ضلالات البشر .. خيانة للأمانة (5) وإعجاز الله في العبادة … بقلم جمال عمر


توقفنا من قبل عند قمة إساءة استخدام الإنسان لـ "هبة الإبداع" التي منحها الله له ليعمر بها الأرض .. ليس فقط في اتخدام نفسه فيما لم يخلق من أجله ، ولكن قمة الإساءة كانت في استخدام الهبة الربانية في تزوير مفاهيم ناموس الله في خلقه ، حيث لم يكتف البشر بتزوير الكتب السماوية السابقة للقرآن كاملة ، بل حتى عندما أنزل الله كتابه الأخير وحفظه من التحريف ، أعلن الإنسان حربه على خالقه بتزوير مفاهيم هذا الكتاب الأخير والشامل والذي احتوى على كل ما شاء الله أن يتعلمه ابن آدم لينفذ به مهمته التي خلقه الله من أجلها وهي "إعمار الأرض كخليفة لله عليها" ، وتعددت وسائل الحرب على الله بداية من إنكار القرآن جملة وتفصيلا ورفضه ، بل وتحريم قراءته أو الاستماع إليه لدى بعض المتشددين المرتعدين من اليهودية أو المسيحية خوفا من ضلالة الادعاء بسحره ، إلى التشكيك في مصداقيته دون علم أو منطق أو محاولة فهم ، ونهاية بأكبر الجرائم في حقه والتي يرتكبها أصحابه ومن يوصفون بالمسلمين ، بالإصرار على طمس حقيقة القرآن بأنه "كتاب علم رباني" يشتمل على كل العلوم التي يحتاجها ابن آدم لإعمار الأرض كخليفة لله عليها وهي العلوم السبعة التي ذكرناها من قبل ، وذلك بالإصرار على تزوير جميع مفاهيمه والادعاء بأن القرآن هو كتاب فروض وحدود ومعاملات فقط وإهمال أكبر علوم القرآن وهو علوم الخلق والكون والذي تمثل آياته أكثر من (45%) من آيات القرآن العظيم ، ثم الإصرار استمرار مؤامرة تزوير مفاهيم الدين والعبادات والأمانة وقصر تفسير معان تلك المفاهيم على علماء ماتوا منذ أكثر من عشرة قرون ، والذين كان معظمهم أصحاب الفضل الأكبر في تحويل المسلمين من علماء عاملين وسادة في الدنيا إلى دراويش لا قيمة لهم ولا فائدة ثم متشددين وقتلة وإرهابيين تلعنهم السماء والأرض.

وأوضحنا من قبل كيف استطاع إبليس أن ينشر الفرقة بين البشر كهدف "شيطاني تاريخي" بداية من تفريقهم لملل ومذاهب ثم أديان متفرقة ، مستغلا شهوات ونزعات التميز البشرية والمبنية على اختلافات الأنساب والشكل واللغة والأرض ومعطيات ظروف المعيشة ، حتى أنساهم إبليس أنهم في الحقيقة عبادا سواسية لأله واحد هو خالقهم ولا يرضى لعباده أن يكونوا متفرقين مختلفين متنازعين ومتقاتلين يدمرون حياتهم ومعايشهم على الأرض ، واستعرضنا كذلك محاولات ومؤامرات كل أمة وملة ومذهب "عبر تاريخ البشرية" الانفراد والاسئثار بالله كإلههم وحدهم ، والادعاء بأنهم خاصته وأحباؤه وأولياؤه ، وأصحاب جنته ورضاه ، حتى اختفى مفهوم الدين الحقيقي وحل مكانه مفاهيم للدين لا علاقة لها بما أنزله الخالق العظيم في كتبه ورسالاته المتتالية ، حتى وصل معنى الدين ووجوده محصورا في حركات وكلمات وشعائر تمارس في طقوس في مناسبات بعينها كالميلاد والوفاة والزواج وتزداد قليلا عند المتدينين "كذبا وتضليلا" لتصبح في مواسم محددة مثل رمضان وأعياد الفطر والأضحي والمولد النبوي ونصف شعبان عند المسلمين وأعياد القيامة والميلاد والشعانين عن المسيحيين والغفران وعاشوراء عند اليهود .

وانتهينا لإثبات حقيقة أن مفهوم الدين في القرآن لا علاقة له بالتقرب لله بالمناسك والشعائر كما خدعونا وتوارثناه جميعا طوال قرون طويلة وهو ما أوضحه الله في قوله .. {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ }البينة5 ، فالفروض والمناسك "الصلاة والزكاة" يؤديها الإنسان للحفاظ على استقامة دينه ، واكتشفنا أن معنى الدين .. هو "قناعات نفسية" تمثل قيم الإنسان وأخلاقياته الذاتية والتي يتصرف تبعا لها الإنسان تلقائيا في حياته ، فإن وافقت هذه القناعات ما يأمر به الله ، فالإنسان على دين الله وهو "قد أسلم نفسه لله" ولو ولد ملحدا أو مشركا أو يهوديا أو مسيحيا ، ولو خالفت معتقداته النفسية ما يأمر به الله فهو عدو لله ولو كان "كاهنا أو حبرا أو شيخا أو عالما" فلا حجة لمخلوق على الله ، فإبليس قبل كفره كان يلقب بـ "بطاووس الملائكة".

وبالتالي فـ "العبادات" ليست في الفروض والمناسك والشعائر مطلقا .. {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ }الحج67 ، ولكن العبادات هي فقط "حركة الحياة لإعمار الأرض" وهو ما يثبت إعجاز الله في تسخير كل البشر مؤمنهم وكافرهم لأداء "العبادات" والتي هي مهمة العبودية التي خلقهم من أجلها وهي "إعمار الأرض" بدوافع فطرة خلقهم ، ولذلك فعباد الله المؤدون لمهمة العبودية منهم الكافر والمؤمن والملحد والمشرك ، ولا يملك بشرا أن يحدد من يدخل الجنة ومن يدخل النار ، ولا سلطان لبشر أن يحاسب غيره على دينه ومعتقداته ما لم تهدد حياة غيره من البشر أو تعتدي عليها ، حيث يقرر الخالق العظيم دوما أن هذا هو شأنه وحده ، ويوضح أنه سبحانه يحاسب كل إنسان على قدر معطيات حياته " لايكلف الله نفسا إلا ما آتاها" ، فمن وهبه الله مالا كثيرا فحسابه عليه عسير وطويل ، ومن منحه صحة أو علما أو سلطة أو شهرة فهي ليست لأن الله يحبه دون غيره ، بل لأنه مختبر فيها وحسابه عليها كبير وربما عسير ، فمن ولد مسلما مثلا .. وبين يديه القرآن بعلومه المتكاملة ، فحسابه عليه عسير والله يطالبه أن يكون به قدوة لغير المسلم في العلم والعمل والأخلاق ، فإن لم يكن كذلك ، فقد ظلم نفسه وحسابه شديد وعذابه أليم إلا ما رحم ربي ، على عكس من ولد في بيئة ملحدة أو مشركة فالله سوف يحاسبه على شروط ثلاثة فقط ، هي الإيمان بوحدانية الخالق ، والخوف من حسابه بعد الموت ، وإعمار الدنيا بالعمل الصالح قدر استطاعته ، وهو ما يقوله سبحانه وتعالى .. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة62 .

ولاشك أن الإنسان قد ظلم نفسه بتكرار سقوطه في الضلال والبهتان كنتيجة منطقية لإساءة استخدام فطرة الإبداع في نفسه سواء كان هذا انصياعا خلف شهواته وفجور نفسه أو كنتيجة منطقية لاستسلامه لقرينه من الشياطين والذي يولد معه تنفيذا لقسم إبليس التاريخي أمام الله ..  {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }ص82 ، وقوله لعنه الله .. {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ }الأعراف17 ، ولاشك أن إبليس قد حقق أعظم نجاح له في تنفيذ قسمه بإقناع الغالبية العظمى للبشر بعدم وجوده أو تأثيره عليهم ، مستغلا غرور النفس البشرية وكبرها واحترافها الادعاء بأنها حرة وواعية ولا سيطرة عليها ، رغم أن لكل إنسان قرين من الشياطين يولد معه ويحيا معه منذ ولادته وحتى موته ويعرف عنه ما لا يعرفه عنه أحد ، وهو ما يستخدمه الدجالون بعد موت الإنسان بادعاءهم تحضير روح فلان وهم في الحقيقة يستدعون قرينه من الشياطين ، والقرين يوسوس للإنسان في كل لحظة وسكنة وحركة طوال حياته ، وهدفه دوما هو الوصول للإنسان بالموت كافرا من خلال إحباط الإنسان والهدف النهائي هو إثبات فشل الإنسان في إعمار الأرض ، مستغلا قدرته على تخويفه بالوسوسة المستمرة .. {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }آل عمران175 ، ورغم أن الله قد حذرنا في كل كتبه السماوية من الشياطين ولكننا نقع دوما في شباكه ومؤامراته وننسى أن الله قال في القرآن مثلا .. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }البقرة168 ، ويوم الحساب يتبرأ منه لقوله تعالى .. {قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ }ق27 ، وقوله تعالى .. {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }إبراهيم22 ، ورغم أن الإنسان قد اكتشف علميا أن حوله الآلاف من الكائنات التي لا يدركها بحواسه المحدودة ، ورغم أن الإنسان قد قطع شوطا كبيرا في مؤامرات السيطرة والتوجيه لغيره من البشر باستخدام التقنيات الفائقة التطور ، إلا أنه قد فشل في إدراك حجم سقوطه وفشله بتبعيته العمياء لإبليس وأعوانه .

والعجيب أن الإنسان رغم تحذير الله له في كل الأديان السماوية ، قد سقط في دين إبليس بداية من الكبالا أو "القبالا" والتي بدأها إبليس بإغراء الإنسان بالتصوف كوسيلة كاذبة خادعة للتقرب من الله بالتفكر المحظور في ذات الله العليا ثم الذوبان المضلل في الذات العليا ، انتقالا إلى أخويات الماسونية ، والتي يسجد خدام درجاتها العليا لإبليس وتمارس طقوس الكفر بالله ، وتتدرج للدرجات الأقل بأخويات في كل ملة ودين ، مع اختلاف الأهداف والاستراتيجيات المعلنة في كل مستوى ودرجة عن الأخرى ، ولكنها جميعا تجتمع حول هدف معلن واحد وهو السيطرة والهيمنة المطلقة للأتباع على مقدرات العالم والبشرية ، والجميع لا يدري أن الهدف الحقيقي هو تدمير البشرية بيديها وإثبات فشلها في إعمار الأرض تحت زعامة إبليس لعنه الله .

ولا شك أن المفاهيم في الدنيا قد اختلطت وتشابكت وكثر حولها الجدال واتسعت رقعة الفتن ولكن تبقى دوما هناك شمس الحقائق الكبرى والتي عظمة إعجاز الله فيها يكمن في بساطة مفاهيمها والتي لا يختلف عليها بشر أو مخلوق على الأرض ، وهي مجموعة من المفاهيم الإنسانية المطلقة ، والتي أولها أننا جميعا سواسية ، لأننا لا خيار لأحد منا في شكله أو وطنه أو أهله أو دينه ، وبالتالي قد جئنا للدنيا جميعا لنحيا ونتعاون على الخير والصالح لكل البشر والمخلوقات على الأرض ، وبالتالي فإن أكرمنا سواء عند الله ثم البشر هو أكثرنا إعمارا للأرض ، ولذلك فكل ما يفتت وحدة البشر أو ينشر بينهم الفرقة أو الكراهية فهو مرفوض وملعون ولا يجوز اتباعه ، ولا علاقة لنا باختلافاتنا والتي لا خيار لنا فيها ، والتي قدرها الخالق العظيم بحكمته .. كما يقول سبحانه .. {.. وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48 ، وقوله تعالى ..{وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }النحل93 ، ولذلك وجب علينا أن نعيد صياغة وتصحيح المفاهيم التي أهدرنا معانيها في ضوء الفهم الواعي لناموس الخالق في خلقه دون تكرار الوقوع في مستنقعات التعصب الحمقاء للملل والمذاهب .. وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *