عزيزي الإنسان .. تحية احترام وتكريم لك .. أنت مستحق لها بفطرة خلقك ، لأن خالقك سبحانه وتعالى قال فيك .. {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70 ، ولعلي ولعلك لم ندرك بعد قيمتنا الحقيقية التي فطرنا الله عليها ، بل ولعلنا لم نستطع بعد إدراك درجات الرقي والسمو الإنساني التي نستحقها ، فالحياة كما نقول (تلاهي) أي كافية لإلهاء الإنسان عن حقيقته وما خلقه الله من أجله والأهم والأخطر أنها تلهيه عن قدرته على التمتع بوجوده حيا قدر ما يستحق أو يستطيع ، وذلك أننا في حياتنا لا نتوقف مطلقا لنعيد حسباتنا النفسية والشخصية في إطار الهدف من خلقنا وقدراتنا لتحقيق هذا سواء لسقوطنا في مؤامرات إبالسة الإنس والجن أو لضعف قدرات الإدراك لدينا كنتيجة مباشرة للسقوط في مستنقعات مطالب الحياة اليومية ومفاجآتها المتلاحقة يوميا بل ولحظيا .
ومبدئيا لابد أن نتفق أن رؤية الإنسان لمواقف الحياة تتغير وتختلف بشدة تبعا لطريقة الرؤية والتقدير ووجهات النظر ، فوردة صغيرة قد تعني الكثير لشخص في رفع مستويات الإقبال على الحياة والسعادة ، ولكنها نفسها قد لا تمثل شيئا بل قد يعتبرها البعض نوعا من (الهيافة) أو الرفاهية الغير مطلوبة ، وحادثة كبيرة لشخص قد يراها نهاية لحياته وسعادته في الدنيا ، وقد يراها آخر منحة من الله ليرى حياته بصورة مختلفة أكثر سعادة ، فمعان أحداث الحياة تخضع دوما لطريقة فهمها ووجهة نظر من يراها ، ولذلك لابد وأن ندرك أن كل ما نمر في حياتنا هو شيء نسبي يمكن تغيير أسلوب تقييمه وتأثيراته على حياتنا ما دمنا أحياء ، ولا بد أن ندرك أننا لا نعلم من حقائق الأشياء في الحياة إلا القليل النادر وهو من أهم أسباب جهلنا الشديد بأساليب تطوير حياتنا والارتقاء بها .
فما ندركه بحواسنا المحدودة قليل جدا وحدود بقدرات حواسنا الجسدية ، ويكفي أن نعلم أن الإنسان ذو بصر محدود، إذ لا يمكنه الرؤية إلا في حدود مكونات الضوء الأبيض وهي الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق والنيلي والبنفسجي، وما ينتج عن اختلاطها ببعضها من ألوان متعددة، أما ما تعدى حدود ذلك من موجات ضوئية فلا يستطيع الإنسان أن يميزها، فالأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية والأشعة السينية ( أشعة إكس ) وأشعة جاما وغيرها لا تدركها العين البشرية، بينما تستطيع بعض الطيور والحيوانات أن ترى الأشياء عن طريق الأشعة تحت الحمراء مثلاً، مما يمنحها القدرة على الرؤية في الظلام الدامس ، أما عن حاسة السمع الأذن البشرية ذات إمكانيات محدودة، حيث لا تستطيع الأذن البشرية تمييز الأصوات ذات التردد أو الذبذبات التي تقل عن حوالي عشرين ذبذبة في الثانية، أو التي تزيد عن حوالي عشرين ألف ذبذبة في الثانية، كما أن قوة الصوت أو شدته تؤثر تأثيراً ضاراً على أذن الإنسان إذا تعدت حدوداً معينة ، بينما تستطيع معظم الحيوانات أن تسمع الأصوات التي يكون كثير منها خارج المدى المسموع بواسطة الأذن البشرية، فالكلب مثلاً يستطيع أن يسمع الأصوات ذات التردد المنخفض بواسطة أجزاء حساسة عند الخطوط الجانبية من جسمه، وتستطيع الأسماك في الأحواض الزجاجية أن تسمع صدى حركتها منعكساً على زجاج الحوض فلا ترتطم به ، كما تتميز الطيور عموماً بسمع حاد قوي، أما الخفاش فلديه قدرة خاصة على استقبال الموجات الصوتية ذات الترددات العالية (ultrasounds) بواسطة أذنيه الكبيرتين، واللتين تتحركان في مختلف الاتجاهات بصورة مستمرة كأنها جهاز رادار يبحث عن تلك الموجات الصوتية .
ولكن الإنسان دوما يشعر أنه يستطيع أكثر مما تحده قدرات جسده ، وتلك هي قدرات النفس البشرية والتي قدراتها تتفوق كثيرا على قدرات الجسد ، ولكنها مقيدة ومحدودة بقدرات هذا الجسد ، ولذلك دوما تجد الأطفال والصغار وحتى بلوغ سن الرشد يعانون من مشكلات حقيقية بسبب عدم الاتزان بل والصراع المتكررما بين قدرات النفس ورغباتها وبين القدرات الفعلية المحدودة جدا للجسد وبالتالي معطيات الحياة من حوله ، وببلوغ الإنسان سن الرشد وهو حول سن الأربعين من العمر يستطيع الإنسان أن يصل لصيغة التوافق والتفاهم ما بين نفسه وجسده ومعطيات الحياة من حوله ، فيحقق أعلى معدلات الإداء الإنساني دون أن يدمر جسده أو يخسر دوافعه النفسية للحياة ، ولذلك لم يكلف الله رسولا ولا نبيا إلا بعد سن الأربعين ، ولا يجيد الإنسان قيادة غيره من البشر بعدالة واتزان وقدرة إلا بعد سن الأربعين ، وهو قمة التوافق ما بين جسد الإنسان ونفسه والحياة على مختلف المستويات المادية والنفسية .
وكلما استطاع الإنسان أن يصل لمرحلة التوافق أو الرشد مبكرا في رحلة حياته ، كلما استطاع الاستمتاع بحياته وتحقيق الاتزان ما بين متطلبات وقيود وحدود حياته ورغباته النفسية التي يتخيل أنها تسعده ، ومرحلة الاتزان هذه قد لا يصل إليها بعض البشر مطلقا أو ربما في توقيت متأخر جدا من حياته بسبب تعنته مع نفسه وظنونه الدائمة أو أحلامه بأنه يستطيع أن يفعل ما لم يفعله غيره من قبله ، وهو ما نلاحظه بوضوح في رفض كثير من الأبناء تفهم أو الانصياع لنصائح الوالدين أو المعلمين والأكبر سنا لدرجات خطيرة قد تصل لدرجة الإضرار المتعمد والأحمق بالنفس والجسد لمجرد الشعور بالاختلاف والتميز والتي أبسطها متقلبات أشكال الملابس والمظاهر والموضات ، والتي رغم وجود دوافع التميز الفطرية في نفس الإنسان إلا أن مظاهر الرفض والتمرد تأتي كنتيجة مباشرة لتقليد الأطفال لأقرب الناس إليهم كالوالدين والأقارب والذين ما زالوا يمارسون حماقات الاختلاف أمام أبناءهم دون أن يدركوا أنهم يدمرون جيلا جديدا ، فالوالدين دائمي الخلاف وتبادل الاتهامات والسباب أما الأطفال قد حفروا في نفوس أبناءهم أول وأعمق الخطوط العريضة المدمرة في نفوسهم بالرفض المستمر والمتصاعد لغيرهم ، في حين أن الأبناء الذين ينشأون بين والدين هادئين متفاهمين ودودين متنازلين عن عناد نفوسهم من أجل الحق والعدل ولأجل الآخرين ، ينشأون نشأة متميزة قوامها الود والتفاهم والرقي وقبول الآخر .
ولعل هذا هو السر الخفي لفشل كثير من زيجات الشباب الذين يبدأون حياتهم في معزل عن الوالدين في زماننا هذا ، وهو أيضا سر نجاح مثل هذه الزيجات للشباب في رعاية الأهل وقربهم في زمن سابق مضى منذ عقود قليلة ، وهو أيضا سر نجاح واستمرار الزيجات للرجال بعد سن الأربعين سواء لأول مرة أو للزواج الثاني ، حيث وصل الزوجان أو الرجل (وهو الأهم) لمرحلة الاتزان النفسي الجسدي ولا مجال لحماقات نفسية أو جسدية تهدم كيان حياته لمجرد التجربة أو طلب متع يجهل أبعادها ومشروعيتها ، خاصة وأن كثير من شبابنا في مجتمعاتنا المسلمة الشرقية يعانون الكثير بين ما تنقله لهم وسائل الاتصال الالكترونية من شطحات وعادات الشعوب خاصة في الغرب ، وبين ما يرونه في حياتهم ويقيد رغباتهم وشهواتهم ، ثم يصطدم بعد زواجه بفشله في تحقيق المتعة التي عاشها خيالات متصاعدة لسنوات شبابه السابقة ، خاصة عند اصطدامه باختلاف زوجته عنه في مستويات العادات والتقاليد والفكر والثقافة .
ولا يختلف الفشل في الحياة العملية على مستويات التعليم والعمل والحياة الاجتماعية كثيرا عن الفشل في علاقات الزواج ، وذلك أن الشخص هو نفسه وإن تفاوتت درجات الفشل أو النجاح في مجال عن الآخر ، فلا شك أن التميز لا يتجزأ ، والفشل أيضا لا يتجزأ ، فمن يحترف الفشل في بعض مجالات حياته مثل زواجه هو بالتأكيد يعاني تداعيات الفشل في باقي مجالات حياته ، والتي غالبا ما يكون قد ركز جهده واهتمامه للحفاظ عليها ناجحة بقدر المستطاع على حساب غيرها من مجالات حياته ، فالشخص الذي يكرس حياته لإرضاء زوجته فقط على حساب أي شيء من المؤكد سيفقد عمله أو يعاني الفشل فيه ، ومن يعطي حياته كلها لعمله على حساب زوجته وبيته سوف يختفي سريعا من حياة بيته وزوجته وأولاده حتى وهو يحيا بينهم ظاهريا ، بغض النظر عن أساليب تجاوزه أو علاجه لهذا الفشل أو التقصير ، ولكنه في النهاية سيكتشف حقيقة فشله بامتياز لاحقا .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
