توقفنا من قبل عند ضلال البشر وبهتانهم المتعاقب عبر التاريخ ، والذي بدأ بتزوير معنى الدين ومفهومه وحصروه فقط في "فروض ومناسك وحدود الدين" ، تماما مثلما يظن الجهلاء أن مجرد ارتداء الملابس العسكرية يحول المرء إلى مقاتل محترف ، ومن هذا التزوير ادعوا كذبا وبهتانا أن العبادات والتي هي (أداء مهمة العبودية) هي فقط في أداء الفروض والمناسك وإقامة الشعائر التي فرضها الله فقط ليستقيم ابن آدم في أداء مهمة العبودية (إعمار الأرض) ، وتبعا لسلسلة التزوير المتصاعدة تحول المتدينون في كل ملة ودين ومذهب لدراويش أو كهنة أو متصوفة بمسميات مختلفة مدعين أنهم بذلك يتقربون إلى الله وأنهم فقط من خاصته أو رسله أو أوليائه أو رجاله تبعا لمسمى الدين أو الملة ، وهو ما كان أساسا لفوضى الملل والمذاهب والأديان وصناعة الفرق والجماعات والتي هي عين الشرك بالله لقوله تعالى في قرآنه العزيز { .. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون} الروم 31،32 ، وهو ما أصبح أساسا لنشر الفرقة والعداء والخراب بين البشر ، ولم ينجح أحدا في إعادة استقامة المفاهيم لأسباب كثيرة أهمها عشق البشر للأهواء والضلال والابتداع بوضع اللمسة البشرية حتى على كل ما هو منزل من ربهم دون أن يدركوا أنهم أصبحوا عبيدا تابعين لإبليس وأتباعه من شياطين الإنس تنفيذا لقسمه التاريخي {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }ص82 ، حتى وصل بنا الحال في الدنيا إلى سيطرة حكومة العالم الخفية على مقدرات البشرية وقدراتها وثرواتها وقيادتها للعالم للدمار المتوقع والمرتقب .
والعجيب أن الجهلاء ممن يسمون أنفسهم "رجال الدين" لم يدركوا ولم يفهموا معنى "إعجاز عدالة الله في العبادة" بأن جعل العبادات "أداء مهمة العبودية" متاحة بل ونافذة ومستمرة ومتجددة بأيدي جميع خلقه مهما كانت معتقداتهم ومللهم ، فالكل يسعى بفطرته لإعمار الأرض بإضافة الجديد بداية من التكاثر والاستخلاف وبناء حياة جديدة للذرية المتجددة مهما اختلفت قواعد وأعراف حياتهم ، وقمة الإعجاز لله تعالى بأنه جعل أداء مهمة العبودية (العبادات) ذاتية في كل نفس بشرية بل وفي جميع فئات خلقه على الأرض بالفطرة وليس بقدراتهم العقلية أو اختياراتهم ومعتقداتهم النفسية ، وهو ما أوضحه سبحانه وتعالى بأن مشيئته قضت بألا يكون البشر أمة واحدة ، وأن التفاضل بينهم في الدنيا هو بقدر ما يضيفون من خيرات لغيرهم من البشر ، وفي الآخرة لا يفوز برضاه وجنته إلا من عمر الدنيا ونواياه خالصة خضوعا وتقربا لله .
وتبعا لتزوير مفاهيم الدين والعبادات تم تزوير مفهوم الأمانة التي يذكرها الله بقوله تعالى .. {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }الأحزاب72 ، والتي فسرها كثير من المفسرون بأنه الصلوات والبعض قال أنها العقل ، وغفل الجميع أن الأمانة وصفها الله بما أشفقت منها فئة الخدمة من خلق الله (السماوات والأرض والجبال) ، وهي نفسها الفئة التي أختارت أن تؤدي مهمة العبودية التي خلقها الله من أجلها طواعية دون أن يكون لها إرادة أن تفعل أو لا تفعل لقوله تعالى .. {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }فصلت11 ، وهنا يظهر الفارق فهذه الفئة اختارت أن لا يكون لها إرادة الفعل ، وهو ما اختار الإنسان عكسها بأن يكون صاحب (إرادة) قدرة على الاختيار ، فتحمل بذلك "أمانة الاختيار" ، وهو جهل منه بقدراته وظلم منه لنفسه ، وبالتالي تصبح الأمانة التي تحملها الإنسان هي "أمانة الاختيار" في أن يؤدي مهمة العبودية (العبادات) والتي هي إعمار الأرض كخلفاء لله عليها "بإرادتهم ونواياهم الحرة" وفي حدود ما يأمرهم به ربهم وينهاهم عنه وذلك بالعلم والعمل والكد والكدح لإعمار الدنيا لقوله تعالى .. {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ }الانشقاق6، وهي التي يحاسبهم الله عليها كمهمة عبودية مكلفين بها كخلفاء لله على الأرض .
وتبعا لمتطلبات الاستخلاف على الأرض فقد منح الله ابن آدم هبة ربانية تعينه على الارتقاء بحياته وهي فطرة التميز والرغبة الذاتية للإتيان بالجديد وهو ما نسميه تجاوزا بالخلق والإبداع ، فكل إنسان يريد أن يتميز عن غيره من البشر ، فيضيف جديدا لحياته فيزداد رصيد العلم والعمل به وبالتالي الإعمار للأرض تباعا عبر تاريخ البشرية ، ولكى لا يسيء ابن آدم استخدام الهبة الربانية فرض الله عليه فروضا وحدودا أنزلها سبحانه تدرجا عبر الرسالات المتعاقبة حتى أختتمها بكتاب شامل لكل أنواع علوم إعمار الدنيا البحتة ، بل وجعل هذه العلوم تمثل أكثر من (45%) من القرآن العظيم ، وهي التي استخدمها المسلمون الأوائل فسادوا بها الدنيا في أقل من مائة عام ولمدة أكثر من ألف سنة متتالية ، ونقلوا البشرية من قاع التخلف لقمة العلوم والتكنولوجيا حتى أن "مصفوفات الخوازمي" ما زالت هي أحدث ما تم اكتشافه في جميع العلوم الرياضية والحواسب والذكاء الصناعي حتى اليوم ، وكذلك صنع المسلمون طفرات علمية لم تتكرر حتى اليوم في مختلف علوم الدنيا البحتة دون استثناء .
ولكن البشر "عاشقوا الضلال" سقطوا مرة أخرى بمؤامرات مخططة لطمس حضارة المسلمين (حقدا وجحودا) ، وبدأت بتكرار تزوير مفاهيم الدين والعبادات للمسلمين كما فعلوا من قبل في التوراة والإنجيل ، ليحولوا المسلمين لكهنة وأولياء ودراويش والذين صدقوا البهتان وما زالوا يستمرأون السقوط في الدروشة ، والتي كان من أبرز آثارها القولة المشهورة للمصريين (هو انا غلطان في البخاري" حيث فرض الفاطميون الشيعة حفظ البخاري قبل القرآن ، ليحكموا تزوير مفاهيم الدين الرئيسية ويحولوا المسلمين من علماء عاملين إلى دروايش بأكذوبة أن العبادات هي في الفروض والناسك والشعائر ، رغم أن من أسقطهم يردد علانية "لقد صنعنا وسنصنع لهم إسلاما يناسبنا" ، فتمادوا في تزوير دينهم وتعنتوا باسم الدين مثل من سبقهم من الأمم ، فهانوا على الله وأهانهم في الدنيا ، لأنهم تباعا أغلقوا العقول والقلوب وأسلموا أنفسهم للضلال سواء جهلا أو طمعا في شهوات الدنيا ، بل وتفرغوا فقط لأنواع بعينها من علوم القرآن مثل الفروض والحدود والتي لا تتجاوز آياتها (3%) من آيات القرآن وصنعوا فيها أكثر من ثلاثة ملايين كتاب ، وأسموها العلم الشرعي (المقدس) ، ثم اختلفوا فيها بل وتنطعوا في تفسيرها ، فانقسموا لأكثر من سبعين فرقة وجماعة تكفر بعضها بعضا وتقتل بعضها بعضا ، وتركوا العلوم البحتة وعلوم الخلق والتي تزيد عن آياتها عن (45%) من آيات القرآن وهي الأولى بالاهتمام لكونها أسس تنفيذ مهمة الإعمار (العبادات الحقيقية) واعتبروها متشابهات لا يقربوها تزويرا وبهتانا ، حتى آيات "علم النفس" في القرآن والتي تقترب من ثلاثة أضعاف آيات الفروض والحدود ، لا يوجد فيها كتابا واحدا كعلم عبر التاريخ ، بل وتفرغنا لابتداع وبهتان فقه نكاح الصغيرة والعجوز والبهيمة وأكل لحم الأسير وقتل المخالفين في المعتقدات باسم الجهاد كذبا على الله وكفرا بقيوميته ، وما زالت الأرض مسطحة ومربعة في تفسيرات ابن كثير وغيره ، ولا يجرؤ أحد من الاقتراب منها وتصحيحها ، وهو قمة التخلف وعشق الضلال والبهتان ، رغم أن الله يلوم البشر في قرآنه العظيم أكثر من مائة مرة على عدم استخدامهم العقل بقوله تعالى .. "أفلا تعقلون" و "أفلا يعقلون" و " أفلا يتفكرون" و "أفلا يتفقهون" و "أفلا يتدبرون" ، ولكن التعقل والتدبر والفهم سوف يسقط ويدمر امبراطوريات الكهانة والجهل وهو ما لن يسمح به المستفيدون في كل هذا الضلال والبهتان .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر