حتى لا ننسى (2) .. الضلال .. وتزوير الدين .. بقلم : جمال عمر


إن مجرد النظرة المجردة للساحة العالمية اليوم سوف تؤكد أن البشر يعيشون حالة من الضلال الديني غير مسبوقة في التاريخ البشري ، فلا المسيحيون جميعا يؤمنون بنفس المعتقدات الأساسية الموحدة ولا اليهود ولا حتى المسلمون وهذه الطوائف الثلاثة تشكل أكثر من 60% من تعداد البشر ، بغض النظر عن البقية المقسمة بين الإلحاد وعبادة الأشياء بداية من الشمس وانتهاء بالجن والبهائم ، وهو ما ينبئ باقتراب الحصاد الإلهي للبشر ، أو آخر سلالاته المتمثلة في بني آدم .

ولا شك أن إبليس حقيقة قائمة ، ولا شك أن المظاهر تقول بأنه قد نجح إلى حد كبير في تنفيذ قسمه التاريخي لله تعالى بإغواء البشر .. {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }ص82 ، وقد ساعده كثيرا استجابة البشر للغواية مدفوعين بسوء استخدام هبة الله لهم التي نسميها "الإبداع"  وهي الرغبة في الإتيان بالجديد ، ولا شك أن إبليس قد نجح في استعباد من يديرون مؤامرة تخريب ودمار العالم البشري تحت شعارات المتنورين وابنتها الشرعية المسماة بالماسونية ، والتي بدأها إبليس باستعباد بعض البشر في عهد نوح (عليه السلام) ، واستطاع تطوير هذا التنظيم الشيطاني الذي أصبح يدار مؤخرا تحت مسمى الماسونية من أجل الخير والسلام "كما يدعون" ، وهو في حقيقته مجرد وسيلة في يد إبليس لتدمير البشر وإثبات أنهم لا يستحقون الاستخلاف على الأرض .

ويكفي أن نعلم أن ما يطلقون عليها "حكومة العالم الخفية" قد استطاعت تقسيم البشر وتدمير وحدة نفوسهم ، فاختلفت الأهداف والنوايا والاستراتيجيات في الحياة ، وتلك التي بدأت بإخفاء التوراة وتأليف التلمود والعهد القديم بدلا منها ، ثم أعقب ذلك النجاح الباهر في إخفاء الإنجيل وإخراج نسخا متفاوتة والتي ما زالوا حتى اليوم يحاولون إصلاحها لتتوافق مع منطقية العلم والقيم الإنسانية ، ثم أخيرا النجاح بامتياز في غلق أبواب فهم القرآن وتحويله إلى أحجبة وتبركات في نفوس كل المسلمين ، مع تزوير جميع المفاهيم الأساسية لدين الله الواحد للبشر ، والذي من المنطق والعقل أن يكون دين كل بني آدم واحد ، لأن ربهم واحد ، وما اختلفوا إلا حماقة وسذاجة وغباء ورغبة في استئثار كل طائفة وملة بالله لهم وحدهم دون غيرهم  ، حتى انقسم اليهود من داخلهم لأكثر من ستين فرقة وجماعة ، وانقسم المسيحيون (النصارى) لقرابة السبعين فرقة وجماعة ، وأخير انقسم المسلمون لأكثر من سبعين فرقة ، وكل فرقة وجماعة تدعي أنهم أهل الله وعياله وأحبائه وهم الوحيدون ورثة الجنة ، وغيرهم كافر ولا يستحق الحياة .

هكذا نجح إبليس في تقسيم بني آدم واستعبدهم بشهواتهم وأنانية نفوسهم وحماقة عقلوهم الرافضة للفهم والتأمل والتفكر والتدبر ، والمصرة على ضلالات مقدسة توارثوها عبر الأجيال ، رغم أنها أسقطتهم وتجرهم باستمرار لهلاكهم لا محالة ، خاصة وأنهم رغم إعلانهم للشعارات البراقة ما زالوا يخدعون بعضهم بعضا ، ويحاربون بعضهم بعضا علنا أو في الخفاء ، لأن غباءهم منعهم أن يفهموا أول وأبسط حقائق الحياة في الدنيا ، وهي أن الحياة الدنيا هي محل اختبار من الله للبشر جميعا ليميز الأفضل منهم ، وأن الله خلقهم جميعا سواسية ويحبهم جميعا ، وأنه سبحانه شاء اختلافهم عن بعضهم البعض في الشكل واللغة والمنهج الديني ولانتماء والأرزاق والعلم والقدرات و… و… فقط ليتعاونوا ويتكاملوا ويتسابقوا في فعل الخيرات ، وأن الله سبحانه جل في علاه سوف يحاسب كل منهم على قدر معطياته له وما آتاه الله من علم وفهم وقدرات ومال وأرزاق في الدنيا ، وهو ما قاله سبحانه في سورة المائدة بقوله تعالى .. {… لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48 .

بل غاب عن الجميع أن الله الواحد الخالق الأعظم لهذا الكون وما فيه من مخلوقات ، لا يقبل أن يكون لخلقه أديان متفرقة متعارضة ، وهو ما نكتشفه واضحا عندما نقرأ حتى نسخ الكتاب المقدس المنقحة أخيرا ، مقارنة بالقرآن ، حيث أنه لا شك أن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي لم تصل له أيادي التحريف والتزوير لحروفه وآياته ، بل هو الكتاب المعجز علميا ولغويا ومنطقيا ، رغم رفض المنتمين لديانات أخرى تصديق هذا تعنتا وتعصبا للضلالات المقدسة المتوارثة ، وهو ما جعلني يوما أمضي سنوات طويلة في محاولة لإثبات وجود أخطاء في القرآن مستعينا بما يقوله بعض المنتمين لمناهج أخرى ملحدة أو مسيحية أو يهودية ، ولكن في النهاية اكتشفت أنني أمام كتاب يستحيل أن يضعه بشر أو يستطيع عاقل أن يشكك فيه كما قال إينشتاين عنه ، أو كما قال عنه غوتة أو بسمارك أو بعض العلماء مثل كيث مور ، وإينشاتين ، ومايكل هارت صاحب كتاب "العظماء مائة أعظمهم محمد" ، فالقرآن يصف بدقة مفزعة وعجيبة الأسس الحاكمة لكل العلوم البحتة مثل الفلك والطب والفيزياء والهندسة والكيمياء .. إلخ ، والتي ما زلنا لم نكتشف معظمها إلا في القرن الواحد والعشرين ، حتى قال عنه غوتة " القرآن ليس كلام بشر ، وإذا أنكرنا أنه كلام الله ، فهذا معناه أننا نعتبر محمد الذي قال به هو الإله بنفسه وهو ما أنكره الرجل ونسب الكتاب لربه ، فإذا قال الرجل أنه جاء به من عند الله ، فهو صادق لا جدال"  ، ورغم آلاف الإثباتات التي تؤكد أن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي لم تصل له أيادي التزوير ، وشهادة الآلاف من ممن لم يولدوا مسلمين ومنهم عشرات القساوسة والكهان ، إلا أن الإنسان يفضل التعصب على محاولة الفهم والتفكر والتدبر لعله ينقذ نفسه من الهلاك أمام ربه في الآخرة ، لو كان أمينا على نفسه .

وليس هذا بالعجيب .. فالمسلمين أنفسهم ، ورغم أن القرآن هو كتابهم المقدس ، إلا أنهم جميعا إلا ما رحم ربي ، اعتبروا القرآن حجابا وتبركا للمناسبات وكسب الحسنات ، وتجاهلوا تماما أنه الدستور الإلهي والكتاب الجامع لكل العلوم البحتة التي شاء الله أن يتعلمها ابن آدم ليعمر بها الأرض ، واكتفى المسلمون زورا وضلالا بعلم الحدود والفروض والمعاملات والتي لا تزيد آياتها في القرآن عن (300) الثلاثمائة آية أي ما يوازي أقل من (4%) من آيات القرآن وأسموا هذا العلم بالفقه والعلم الشرعي ليكون مقدسا دون غيره من العلوم ، بل وتجاهلوا تماما أكثر من (45%) من آيات القرآن والتي تمثل آيات العلوم البحتة التي أسموها زورا وضلالا بالعلوم الدنيوية واعتبروها علوم ثانوية ، رغم أن آياتها تزيد عن عشرة أضعاف آيات علوم الفروض والحدود والمعاملات "التي قدسوها" ، وبهذا التزوير الخطير أهمل المسلمون العلوم البحتة والتي هي الأهم لتنفيذ مهمة العبودية "العبادة" والتي هي الغرض من خلقهم وهو "إعمار الأرض" ، بل وادعوا كذبا وبهتانا أن الفروض والمناسك هي مهمة العبودية "العبادة" ، لأنهم رفضوا فهم آيات الله وأغلقوا فهمها على فهم من زوروا المفاهيم منذ ألف سنة ، وساعد على ذلك تزايد امبراطوريات الكهانة المسلمة المتمثلة في رجال الدين ، رغم أن المسلمين جميعا يعلمون أن الإسلام لا يوجد فيه رجال دين ولا وكلاء لله ولا واسطة بين الإنسان وربه ، ولكنهم صدقوا البهتان فسقطوا في الضلالات والخرافات والأساطير المقدسة ، فقدسوا العمائم والأولياء والأضرحة واخترعوا الأساطير عن آخر الزمان والنبوءات والمهدي المنتظر والمعجزات المنتظرة قبل يوم القيامة ، تماما مثلما ابتدع الغرب واليهود والمسيحيون أساطير نهاية العالم وهرمجدون والمسيح المنتظر ، حتى سيطر على البشر ضلالات مقدسة ساعدت في طمس المفاهيم والضمير الإنساني ، وتغييب العقل ، والخضوع لتلاميذ إبليس المتمثلة في الجماعات والأخويات الماسونية .

وبالتالي ليس عجيبا أن تجد .. اليهود يقبلون أيادي الحاخامات والمسيحيون يقبلون أيادي القساوسة وكذلك كثير من فرق المسلمين تقبل أيادي شيوخها وأمراءها ، ولكن من الغريب أن ترى بابا الفاتيكان ينحني ويقبل أيادي رجال من اليهود من عائلات روكيفيلر أو روتشيلد ، فقط لأنهم أسياده ومن صنعوا له الفاتيكان ، ومن يديرون اجتماعات "بيلدربيرج" الماسونية التي يحضرها البابا كعضو يتلقى الأوامر والتعليمات ، فلا محل هنا لقدسية الدين ، بل لقدسية السلطة والمال والنفوذ الماسوني ، تماما مثلما رأينا خراف الإخوان الماسونية يقبلون يد المرشد ويتسابقون لحذاءه ، ثم تكتشف أن الرجل أحد كوادر المخابرات البريطانية ويداه غارقتان في دماء الأبرياء ، ولا علاقة له بالدين من قريب أو بعيد ، ولكنه صاحب السلطة الماسونية على الخراف أعضاء الأخوية المسماة بـ "بإخوان المسلمين" ، ثم تكتشف أن أتباع الوهابية ما هم إلا بشر غلاظ الطبع والطابع لا يعنيهم من الدنيا سوى متع النساء والمال ومهمتهم تأصيل الفتاوى المتشددة والإرهابية لإفساد الدين وتقسيم وهلاك البشر ولو بالتضحية بأنفسهم من أجل أن يحيا القادة والأمراء في نعيم قطيع الماسونية التي صنعتهم منذ أباهم الأول "عبد الوهاب النجدي" منذ أربعة قرون ، وهكذا كلما تعمقت في صورة الكهانات المتفشية على الأرض سوف تكتشف أنها ضلالات مقدسة صنعتها الماسونية للسيطرة على البشر باسم الدين ، وعلى الجانب الآخر تمارس مؤامرات إسقاط الدول بشعارات وهمية عن الديموقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة وتحرير المرأة وحقوق الإنسان .

أخيرا .. لابد وأن نقف مع نفوسنا وقفة جادة وأمينة ، فالخالق الأعظم هو واحد لا شريك له ، ودينه واحد ، ومطالبه من البشر لا تغيير فيها ولا تبديل ، وهي أن يتعاون البشر جميعا لإعمار الأرض بالعلم والعمل وحسن الأخلاق والأمانة والحب ، ليس لأن غيرك يستحق منك الحب ، ولكن لأن الخالق العظيم يستحق منا الحب واحترام صنعة يديه وخلقه ، وقدره وقضاءه بين خلقه وبالتالي فلابد من طاعة أوامره ، ولا صحة مطلقا لما يقال زورا ، أن الله يريد من بشر أن يقتل بشرا لاختلافه في الفكر والمعتقدات ،  {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ … }البقرة256 .

ولابد .. أن نعرض على عقولنا ما نقرأه ونسمعه ، خاصة ما يقوله لنا "كهان الدين" الذين يعتمدون في بقاء امبراطورياتهم على جهلنا وغبائنا وتسليمنا لعقولنا لهم دون فهم أو تفكر أو تدبر  ، فكثير منهم يصنع لنا العداوات مع من يخالفوننا العقيدة من أجل الحفاظ على قدسيتهم وصورتهم كحماة للدين ، والدين باق دونهم ومن قبلهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة لأن الدين لله ، وهو أقدر على حفظه دون كراهية أو عداء لغيرنا من البشر ، ولابد .. أن نتذكر أن لكل منا مطلق الحق في الحياة كريما آمنا مهما كان فكره وانتمائه وجنسه ، ولا سلطان لبشر على بشر ، ولا يملك بشرا السلطة على فكر غيره ومعتقداته ، إلا لو حاول إيذاء غيره ، فلا اعتداء ولا عدوان ولا ضرر ولا ضرار ، فدينك لنفسك بينك وبين ربك ، ووظيفته إصلاح نفسك وتقويمها ، والوطن حق لكل من ولد على أرضه ، ولا فضل لبشر على بشر إلا بما ينفع البشر ، تلك هي رسالة تصحيح الخطاب الديني التي يجب أن نربي عليها أبناءنا ، ولا ننسى أن أولادنا عندما نعلمهم الكراهية والمكر بغيرهم باسم الدين أو تحت أي مسمى ، سوف يعاقبنا ربنا بأن نكون أول من يذوق نتاج تربيته لأبنائه ، بل وسيجعل منا عبرة لمن يمكر ويسيء تربية أولاده ، فما تربي عليه أبنائك لابد وأن تذوق حلاوته ومراره ، فصانع المسك .. ليس كنافخ الكير .

جمال عمر

 

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *