنجيل وجعلت منهما مسخا أدبيا ممقوتا وزاخرا بالخرافات والخيالات والأوهام والمغالطات العلمية الفجة فضلا عن الفواحش والخطايا الجنسية والإجرامية التي لا تليق حتى بكتاب أدبي من أجل هدف واحد ورئيسي وهو إسقاط الديانتين تماما من عقول وقلوب البشر وهو ما حدث بالفعل ، ولكنهم ارتكبوا جريمة أشد خبثا وحقارة في حق القرآن العظيم ، بأن حولوه من دستور حياة إلى رمزا للأحجبة وطلب الحسنات والقرب من الله ، وأغلقوا أبواب الفهم والتدبر وقصروها على علماء بعينهم وجميعهم ماتوا منذ أكثر من ألف سنة ، بل وثبتوا قدسية تجريم من يحاول الفهم واتهموه بالزندقة والفسق بل والكفر والشرك ، ولم يكتفوا بهذا بل تفرغوا لنوعين فقط من علوم القرآن وهي علوم الفروض والحدود وبالغوا في تفسيرها وافتراضاتها حتى قسموا المسلمين بها لفرق وجماعات متناحرة ومكفرة بعضها لبعض ، حتى وصلنا اليوم لأكثر من سبعين فرقة تقتل بعضها بعضا وتكفر بعضها بعضا ، ونشروا بين المسلمين أن العلم في القرآن هو العلم الشرعي (المقدس) هو علوم الفروض والحدود والباقي لا قيمة لها إلا لمجرد المعرفة ، فحولوا المسلمين لدراويش وأنسوهم العلوم والتطور والتقدم العلمي الذي صنعه المسلمون الأوائل قبل تزوير المفاهيم ، فهان المسلمون على الله فأهانهم في الدنيا لأنهم ما استحقوا الإسلام الذي ولدوا عليه لأنهم استسلموا لتزوير المفاهيم وتقليد الأمم من قبلهم .

والنتيجة المنطقية بين أيدينا اليوم ، أننا في متاهة الدنيا وقد زورنا كل المفاهيم دون استثناء ، وأصبحنا جميعا أعداء لأنفسنا قبل أن نعادي بعضنا بعضا ، ففقدنا الأمان وتحولنا لمجرد هوام العوام مثل البهائم والحشرات نحيا ونستمتع ونعاني ونكابد في انتظار الموت الذي ينهي الرحلة بمنتهى البساطة ، ويخرج الإنسان وهو لا يدرك معنى وجوده ولا الهدف منه ، بل والأخطر لا يعرف من أين جاء وإلى أين مسيرته القادمة ، وكفاه ما يسمع من خرافات أساطير من بقايا أشباه الأديان التي بقيت بين أيدينا ، ولا يجرؤ مسلم واحد أن يقرأ ويتدبر ما أنزله له ربه منذ ارعة عشرة قرنا فيه كل العلوم التي يحتاجها بل فيه ذكر كل البشر وقصتهم العظيمة كاملة ومفصلة والتي يوجزها المولى بقوله تعالى .. {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }الأنبياء10 ، فكيف بنا لا نعقل ولا نتدبر ولا نحاول الفهم وكيف نهمل كتابا فيه (ذكرنا) .. منزل ممن خلق السماوات والأرض وما بينهما … {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }النحل3

ولذلك .. سنبدأ سلسلة (من أنت أيها الإنسان ؟؟؟ ) لنتعرف على حقيقة الإنسان والمفاهيم التي طمست بتعمد أو حماقة من الإنسان ، لعلنا نضيء شمعة في بحر علوم الله التي شاء الله أن يتعلمها الإنسان .. والله المستعان ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *