تعديل الدستور .. والحكمة الغائبة .. بقلم : جمال عمر


لست أدري لماذا قررت أن أكسر أهم قواعد كتاباتي بالحديث عن لغط مجتمعي وسياسي قائم ، وهو تعديلات الدستور التي أثارت حفيظة الغالبية العظمى بداية من شعبان البواب أبو العيال المطحون ومرورا بعم حسين صاحبة عربة الخضار وتوقفا لدى "حواكة سامبو" سائق التوكتوك وارتقاء محسوبا لدى رواد قهوة المعاشات الفيسبوكية وتأملا مترددا بصحبة هرتلات سيدات التويتر المتحزلقات ، ثم انتهاءا بنواب مجلسنا الموقر ، وبين الجميع تتضارب الأراء وقد تتوافق ثم تختلف وتتباين ثم تفقد الاتجاه بين ردود الأفعال والأراء لهذا الشعب العجيب .

ولعل أخطر ما يتعرض له فكر ورأي أي إنسان هو فقده الاتجاه والهدف ، وذلك ما أجبرني أن أخوض في معمعة هذا الزخم المتلاطم من الثقافات والأراء لعلي أستطيع أن أضيء علامات هداية لمن لا يملكها ، أو لعل الله يرزقني بمن يصحح لي مفاهيمي المتواضعة عن الحياة واستراتيجيات العيش فيها بما لم يدركه عقلي الضعيف وفهمي القاصر أمام علم الله في عقول وقلوب خلائقه على أعتاب ملكوته .. " ففوق كل ذي علم عليم" .

ولا شك أننا أمام مشكلة بسيطة وسهلة الحل (وهذا هو رأي شخصي) فقط لو حاولنا التوافق حول الأهداف والاتجاهات التي يجب أن يتبناها أي شعب محترم يطمع في مستقبل أفضل ، ويمتلك بساطة الفهم دون تدخل للأهواء النفسية أو تأثر بالأجندات المسبقة التي اعتدنا الخضوع لها عبر عقود طويلة مضت ، فكانت سببا لما نحن فيه ، فلا يجوز مثلا أن يكون رأي كبار التجار ورجال الأعمال متأثرا بمخاوفهم من وقوعهم المحتوم والقادم تحت طائلة القانون في القريب العاجل ، ولا يكون الرأي متأثرا بمخاوف اقتراب الحساب على الوقوع في الرشوة أو الاختلاس ، تماما مثلما يخشى الشاب المستهتر دوما الزواج بشابة ملتزمة حتى لا تفضح تسيبه النفسي وانحرافاته الشخصية ، وهذا ما أراه جليا في كثير من أراء بعض الرافضين لتمديد فترة الرئاسة لهذا الرئيس وهو أهم بنود التغيير الجوهرية التي ترعب الرافضين .

أولا .. ليتنا نتذكر الأهداف الأساسية ، فكلنا يتمنى لوطنه مستقبل أفضل واستمرار التقدم والتطور والرقي ، وكلنا يعلم أن دستور 2014م كان وما يزال مجرد "دستور" وضعه بشر وليس كتابا سماويا مقدسا ، وأنه رغم ما ندعيه أنه غير مسبوق وأنه .. وأنه ، إلا أننا جميعا نعلم أننا في توقيت وضعه "2014م" كنا في مرحلة انتقالية حرجة ، وأوروبا وأمريكا والقوى الفاعلة في العالم متربصة بنا لإثبات فشلنا ، وكنا نتمنى أن نستطيع إخراج هذا الدستور على أية صورة في موعده ، وكنا كدولة مهددين بتدخل دولي لقوى عظمى تريد أن تصنع لنا دستورا في " جينيف " أو أي عاصمة أوروبية مثل سوريا أو ليبيا ، وبالتالي لم نقف طويلا عن كثير من بنود الدستور التي صيغت في حينها بتعمد أو دون تعمد لصناعة الفشل للدولة سواء صيغت هذه البنود استعجالا أو خوفا وشكا أو استجابة لضغوط وأجندات خارجية معروفة جيدا ، حتى أن اللجنة نفسها خلت من أساطين القانون والدساتير الدولية بتعمد أو دون تعمد .

ثانيا .. بعد مرور سنوات عجاف وطويلة ومضنية ، تغير فيها وجه مصر ، وأصبحت دولة قوية تخطو بثبات نحو تقدم اقتصادي وسياسي واجتماعي حقيقي ، فهل من المقبول أن تتصدى بعض المواد في " دستور الغفلة " لاستمرار تحقيق التقدم والتطور ، لنعود للدخول في معمعة التوهان السياسي مرة أخرى لنجرب ما لا نعرفه وما لا نضمنه ، أو على الأقل قبول شكلا جديدا من الحكم ، ربما يشطب ويلغي كثير مما سبق ليصنع مجده الخاص على حساب وطن وشعب كما تعودنا عبر العقود السابقة ، أم ندخل مستنقع الفوضى من أوسع أبوابه ، فقط لمجرد أننا نريد التغيير لهذا الرئيس بحجة الديموقراطية والدستور .

ثالثا .. هل هذا الرئيس ضعيف أو متخاذل أو غير أمين أو بلا برنامج ولم يحقق شيء يذكر ، والأهم هل لدينا من هو أفضل منه ، ويحمل برنامجا طموحا يستطيع أن يحقق ما لم يحققه هذا الرئيس ، أم نحن حقا "نتبطر على الله" ، ولدينا حقيقة .. رئيس أمين ومتفاهم وحليم والأهم أنه قوي على الفاسدين والطغاة ، ورحيم بالضعفاء والفقراء ، ولديه برنامج طموح وفعال وحقق بالفعل أكثر مما كنا نحلم به في وقت قياسي غير مسبوق ، ولديه بالفعل ما يجب أن يستكمله لصالح هذا الوطن .

رابعا .. لدينا رئيس يمتلك مصداقية وثقة عالية لدى أهم مفاتيح النجاح والتي أولها المؤسسة العسكرية التي تنجز لنا وبأمره ما لم نكن نحلم أن ننجزه بقدراتنا الروتينية العاجزة والفاسدة ، ولديه مصداقية وثقة واحترام دولي غير مسبوق في تاريخنا حتى من ألد أعدائه قبل أصدقائه ، فضلا عن مصداقية وثقة رجال حكومته الواضحة في سرعة الإنجاز والتجاوب .

خامسا .. ماذا تفعل الدول المتقدمة التي نحلم أن نصل لمستوياتها ؟؟؟ ، فمهاتير محمد في ماليزيا .. عدلوا له الدستور مرتين .. ليبقى في الحكم "24 سنة" ويستمر استثمار نجاحه ، وميريكل تختتم دورتها الثالثة في حكم ألمانيا والاتحاد الأوروبي منذ 2005م وحتى 2021م ، وبوتين الذي أعاد إحياء قوة روسيا ما زال يحكم روسيا منذ 20 سنة ما بين الرئاسة ورئاسة الوزارة مرة واحدة في المنتصف ، وأي رئيس أمريكي "رغم حقيقة أنه لا يحكم ولا يملك حق تحريك كرسيه في البيت الأبيض" ، إلا أنه يستمر على الأقل لدورتين متتاليتين على مدى (12) اثنا عشر سنة ليحقق الاستقرار للسياسات ، فلماذا دولة تكاد تخرج من الفوضى بصعوبة ، لابد وأن تغير رئيسها كل أربع سنوات فقط ، ولا يسمح بتكرار انتخابه أكثر من مرتين ، أليس الأولى بدولة بعد تجاوزها حالة الفوضى والثورات لسنوات في أعقاب الفساد لعقود طويلة أن تستقر أحوالها السياسية لفترة لا تقل عن العشرين عاما والتي هي أقل فترة لتجاوز الدول كبواتها آمنة ، لضمان تربية كوادر تستطيع استكمال المسيرة بفهم ووعي صادقين ، خاصة وأن صناعة الكوادر قد بدأت بالفعل وبفضل ورعاية هذا الرئيس .

سادسا .. دعونا نكن أمناء مع أنفسنا ولصالح مستقبل أبناءنا في محاولة لإصلاح ما أفسدناه عبر عقود طويلة سابقة ، ولا نتعجل التغيير لرجل يتعامل بالحكمة البالغة والصبر الطويل على فساد أخلاقياتنا ، فالقادم من المؤكد لن يكون بهذا الفكر والثقافة الرحيمة ، ولكنه من المؤكد سوف يتعامل مع بعض الكوارث الأخلاقية المتفشية بمشرط الجراحين ، مثلما فعل ماوتسي تونج ، فأصدر أحكاما بالإعدام على يتعاطى ويتاجر بالمخدرات ، والمرتشين والمختلسين ، وربما رزقنا الله برجل ليس فوق مستوى الشبهات مثل كثير من الملوك والرؤساء في العالم ، فهل نحن على استعداد لتقبل رئيس مشبوه أو متهم في ذمته أو ولائه ، خاصة وأن نسبة ضمان هذا اليوم تعد ضعيفة ولسنا على استعداد لقبول المخاطر فقط لمجرد التغيير والتمسك بهراءات دستور وضعناها بأيدينا ونستطيع تغييرها .

سابعا .. وأخيرا .. ربما البعض منا لم يعي ما آل إليه نظام الحكم في مصر ، فلم نعد خاضعين لحكم الرجل الواحد ، بل أصبحت مصر دولة لها استراتيجية عليا ، يعمل بها أي رئيس وكل رئيس سوف يأتي ، ليس مخيرا ولا برأيه وحده ، والأهم أن حكم مصر لن يصل له مطلقا "بإذن الله" أي صاحب أجندة أو عميل أو مدسوس لصالح قوى بعينها ، ومن لم يفهم هذا فمستوى إدراكه ضعيف ، أو يرى الصورة من ثقب باب أو زاوية وهمية لا وجود لها إلا في خياله ، وإلا لاستمر تجار الدين ، أو لعادت سيطرة الغرب والماسونية على مصر مثلما كانت لعقود خمسة مضت ، فمن الخير لنا أن نعي جيدا أهدافنا ومصالحنا الوطنية ، ولا نكن كخراف المحرقة أو قطيعا في زخم هياج أصحاب الأجندات المأجورة باسم الديموقراطية ، والحالمين والمتآمرين من أجل دفع مصر للعودة لخضم الفوضى الخلاقة مرة أخرى ، وهذا ما لن يكون مطلقا بإذن الله .. والله المستعان ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *