لا شك ان اختلال مفاهيم البشر حول الزواج هو أهم أسباب تزايد معدلات الطلاق ووصولها لحدود الانفجار الغير مسبوق خاصة في مصر ، حتى تعدت عدد حالات الطلاق للمليون حالة في عام 2018م ، وهو جرس إنذار صارخ ومؤشر خطير لابد من التوقف عنده قبل فوات الآوان ، ولا شك أيضا أن قوانين العالم مهما كثرت لن توقف عمليات تفكيك روابط الأسر والمجتمعات ، وإذا كان الاستقرار الأسري والترابط العائلي كان وما يزال أهم ما يميز المجتمعات العربية والمسلمة ، إلا أنه قد أصبح واضحا رياح الإفساد قد أثرت كثيرا على هذا الاستقرار وأصابته في الصميم ، لأننا تنازلنا عن قيم ومفاهيم الزواج الفطرية تدريجيا عبر الأجيال حتى وصلنا لفوضى الطلاق التي نعاني منها.
ولا شك أننا نتجاهل بتعمد أو بجهل أن الزواج يتم بين رجل وامرأة وغالبا شاب وشابة ، هم في الحقيقة نتاج تربية أسرة سابقة مكونة من رجل وامرأة ، وبالتالي فسلوكياتهم في ممارسة الحياة قد تعلموها ممن كان عليهم واجبات التربية لهذا الجيل الجديد ، وبالتالي أيضا فالأجيال السابقة هي المسئولة مسئولية مباشرة عن نجاح أو فشل الأجيال التالية في ممارسة حركة حياتهم خاصة في العلاقة الخاصة جدا بين الرجل وزوجته ، فالطفل يتعلم كيف يتعامل مع الجنس الآخر من رؤيته لأساليب تعامل من يربيه ، وهو كذلك يتعلم على أيديهم كيف يتحمل المسئوليات ، وكيف يتعامل مع المواقف الطارئة والأزمات .
فمهمة الأسرة هي الأساس في نشأة الأجيال الجديدة ، حيث من المفترض أن يتعلم الطفل سبعاية التربية الذهبية ، ممن يربيه والتي هي أهم وأخطر ثلاثة قيم ومباديء تتحكم في مستقبله وطبيعة حياته على مدى عمره وبالتالي استقراره وسعادته ثم مصيره في النهاية وأول هذه السباعية هو معنى الرحمة والشعور والتواصل مع الغير ، وثانيها كيف يتحمل مسئولية نفسه وثالثها أهمية وكيفية تحمله مسئولية غيره ، ورابعها كيف يتعامل مع المحيطين به خاصة أقرب الناس إليه ، وخامسها كيف يتعامل مع المشاكل والمواقف الطارئة ، وسادسها حدوده في التعامل مع شهواته ورغباته ، وسابعها معان وحدود القيم والأخلاق .
وأول خطايا الأم الكارثية والتي تدمر معنى الرحمة والتواصل هو بعد الأم عن رضيعها بتسليمه للجدة أو الحضانة ، فيفقد الطفل التواصل مع مصدر الأمان "الكهرومغناطيسي والحسي" والمتمثل في تون ذبذبات جسدها وقلبها وصوتها والتي يميزها جيدا وتشعره بكل الأمان والاحتواء الذي اعتاده منذ قدومه للدنيا طوال فترة الحمل ، وبفقدانه هذا الأمان يحفر في نفسه انعدام الأمان والتي تترجم فيما بعد لانعدام الرحمة وفشل الإحساس بالآخرين ، وفي النهاية هذا الطفل هو نفسه الذي سوف يضع أمه وأباه في دار المسنين ليتخلص من أعباءهم ، وهو نفسه الذي سوف يفضل شهواته ورغباته على مصالح غيره ولو على حساب حياتهم ، وبالتالي فلديه الاستعداد أن يكون الطبيب تاجر الأعضاء والسياسي القواد والمهندس تاجر السلاح والقاضي تاجر المخدرات ، فلا شيء في الحياة يستحق تعاطفه أو الشفقة بعدما فقد أمانه في أول أيامه ، وبالتالي فهو من الخطورة أن يتحمل مسئولية أحد في المستقبل ، خاصة لو استشعر الوالدين هذا الخطاء الجسيم ، فحرصوا على تعويض الطفل عن هذا بتلبية كل رغباته لبقية عمره .
وثاني خطايا التربية الخطيرة هو تحويل الطفل إلى "ننوس عين أمه" المجاب كل طلباته وأحلامه ورغباته ، المعفي من أية واجبات أو مسئوليات منذ نعومة أظافره وحتى وفاة والديه ، فهما مخلوقان في الدنيا لإجابة مطالبه تحت شعار "تجنيبه أية معاناة" ، فيتحول الطفل لمسخ بشري ضعيف القدرات فاقد الحيلة معدوم الشخصية ملول ولا صبر لديه على شيء ، سيء الأخلاق لا يعرف سوى مصلحته فقط ، والكارثة لو استمر الخوف عليه والتدليل خلال سنوات صباه مثلما نرى الأم أو الأب جالسا بالساعات منتظرا مثلا .. انتهاء الدرس الخصوصي "للننوس" ليؤمن عودته للمنزل ، بل ونجد "الننوس" في بيته لا يتحمل مسئولية أي شيء حتى سريره وغرفة نومه سواء تحت شعار أنه يذاكر أو أنه صغير أو رجل لا يقوم بواجبات المنزل ، ثم تستكمل منظومة الإفساد الأخطر فنرى "الننوس" وقد أصبح "بغلا" يتركونه يقضي الأجازات مستمتعا تحت شعارات جوفاء عن حق اللعب والترفيه عن نفسه التي تعبت في المذاكرة ، ناهينا عن إسراع والديه للتدخل لحل كل مشكلة تخصه فيسعون جاهدين للحصول على واسطة وفرصة تميز "للننوس" ، فهل هذا الطفل من الممكن أن يتحمل أي مسئولية مستقبلا .
الخطيئة الثالثة .. في أساليب تعامل الوالدين أمام الأبناء منذ أيامهم الأولى ، فالطفل يولد بنفس كاملة وواعية تعي وتفهم طبيعة العلاقات البشرية ، فالطفل في عمر الأيام الأولى سوف جيدا حالات الغضب والسعادة والخيانة والكذب والخداع في العيون والوجوه بل وفي ترددات مجالات أجسامهم المغناطيسية الصادرة منهم خاصة والديه ، فنرى مثلا طفلا لا يقبل مطلقا اقتراب البعض منه ، حتى ولو كان عمه أو خالته ، ولكنه أبدا لا يفعلها مع الأطفال الأبرياء ، فالأبناء أكثر قدرة على فهم وإدراك طبيعة العلاقات في البيئة المحيطة ، وبالتالي فأخطاء الوالدين يراها ويراقبها ويتعلم منها الأطفال ، فسلوكيات الوالدين سوف تصبح قدوة للأبناء على مدى أعمارهم ، فالطفل الذي تربي مع والدين يحلون خلافاتهم الشخصية بالتحدي والشجار وتبادل القصف بالكلمات والصراخ والخصام والهروب من المركب وربما تصل للطلاق أو الانفصال دون طلاق ، قد استوعب أن الزواج هو شراكة فاشلة ومزعجة ومدمرة للنفوس ، فهو مطلقا لن يكون قادرا على تحمل المسئولية مستقبلا .
الخطيئة الرابعة هي انعدام الثقة والتوجيه والحديث والنقاش البناء والهاديء والمتواصل مع الأبناء لينجحوا في التفرقة بين الفاسد والصحيح فيما يتعرضون له من وسائل الإعلام والمعلومات .. خاصة وأننا نعلم أنه لا تخلو وسائل الإعلام والفضائيات والشبكة العنكبوتية من استخدام المخدرات والعنف والأخطر والأكثر تأثيرا هو استخدام الإثارة الجنسية كوسيلة لجذب الانتباه حتى في إعلانا تسويق المنتجات ، فجيل الشعر هام للفت أنظار البنات ، وكريم فيت لإبراز نعومة جسد الأنثى أمام الرجال ، فالشاب والفتاة يتعرضون لهجمات إثارة جنسية شرسة طوال اليوم ، ناهينا عن تفشي البنطلونات الحريمي اللاصقة والتي تصف بدقة كل مفاتن البنات والنساء لكل العيون في الطرقات ، وبالتالي فالملتزم من هذا الشباب سيظل صابرا محتقنا ولا يعني له الزواج سوى الوصول لإشباع شهواته الجنسية بكل ورديتها ومتعتها التي يحلم بها ، فإذا به يصطدم بالواقع والعقبات والمشاكل والمطالب والتقاليد والأعراف ، ويطول صبره حتى يصل للمراد في يوم ما ، فإذا به يفجع بأنه ليس بالرائع ولا الممتع كما كان يصورونه له وما كان يحلم به في خياله سنوات طويلة ، بل هو قدر من المتعة يدفع ثمنها كاملا وغاليا من وقته وتفكيره وجهده وماله من أجل الحفاظ عليه وعلى نتائجه من أبناء وأسرة تزداد مسئولياته عنها يوما بعد يوم ، ويراوده في كل يوم يمر به تساؤلا خطيرا ، "هل هو أحسن الاختيار" ، و"هل هو يستحق الأفضل" ، و "ما الحل وهو لم يحقق أحلامه الوردية بهذا الزواج" ، خاصة عندما تأتي الأبناء وتتحول الحياة لصراع وصبر وتحمل من أجل مستقبلهم وراحتهم ، وهنا تبدأ رحلة البحث عن البديل في رومانسية مفتقدة ، فلا الزوج يراعي مشاعر زوجته ، ولا الزوجة ترى ضرورة أن تستعيد رقتها وحنانها على رجلها مثلما كانت قبل الزواج ، وهذا بداية الطلاق إلا ما رحم ربي ، خاصة والشبكة العنكبوتية مليئة بالباحثين والباحثات عن السعادة ولو بالأوهام في العالم الافتراضي .
عزيز الزوج .. تذكر أو زوجتك التي اكتشفت أنها ليست كما في أحلامك هي بشر مثلك لها سلبياتها ومميزاتها والزواج شراكة أساسها قبول سلبيات الآخر والاستمتاع بها وتحويلها لمميزات ، ولا تنسى أن هذه الشابة يوما ما كنت تحلم بلمس يديها ، ولو فارقتك اليوم فغدا ستشتاق لوجودها ، فقط لأن بينكما ميثاق غليظ مفروض من الله يسكن النفوس منذ أول ليلة خلوت بها ، ولا تنسى .. كلمة رقيقة وطيبة منك سوف تفتح لك أبواب السعادة بما تره عيناك من قبل ، وكلمة حادة أو قبيحة سوف تفتح عليك أبواب الجحيم ، ولا تنسى .. أن الكريم .. من يمنح ما في استطاعته لإسعاد غيره ، وأولى الناس بك هي هذه المخلوقة التي رزقك الله بها وجعل لك فيها نصيبا وقسمة وقدرا ، ولا تكن غبيا متنطعا وأحمقا فتقارن بينها وبين أمك أو أختك أو غيرها ، فكل النساء سواسية والفاشل فقط من يفشل في احتواء أنثاه بعطفه وحبه وحنانه ورعايته ، وهي لديك أمانة وديون مردودة ، وسوف يرد لك كل خير أو شر تفعله بها فيمن يخصك خاصة ابنتك أو أختك ، وأنت حر في أن تصنع منها ملكة لعرش عمرك وتكون أنت مليكها ، أو عدوا وخصما يذيق عمرك جحيم غباءك .
عزيزتي الزوجة … اعلمي أولا .. أن زوجك هو أكبر أولادك .. ثم تذكري دوما .. أن هذا الرجل قد منحك الله إياه زوجا وأبا وأخا وقواما ومسئولا وحبيبا وأبنا بكريا قبل كل هؤلاء .. فلابد أن ترحميه وتعشقيه وتطيعيه ، ولا عيب في خضوعك له فهو رجلك ، فطبيعة العلاقة بينكما كما خلقها الله سرها الأكبر ومتعتها في خضوعك النفسي والجسدي ، فيصبح زوجك هذا عبدا لك ، كما تقول الأعرابية لابتها "كوني له أمة يكن لكي عبدا" ، ولا تخافي من خضوعك له أن "يركب ويدلدل رجليه" كما تقول جدتك فهذا حديث الحمقاوات الفاشلاات ، فالرجل بفطرته يخضع لمن يمنحه الحنان ويحبه ويحتضنه ، وقمة الذكاء في التعامل مع البشر لا تكمن في التحدي ، ولكن قمة الذكاء فيمن يجيد ترويض شريك حياته باللين والمودة والرحمة ، والتخلي عن الأنانية وعشق الذات ومباديء "مصلحتي ومشاعري وأحاسيسي" ، لأن زوجك يتعلم منك ما يتعامل به معك ، فإن أدرك أنك حريصة على أهوائك ومشاعرك ومصلحتك ، فسوف يكون أسبق منك للبحث عن حقوقه ومشاعره ومصلحته ، فجوزك على ما تعوديه ، فإن عودتيه الرعاية والحنان ، فلن يفعل شيئا في الدنيا إلا لإسعادك وراحتك ، والعكس صحيح ، فلتسألي نفسك على ماذا سوف تعودين زوجك ، ولا تصدقي أحاديث الفضائيات من المطلقات الفاشلات ، فلا توجد في الحياة مساواة مطلقا ، فأنت الملكة .. ولكن عندما تنجحين في صناعة ملك متوج لعرش قلبك وعمرك بحنانك وطيبتك وحبك واحتوائك لهذا المخلوق الذكري العجيب .
أعزائي الأزواج .. تذكروا .. "من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليقل خيرا أو ليصمت" ، فلا يخرج من فمك إلا كلاما جميلا طيبا يسعدك لو قيل لك ، خاصة عندما تكون اللحظة والموقف خاصا سواء رومانسيا رقيقا أو محتدما في مشكلة أو أزمة ، فمعظم المشاكل الأسرية من فشل الأزواج في ضبط النفس وسوء اختيار الكلمات في المناسبات والمواقف الخاصة وما أكثرها بين الزوجين ، ثانيا .. لا تكونوا بخلاء حمقى فيما تمنحونه لبعضكما ماديا ونفسيا وجسديا ، فقد أصبحتم نفسا واحدة لها جسدين يلتقيان ليتكاملا ويستمتعان بقربهما ، وثالثا .. لا تسمحوا للوسواس الخناس في نفوسكما أن يتحكم في علاقتكما ، فهو دوما يسرب لكما الشك والحزن والظن السيء ، فلا تجسسوا ولا تسئوا الظن واجعلوا الثقة حصنا بينكما لا يهتز ولا تمسه الشكوك ، وأخيرا .. فليرحم كل منكما الآخر وليحتويه بالود والمعروف ولين المعاشرة .
وأخيرا .. أعزائي الوالدين .. أبناءكم فلذات أكبادكم .. نعم ولكنكم مسئولين أمام الله والتاريخ والمجتمع عن التربية ، والتربية هنا تعني ترويض نفس جامحة تريد كل شيء ، ولا تريد أن تتحمل أعباء أي شيء ، فالتربية منذ اليوم الأول هي صراع لترويض النفس الجديدة ، لتتحمل منذ يومها الأول أن عليها واجبات قبل حصولها على حقوقها ، فالطفل يكلف بالمشاركة في نظافة وترتيب وتلبية حاجات وحل مشاكل البيت كاملة "لأنه يعيش فيه" ، وتلك أول خطوات تحمل المسئولية ، ولا يفرغ الطفل مطلقا للمذاكرة بل يكلف بما يزيد عليها من واجبات ومسئوليات حتى يتعلم تنظيم وقته وترتيب أولياوياته والاهتمام بمستقبله ، والأجازة الصيفية هي وقتا ذهبيا ليتحمل مسئوليات كبيرة ، تبدأ بتحمل مسئولية البيت كاملة دون سن الرابعة عشرة للولد الذي لابد وأن يعمل صيفا خارج البيت في أي عمل ليتعلم كيف يكسب مالا حلالا ، ويكتسب خبرات جديدة عن الدنيا ، وينمي مهارات يديه ، ثم ليوقن أن وجوده في بيت وأسرة هو نعمة وميزة لابد من مراعاتها والحفاظ عليها ، ولا يسمح للأبناء بالصراخ أو الصوت العالي في البيوت فالله تعالى يقول "واغضض من صوتك ، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير" ، ولا يسمح لهم بالتأخر عن مواعيد النوم والاستيقاظ مبكرا خاصة في الأجازات ، فالنوم المتأخر علميا يسبب السرطان المبكر للشباب" وذلك لأن السهر يمنع ضخ مضادات الأكسدة من الغدة الصنوبرية في قاع المخ ، فالله جعل الليل سكنا ، وعقاب فطري رباني لمن يخالف ناموسه ، وأقل درجات الاحترام هو تعود الجلوس مستقيما أمام والديه فليس من الراحة سوء الأدب … ، فالراحة في البيوت لا تعني كسر الحدود ولا الفوضى ولا سوء التربية .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
