من المؤكد أن أننا كبشر نشترك في كثير من ردود الأفعال النفسية الفطرية ، فمعظمنا يتوقف مع نفسه عند مواجهة مواقف صعبة ليسأل ماذا يحدث ؟؟ ومن أنا في كل هذا الزخم المسمى بالحياة ؟؟ ، ولماذا أنا بالذات ؟؟ أتعرض لهذا دون غيري ، ولا شك أن هناك قيما إنسانية عليا تعالج كثيرا من هذه الحيرة والتساؤلات مثل الإيمان بوجود الله الواحد ، والقادر على كل شيء ، ومقدر الأمور وصاحب الأمر في حياة البشر ، ولكن هذا اليقين لا يصلح أن يكون علاجا حاسما عند البعض خاصة في الغرب والشعوب الملحدة وكذلك كثير من أبنائنا الذين تأثرت ثقافتهم بهؤلاء ، خاصة من اعتادوا الحياة بمعدلات رفاهية عالية ، ويرون دوما أن السعادة في الاستزادة من كل مباهج ورفاهيات الحياة وامتلاك كل ما تشتهيه النفس ، ويرون أن قمة التعاسة والفشل في عدم تحقيق الأحلام والرغبات ، ولذلك لا عجب أن ترتفع نسب الانتحار بين أكثر الشعوب المتقدمة عنها في الدول الفقيرة والنامية ، وهنا تكمن حكمة الحياة التي يسطرها ناموس الخالق في خلقه .
ولا شك أيضا أن تنامي فكر وثقافة الأسرة في تواصل التعاون المستمر عبر الأجيال قد تراجعت معدلاته والحرص عليه ، فكلما فقد الإنسان إحساسه بالقيم النفسية والإنسانية ، كلما تراجعت الرغبة في الزواج مثلما نرى في الغرب ، حيث تفشى في المجتمعات صور المعاشرة دون زواج ، ولا مانع من الإنجاب وتربية الأبناء ، حتى يمل أحدهما فيترك الأسرة بلا رجعة ، وأحيانا يتركون الأطفال لتربيهم الملاجيء ودور الرعاية الحكومية المنتشرة ، في أفظع صور لدمار معنى الإنسانية والانزلاق في التدني الإنساني ، فمن الشائع أن لا يعرف الشخص الأوروبي (من أباه) وربما (من أمه) ، وهو ما بدأت ملامحه تهاجم المجتمعات الشرقية والمسلمة على وجه الخصوص ، ولذلك يحاول البعض فرض وجود الأم العزباء (Single Mother) ، كواقع لابد من قبوله في مجتمعاتنا ، بل بلغ تشويه المعايير المتعمد أن نرى إعلانات لنشر الدعارة على صفحات التواصل تحت مسميات براقة كصديقة السفر ، وهو ما يروق لكثير من المتسيبين والمفرطين خاصة لدى من يحاولون بجهل وحماقة تقليد أنماط الحياة الغربية وتبني قيمها التي تتعارض أساسا مع القيم الفطرية للنفوس البشرية قبل أن تتعارض مع أصول القيم الشرقية والمسلمة على وجه الخصوص .
ولا شك أننا جميعا خلال ممارسة حركة الحياة ، قد لا نتوقف دوما عند أقوالنا وتصرفاتنا وقراراتنا اليومية لنقيمها أو لنعيد مراجعتها من وجهات نظر المثالية سواء اجتماعيا أو دينيا ، ولكننا عادة ننزلق دون إدراك في تقليد ما نعتاد على رؤيته في المجتمع حولنا ، فمثلا .. كثير منا يعرف أن السهر يوميا هو السبب الأساسي لتفشي جميع أنواع السرطانات ، لحرمان الجسم من الاستفادة من مضادات الأكسدة الطبيعية التي تفرزها الغدة الصنوبرية في الظلام من الثامنة مساءا وحتى الثانية صباحا ، فكم شخصا يلتزم بالنوم من بعد الثامنة مساء .. (تقريبا لا أحد) ، وكذلك مثلا .. خلال سنوات قليلة أصبح من المعتاد أن نرى في مصر المسلمة صاحبة الأزهر ، وراعية البابوية الأرثوذكسية الأصولية العريقة ، وقد ضجت شوارعها ودورها بعروض فجة لمفاتن بناتنا وفتياتنا وهن يتعمدن إظهار تفاصيل أجسادهن في بنطلونات ضيقة لحدود الشراسة دون أدنى حياء أو خجل ، تحت مسميات الحرية والتطور ومواكبة الموضة ، متناسين جميعا ، أن هذه الرؤى في شوارعنا تساهم في فقد تركيز وقدرات شباب المجتمع تصل إلى 50% كحد أدنى ، كما تقول دراسات اجتماعية ألمانية ، بأن اعتياد الأشخاص رؤية المفاتن النسائية التي تثير شهواتهم تفقد المجتمع أكثر من 50% من قدرات إبداعه وتركيزه ، ولذلك يفرضون في الغرب دوما زيا موحدا في المصانع ودور العمل الأوربية والمدارس بل وكثير من الجامعات ، وهو ما لم نصل إلى فهمه لدينا بالدين أو بالعلم ، فتحولت حياتنا لفوضى عشوائية المفاهيم المدمرة لطاقات للشباب ، بكل سلبياتها وتداعياتها على المجتمع ، وما زال لدينا من يدافعون عن العري وكانه الأصل الفطري للبشر .
ورغم أننا جميعا نعلم أن الصغار يتعلمون من سلوكياتنا وما تراه عيونهم منا وما يفهمونه ، فكم شخصا حرص على تغيير سلوكياته الشخصية ليكون أبا أو أما صالحة للأبناء ، فمثلا .. الطفل خلال سنواته الأولى يكون في أمس الحاجة لقرب أمه بل الالتصاق بها على مدار الساعة ، وفقدانه لوجودها يحفر في نفسه أول دروس (الميكيافيلية) الملعونة بتفضيل المصالح على المشاعر فضلا عن تدمير استقراره وقدراته النفسية والعصبية ، وقد رأينا هذا في حلقة لبرنامج "العلم والإيمان" قدمها الدكتور مصطفى محمود منذ أكثر من ثلاثين عاما ، وتابعنا فيها تجارب علمية على أطفال البشر والقرود ، وشاهدنا كيف تتطابق ردود أفعال أطفال البشر والقرود الفطرية لغياب الأم في الشهور والسنوات الأولى ، وكيف أصبح الطفل شرسا وعدوانيا ، ومع هذا فمن المعتاد أن نرى الحضانات قد اكتظت بأطفال من عمر الشهور وحتى سن المدرسة ، فلا والدين توقفوا وقيموا ما يفعلونه وأثره على تربية أبناءهم ، ولا الدولة راعت أن تتابع وتراجع وتقوم هذا السلوك الاجتماعي الخطير على مستقبل شباب الأمة .
ولا شك أيضا أن معظم خسائر البشر تكون نتيجة منطقية لاعتياد الإنسان أن تأخذه العزة بالإثم ، ويصر على عدم الاعتراف بفداحة أخطاءه الكارثية ، فيحاول إصلاح نتائجها السلبية بكثير من الحلول التي تكلفه ماديا ونفسيا ومجتمعيا أضعاف فائدته من الاستمرار في الخطأ ، فيصبح مدمرا لطاقاته وإمكانياته بحماقة إصراره على الإثم أو الخطأ ، فمثلا .. دولة لديها مثلا عشرة ملايين من الرجال بلا عمل ، ولكنها مصرة على تشغيل ستة ملايين أنثى تحت شعار "تمكين المرأة وحريتها" ، فتكون النتيجة أن هناك عشرة ملايين أنثى بلا زواج ويتزايدون يوميا ، ويرتفع سن الزواج لما فوق الثلاثين ثم الأربعين ، ويقابل هذا تضاعف نسب البطالة التي يستتبعها تفاقم نسب الانحرافات الاجتماعية وتفشي المخدرات والعلاقات المحرمة ، وتنتشر الدعاوى لتقنين الزنا والشذوذ والانحرافات بشتى صورها ، وترتفع نسب الطلاق بصورة غير مسبوقة ، والكل يشكو ويصرخ ، والكل يعاني من خسائر عدم الاستقرار النفسي والمجتمعي ، ولكن عند محاولة التصدي لهذه الظاهرة ، لا نعالج الأسباب الأساسية ولكننا نعالج النتائج والفرعيات فقط ، فندفع مزيدا من الأموال في علاج سلبيات الطلاق وحل قضاياه ومنظمات حماية المرأة والأطفال المشردين ، ومنظمات لعلاج المشكلات الاجتماعية وقتيا ، وحضانات لتستقبل أطفال في عمر الشهور ، وغيرها الكثير من السلبيات المترتبة على الظاهرة الأساسية التي لا نقترب من أسبابها الحقيقية سواء لتقليد أو لإرضاء الأسياد في الغرب ، أو لجهلنا وحماقات نفوسنا .
أخيرا .. كم رجلا منا يتعامل مع زوجته كما يتمنى أن يعامل رجلا آخر أخته أو ابنته أو حتى أمه ، وكم زوجة تتعامل مع زوجها بما تتمناه لأبيها وأخيها وابنها ، ليس المطلوب هو الإجابة على السؤال ، ولكنه سؤال فاضح لعوار النفوس ، فالأم دوما ترى أن من حق ابنها أن يتزوج غير زوجته أن لم تكن قادرة على إسعاده ، فهل تقبلين سيدتي أن يتزوج زوجك غيرك ، أم أنك تقبلين على غيرك ما لا تقبلينه على نفسك ، والرجل لا يرى عيبا في أن يتورط في علاقة محرمة مع أنثى أخرى ، فهل سيدي تقبل أن تتورط زوجتك مثلك ، أم تلك آفة البشر أنهم يرون في نفوسهم أنهم أفضل من غيرهم ويستحقون ما لا يستحقه غيرهم ، وهو ما يؤكد أن آفة البشر الحقيقية تتفاقم بين المفاهيم والمعايير.
ولذلك .. فإن مشكلات المجتمعات البشرية تقع بين عشوائية المفاهيم واختلاط المعايير ، فعندما تتبعثر المفاهيم وتتشوه وتصيبها العشوائية ، تختلط المعايير فنزن الأمور بأهوائنا الشخصية ، فنهمل ونتناسى قيم الحياة طبقا لناموس الخالق في خلقه ، فتتسارع معدلات السقوط والانحدار الإنساني وتعلو الصرخات وتنتشر العشوائية ، وتتزايد الخسائر والانحرافات ، فمثلا .. ولو أدرك كل إنسان أن البشر جميعا سواسية ولهم من الحقوق مثل ما عليهم دون تعصب أو أنانية حمقاء ، لاستوت حركة الحياة وتحسنت محصلة تعاملات البشر مع بعضهم البعض ، ولما تآمر بشر على غيرهم ، ولما تشوهت معان السعادة وفقدت ملامحها بين البشر ، والتي يستطيع كل منا أن يحققها لنفسه بقليل من منطقية "سواسية البشر" من حوله معه ، ولا فرق بين خفير ووزير إلا في حجم مسئوليته وتكليفه وحسابه في الدنيا ثم في الآخرة عند ربه ، ولا فرق بين عظمة وزيرة أو رئيسة دولة وبين عظمة أم تفرغت لتربية أجيال لا يستطيع سواها تربيتهم كما ينبغي ، فكلها مهام لا تقل عن بعضها ، وهي قدور مقدورة لابد وأن نعيها ونقنع بها ونجيد الاستقامة في التعامل معها في حركة الحياة ، ولابد أن يحترم الرجل الإعجاز الذي تقوم به المرأة في بيتها من أجله وأجل أولاده .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
