السياسة بين الواقع والأخلاقيات .. بقلم : جمال عمر


يرجع مصدر لفظ السياسة لفعل "ساس" ومضارعه "يسوس" ويفهم أبسط معانيه وأقربها بمعنى يعامل أو يتعامل بتدبر وتخطيط من منطلق مسئولية من يسوس عمن يساس ، فالأب يسوس أبناءه والأم تسوس أهل بيتها ، والراعي يسوس رعيته ، والحاكم يسوس شعبه ، والدولة تسوس العلاقات بينها وبين الدول الأخرى ، وتسمى أساليب تعامل الدول مع شعوبها أو مع دول أخرى بالسياسة " داخلية أو خارجية على الترتيب " .

ولا نستطيع أن نتغافل عن حقيقة هامة وهي أننا كبشر اعتدنا على تقسيم مجالات الحياة لأقسام بمسميات متباينة فقط لتسهيل الفهم والتعامل مع تباينات حركة الحياة ، مع أن الحقيقة أن طبيعة العلاقات بين الأفراد أو بين الدول رغم تشعبها لا يمكن فصل أي جانب عن الآخر ، فارتقاء التعامل التجاري بين الدول يستتبعه تفاهمات اجتماعية وثقافية ورياضية وعسكرية ، لأنها في النهاية علاقات بين البشر ، وهو ما نراه واضحا في قدرة أي مجال على التأثير في المجالات الأخرى في العلاقات بين الدول والأفراد والمجتمعات ، بل ولكل مجال سياساته التي تحدد أساليب التعامل فيه .

ولذلك تعتبر "السياسة" حاليا هي المسمى الرئيسي المتحكم في شتى مجالات التعامل الإنساني خاصة في العقود الأخيرة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية ، ولا عجب أن سياسة التعامل الدولي قد أصبحت صاحبة اليد الطولى في تحديد مصائر الشعوب والدول ، فالدول القوية ومنذ زمن بعيد تمتلك القدرة على التحكم في مصائر الدول الأضعف ، وعندما تتراجع أخلاقيات البشر لا تتوانى الدول القوية عن ممارسة أطماعها في السيطرة والهيمنة وسرقة ثروات الدول الأضعف ، أو على الأقل توجهها لتأمين مصالحها وأطماعها في المناطق الإقليمية الهامة مثلما استخدمت أمريكا مصر لعقود مضت في تأمين تنفيذ السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط .

 

ورغم كل القوانين الدولية والاتفاقيات والبروتوكولات في عصرنا الحديث إلا أن مصائر الدول في العالم لا يحكمها إلا الضمير الإنساني أو (الأخلاقي) لمن يحكم هذه الدول ، فالضمير الأخلاقي "مثلا" لدول أوروبا عبر القرنين الماضيين سمح لها أن تتخلص من وباء ومساوئ وجود اليهود في أوروبا عبر قرون طويلة على حساب الشعب الفلسطيني والأمة العربية فمنحوا اليهود وطنا قوميا في فلسطين ، وهو نفسه الضمير الأخلاقي الذي سمح لأوروبا أن تقتل 250 مليون مواطن من السكان الأصليين لأمريكا لتستولي على أراضيهم وثرواتهم وتصنع على أرضهم أكبر وأقوى دولة في العالم هي أمريكا التي بنيت على جثث البشر ، ومقدراتهم ، وهذا الضمير الأخلاقي أيضا هو الذي سمح لدول مثل بريطانيا وأمريكا وفرنسا وإيطاليا والبرتغال وأسبانيا وهولندا أن تحتل دولا بعينها لسنوات طويلة وتستولي على ثرواتها ، بل هذا الضمير الأخلاقي سمح لبريطانيا ومن بعدها أمريكا وإسرائيل أن ينفذوا "مخطط الحرب بالوكالة" لتصفية دول وشعوب الشرق الأوسط ، فصنعوا للعرب والمسلمين جماعات متطرفة تمدها بالمال والسلاح والتخطيط وكافة الاحتياجات لتفكك وتخرب الدول العربية في الشرق الأوسط ، وليس المقصود بها داعش فقط ، فداعش هي أحدث إصدارات الماسونية التي تحكم هذه الدول ، ولكنهم صنعوا للعرب والمسلمين منذ أكثر من ثلاثة قرون جماعة "إخوان المسلمين" وجماعة "الوهابية" وأمدتها بالأموال والسلاح من قبل فاقطتعت دولة الكويت من الجزيرة العربية بواسطة "إخوان المسلمين" منذ أربعة قرون ، ثم اقتطعت الحجاز من الدولة المسلمة "العثمانية" بواسطة الوهابيين وما زالت بريطانيا تدير وتحمي كل هذه الجماعات حتى اليوم ، بل وتمارس بريطانيا وأمريكا اليوم إدارة وتمويل كل الفرق المتطرفة والإرهابية في الشرق الأوسط ، رغم أنهما رسميا وإعلاميا تدعيان محاربتهما للإرهاب الذي تحرص على بقاءه لتحقيق أحلام مخططات السيطرة والتصفية للشعوب أو تحقيق الحد الأدنى بالهيمنة والاستيلاء على ثرواتهم ، ناهينا عن تحقيق أهدافها باستنفاذ قدرات وطاقات الروس في أفغانستان ثم الشمال السوري .

فالديموقراطية الأمريكية المنشودة قد حولت أفغانستان من دولة تحاول الاستقلال ومقاومة الأطماع الروسية إلى مزرعة أمريكية للمخدرات ، حتى أصبحت أمريكا أكبر مصدر للمخدرات في العالم من مزرعتها الجديدة للمخدرات المسماة "أفغانستان" تحت شعارات الديموقراطية للأفغان ، وهي نفسها الديموقراطية التي تحت شعارها دمروا العراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال ومالي والسودان ، ولم تجني تلك الشعوب سوى الخراب والتقسيم والتشريد ، واستيلاء أمريكا على منابع ثرواتها ، بل سجل التاريخ سرقة الجيش الأمريكي لاحتياطي الذهب والنقد العراقي ، كما سجل عمليات النهب الممنهج للكنوز العراقية والسورية ، فالضمير البريطاني الأمريكي اليهودي والمسمى بـ "الصهيوني" لا أخلاق له ولا شرف ولا مصداقية ، رغم أنه لا يجوز إعلان هذا علنا من منطلق تباين السياسات المعلنة والحقيقية وإلا يستلزم التطابق بينهما إعلان الحرب والتحدي كما فعل عبد الناصر ، وحاول السادات فكان نهايتهما التصفية والتخريب لكل ما خططوا له .

ولذلك .. فما تنتهجه القيادة المصرية الحالية من سياسة (داخليا وخارجيا) يعد نمطا جديرا بالإعجاب والإشادة ، فواقع السياسة المصرية اليوم لا يستطيع بشرا مهما كان كارها ومعاديا أن يقف ضده أو يناوئه علنا ، ولا يملك كارهي مصر والمتربصين بها إلا محاولة العمل في الخفاء ، وهو ما يضعف قدراتهم كثيرا ويفقدهم التركيز والقدرة على عرقلة مسيرة التقدم المصرية ، حيث تتميز السياسة المصرية بصفات فريدة افتقدها العالم طويلا ، وعلى رأسها "الأخلاق الرفيعة" التي ينتهجها النظام المصري ، فهو لا يهاجم أحدا ولا يعتدي ولا يرد الهجوم أو السباب والتسفيه إلا بالصمت وألفاظ لا تخرج عن سياق الأدب والترفع عن البذاءات ، وهو ما أجبر العالم على احترامه واحترام شعبه وطموحاته ، ثم يلي الأدب في أخلاقيات القيادة المصرية عامل فريد وحيوي ، ألا وهو "الأمانة" والتي تحتوي في تفصيلاتها كثير من الأخلاقيات السامية ، كالمصداقية والنزاهة والمروءة والإخلاص والشجاعة ، فرأس النظام المصري لا يقول إلا ما يفعل ولا يبالغ ولا يكذب ولا يدعي ولا يتردد في مساعدة غيره ولا ينفعل بلا مبرر ، ولا يختلق ولا يزور ، ولا يخون أمانة الله في شعبه أو غير شعبه ، وهو ما يجعل شعبه يتحمل معه كل ما لم يتحمله من قبله .

وأهم وأخطر السمات التي استجدت ولم نعهدها من قبل في رأس النظام المصري الملقب بالسيسي هو الثقة المطلقة في الله ، والتي رأيناها للمرة الأولى في تاريخ مصر الحديث يمارسها هذا الرجل قولا وهو مرشح للرئاسة بترديده الحديث القدسي " وعزتي وجلالي لأرزقن من لا حيلة له ، حتى يتعجب منه أصحاب الحيل" ، ورأيناه ينفذه فعلا بشجاعة تعتمد على ثقة مطلقة في الله ، في اقتحامه مشكلات خطيرة مثل المشكلة الاقتصادية وتعويم الجنيه ، وتنفيذ قناة السويس الجديدة في سنة واحدة ، وبدء آلاف المشروعات الكبرى دون أدنى خوف أو تردد واثقا في دعم الله وتأييده ومدده الذي لا ينقطع عن مؤمن واثق في الله ، رغم خطورة ذلك على شعبيته .

وبعيدا عن الجدال مع الكارهين والمتربصين والجهلاء ، فلا شك أن تلك السمات الثلاثة "الأخلاق الرفيعة – الأمانة – الثقة في الله" هي سمات جديدة لم تعهدها السياسة الدولية من قبل ، ولذلك فضلا عن كونها سببا في إجبار العالم على احترام هذا النظام وشعبه ، إلا أن هذه السمات تؤكد أن لهذا النظام مصداقية لدى الخالق العظيم ، قبل البشر على الأرض ، ولذلك سيبقى دوما نداءنا لعامة الشعب والبسطاء بالصبر والمساندة وتغيير العادات للأفضل والتخلص من المساوئ والفساد ، ليكونوا خير عون لمثل هذا النظام في رسالته العظيمة لخيرهم ومستقبلهم ، ولا شك أن هذا الشعب هو أذكى كثيرا مما يعتقده البعض ، فعقله الجمعي أقدر على التمييز بين الحقيقة والزيف والأمانة والخداع ، ولا ننسى أننا دون شعوب كثيرة ، قد شاء الله أن يرزقنا في هذا التوقيت الحرج بقيادة أمينة تؤمن بالحقوق وتراقب الله ، وتسعى لخير هذا الشعب وخير أجياله القادمة ، وندعوا الله أن نكون قادرين على استيعاب وإدراك حكمة الله في خلقه ، وأن نكون كشعب نستحق ذلك وعند حسن ظن الله بنا .

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *