السياسة والدين .. والمفاهيم المغلوطة بقلم : جمال عمر


بداية .. لابد وأن ألا نتورط ونقع في خديعة التقسيمات البشرية ، فالإنسان كوحدة متكاملة لا يمكن الفصل بين مكوناته الأساسية والفرعية ، وبالتالي التاثيرات المتبادلة فيما بينها ، "فالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ، وبالتالي فالتقسيمات التي يلجأ إليها البشر ليست إلا وسيلة الضعف البشري للدراسة والفهم لمنظومة خلق الإنسان المعجزة ، وكذلك حياة البشر ، فلا يمكن فصل التأثيرات المتباينة والمختلفة عن بعضها في تقييم الحياة على الأرض ، ولا يمكن أن ندعي الفصل بين معتقدات البشر والتي نسميها بالدين وبين أساليب ممارسة حركة الحياة والتي من ضمنها ما نسميه بالسياسة والاجتماع والاقتصاد ، وغيرها من تقسيمات ليس الغرض منها سوى تذليل الفهم والتعامل وحل المشكلات ، ولكن هذا التقسيم يصبح مجالا خصبا لقوى الشر الماسونية التي تجيد استغلاله ، فتتعمد الفصل والتقسيم وصناعة العداء بين التقسيمات وتأثيراتها ، وبالتالي تزوير المفاهيم والتعريفات للفصل بين الدين والسياسة ، ليسهل لها السيطرة والتوجيه للبشر في إطار مخططاتها الاستراتيجية المدمرة ، فالدين في حقيقته هو قناعات شخصية يتصرف تبعا لها الإنسان تلقائيا في حركة حياته ، وهذه القناعات هي نفسها المحددة لتعاملات الإنسان مجتمعيا ودوليا وهو ما نسميه بالسياسة .

ولا شك التاريخ السياسي للبشر قد مر بتغيرات استراتيجية مختلفة وعديدة ، بداية من سقوط سيطرة حضارات الفراعنة والصينيين والأشوريين ، ثم مرورا بسيطرة الرومان في العصور الوسطى ، وصولا لسيطرة المسلمين على مقادير العالم لأكثر من ثمانية قرون ، والتي انتهت بمؤامرات متكاملة زادت من سيطرة الماسونية خلال القرون الثلاثة الماضية ، والتي جندت القوى الشاملة لمعظم الأمم الغربية وصنعت بلطجي العالم الملقب بأمريكا ، وصنعت منها قوى متعددة كأدوات لتنفيذ استراتيجيتها ، وفتت وقسمت دولا بعينها لتسيطر على مقاليد الأمور في العالم ، ولذلك فلا جدال أن العالم اليوم .. يتجه وبقوة نحو تغيير استراتيجي جديد وربما غير مسبوق ، نظرا لسرعته المتزايدة والمتجاوزة لتوقعات المخططين أنفسهم ، وكذلك أفضل المحللين وعباقرة السياسة الدولية ، فبرغم أن بعض الدول الكبرى كأمريكا ما زالت تستعرض عضلاتها المختلفة ، بل وتتفاخر بأنها المتحكمة في توجيه استراتيجيات السياسية الدولية في بقاع الأرض ، إلا أنه وفي خلال العقود الأخيرة قد اتضح بما لا يدع مجالا للشك أن الموجه لمصائر البشر هي " الماسونية " التي تدير مؤسسات مالية وصناعية وسياسية في شكل كيانات عملاقة ، هي بالفعل المتحكم الحقيقي في استراتيجيات السياسة الدولية ، بل وغالبا ما تدير تكتيكات صغرى عبر حدود الدول باستخدام أدواتها المتمثلة في مخابرات بعض الدول وجماعاتها ومنظماتها العسكرية أو المدنية ولو تحت شعارات براقة وإنسانية ، في إطار مؤامرة كبرى تديرها قوى الماسونية والتي يطلق عليها "حكومة العالم الخفية" .

ولا شك أن الماسونية التي بدأت بالـ "كابالا" ثم الصوفية في عهد نبي الله نوح على يد إبليس وأتباعه من البشر ، واعتنقها اليهود في العصور الوسطى باسم "فرسان المعبد" ، قد نجحت مؤخرا في العصر الحديث نجاحا باهرا في تنفيذ مخططاتها الاستراتيجية ، بداية من مؤامرة الحرب العالمية الأولى والتي نجحت بها في هدم أكبر وأخطر الامبراطوريات الباقية من العصور الوسطى ، وهي الامبراطورية العثمانية المسلمة التي حكمت العالم لثمانية قرون متتالية ، والقيصرية الروسية التاريخية العملاقة ، ثم نهاية .. بالحرب العالمية الثانية التي فرضت بها السيطرة الكاملة على مقدرات الشعوب في العالم ، وأخرجت للعالم البلطجي الأمريكي المصنوع بأيدي أحفاد مجرمي أوروبا المطرودين من قبل للقارة الجديدة ، ليتزعم هذا البلطجي العالم وينشئ أول نواة لحكومة العالم الموحدة والتي سميت بعصبة الأمم ، والتي تم أصبحت " الأمم المتحدة " ، مرورا بنجاحها في التخلص من اليهود وزراعتهم ككيان مسموم اسمه "إسرائيل" في قلب العالم التاريخي ومهد حضاراته رسالاته السماوية ، مرورا بنجاحها المتميز في تنفيذ "سايكس بيكو الأولى" وتقسيم الأقطار العربية لدويلات صغيرة ، مرورا بمؤامراتها المتتالية للسيطرة على قلب آسيا وتفجيرها للأوضاع في القارة الهندية ، والذي تم استكماله بالنجاح الباهر في تحطيم الاتحاد السوفيتي وتقسيمه لدويلات .

وقد غر قادة الماسونية العالمية نجاحاتهم المتتالية ، فظنوا أنهم بحلول القرن الواحد والعشرين قد آن الأوان لاستكمال مخططهم الاستراتيجي المدمر والملقب بالميار الذهبي " بتصفية ستة مليار نسمة من البشر" ، بداية بتصفية شعوب ما حول الأرض المقدسة (المنطقة العربية) ، وظنوا أنه قد حان وقت قطف ثمار ما زرعوه منذ قرون مضت من فرق وجماعات ماسونية كالإخوان والوهابية ثم القاعدة ، فأنشأوا داعش (ISIS) لتكون وسيلة عسكرية مباشرة لنشر الخراب والدمار في الشرق الأوسط ، ثم في العالم تحت شعارات الدولة المسلمة والجهاديين ، والتي هدفوا من ورائها لاصطياد عشرة عصافر بحجر واحد ، فداعش وجرائمها كفيلة بنشر الكراهية للإسلام والمسلمين ، كما أنها كافية لنشر الخراب وتقسيم الدول المخطط تفتيتها ، وهي في نفس الوقت حقلا لتجارب لمختلف نظم التسليح ، وسوق هائل وغير مسبوق للسلاح وللمخدرات وتجارة البشر ، كما أنه بالقطع سوق لتنشيط واستثمار الأموال في خديعة الإعمار للدول بعد تدميرها ، فضلا عن كون شعوب هذه المنطقة المشردة هي وسطا خصبا لاستقطاب وجذب العقول والكيانات المميزة منهم للغرب ، كما أنهم وسطا زاخرا بعناصر تنمية تجارة والنساء والبشر بل والأعضاء البشرية .

ولعل كل ماسبق يوضح أبرز أسباب ما نعانيه في مصر من هجمات شرسة ومؤامرات مستمرة ومتزايدة لهدم الدولة من الداخل بالإرهاب ثم بنشر الإحباط واليأس لتفجير المجتمع من الداخل ، وذلك بعد الفشل الذريع لمؤامرة الفوضى الخلاقة ، أو "الربيع العبري" لتفكيك الدولة المصرية مثل غيرها ، فمصر في غضون السنوات القليلة الماضية أصبحت شوكة في حلق الماسونية ، وأفسدت تنفيذ مخططات تم الإعداد لها منذ قرون ، بل وكعادتها التاريخية غيرت من موازين القوى في العالم ، فأفقدت الماسونية صوابها ، وافقدتها القدرة على العبث بالمنطقة ، وقلمت أظافرها المغروزة في جسد الأمة العربية منذ قرون ، وشجعت القوى الجديدة في العالم لتتحدى وتتصدى لمخططات السيطرة والهيمنة ، ففقد بلطجي العالم هيبته وتفرده بإدارة الأمور خاصة في المنطقة الشرق أوسطية ، وهو ما لم تستطع مراكز الدراسات الاستراتيجية الغربية التستر عليه ، وهو ما دفع أدوات الماسونية في الغرب وأمريكا لتغيير استراتيجيتها السياسية المعلنة تجاه مصر ، بمنطق " صادق من لا تقوى على هزيمته " .

ومن المنطق أنه .. ليس كل ما يراه العامة من تصرفات سياسية هو في الحقيقة يهدف لما هو معلن ويقال ، ولكن تبقى التحركات السياسية علامات توضح الملامح العامة لما يدور في كواليس الدول وردود الأفعال المتبادلة بين الماسونية والدول المستهدفة ، فالتقارب المصري الصيني والروسي يقلق الغرب ، والتقارب المصري الفرنسي يصدم الغرب ، والعداء البريطاني المتزايد لمصر يوضح مدى خيبة أمل بريطانيا وفشلها المتزايد في تحقيق أهداف الماسونية على يد المصريين ، والعداء المفتعل بين أمريكا وإسرائيل من جانب وبين إيران لا يمثل أكثر من مسرحية هزلية فاشلة ما عاد يصدقها أحد ، وتهاوي وسقوط تركيا المستمر ما هو حلقة في مسلسل سقوط الأمم المسلمة ، وما أردوغان إلا عميل ماسوني يقود لتركيا لدمارها القريب ، وما المسلسل الكوري الأمريكي إلا فصول مسرحية غير محبوكة ، قد تدفع الماسونية ثمنها غاليا لو نجحت الكوريتان في العودة إلى كيان واحد مرة أخرى ، وتظل الحالة اليابانية هي أخطر ما تخشاه أمريكا لو انتفضت وملكت زمام أمورها عسكريا من جديد ، وتظل الصين وروسيا مصدران للتوتر والقلق الغربي والأمريكي ، ولا تملك الماسونية اليوم ما تتمناه من أدوات لتفكيك التحالفات الجديدة أو العبث في بوادر التغيرات الحادة القادمة .

   

ولكن .. تظل الشائعات والأكاذيب عن الدول وشعوبها وقادتها وأحوالها ومستقبل شعوبها ، هي أبرز أسلحة الماسونية لاختراق وتدمير الدول من الداخل ، خاصة وأن العامة من الشعوب تقع دوما فريسة سهلة لترديد وتصديق كل ما يقال وبنتشر بواسطة الجهلاء والمتنطعون والعملاء والخونة والمأجورين ، ويكفي أن نعلم أن منظمات العمل المدني العاملة التي تديرها أجهزة المخابرات الغربية في دولة مثل مصر قد تعدت الخمسين ألف جمعية ومنظمة ، يعمل بها ما لا يقل عن مليون شخص ، ومعظم ولائهم بالجهل لمن يدفع لهم ، ولا يدرون أنهم أدوات في يد أعداء بلادهم تحت مسميات وشعارات إنسانية براقة ، ولا يعلمون أن قواعد البيانات التي يقدمونها لقيادات المنظمات يعاد تحليلها واستخدامها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لعرقلة تقدم بلادهم ، فتفاصيل الحقائق أكبر بكثير من حدود مفاهيم العامة من الشعوب الباحثة عن الحياة ، ووكل ما تسعى إليه هو امتلاك رفاهيات تعلقوا وحلموا بها عبر وسائل الإعلام الماسونية الموجهة والتي صنعت ثقافتهم وحصرت آمالهم وطموحاتهم في تحقيق رغبات وشهوات مدمرة لمجتمعاتهم وهم لا يعلمون .

جمال عمر

 

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *