التربية بين الأصول والمعاصرة (4) .. بقلم : جمال عمر


توقفنا من قبل عند الخطوط العريضة للنفس البشرية وضرورة تهذيبها وترويض جموحها منذ الطفولة وحتى نهاية عمرها وهو ما نختصره بمصطلح "التربية" خاصة في مراحل الطفولة ثم الصبا ثم الشباب حتى النضج الكامل للإنسان في سن الأربعين من أجل تحقيق التوازن والتوافق بين شهوات ورغبات نفسه وقدرات جسده في إطار "العرف" والقوانين المتعارف عليها في المجتمع حوله ، وتعرفنا كيف سقط الإنسان في مستنقعات تربوية خاطئة أفسدت أخلاق أجيال متعاقبة ودمرت قدراتها الفطرية والمكتسبة عندما اتبع أهواءه وخيالاته في تربية أبناءه ، ولا شك أن الإنسان يحتاج دوما لاستمرار التربية حتى نهاية عمره ولا تتوقف التربية عند مراحل بعينها كما يتخيل البعض ، ولكن مع اختلاف الأساليب ، فالطفل يحتاج للتوجيه والحساب والعقاب من والديه ، وكذلك الإنسان الراشد حيث يربيه وينهره أعراف المجتمع والقانون ، وهو ما افتقدنا فهمه ومعانيه فأصبح الكثيرون يظنون أنهم فوق التربية والحدود والأعراف والقانون كنتيجة منطقية لسوء التربية في مراحل العمر المتتالية .

واليوم نتوقف طويلا أمام ظاهرة أخلاقية سلبية تفشت في المجتمع المصري في السنوات الأخيرة ، وهي ظاهرة "التنطع والتبجح" سواء في ارتكاب الخطأ ، أو حتى فعل الصواب ، وهي ظاهرة تفاقم ظهورها كنتيجة مباشرة لفوضى الربيع العبري ، ويعد الإرهاب سواء اللفظي أوالمسلح ، الفردي أوالمجتمعي والدولي هو أقصى وأخطر صور التنطع على الآخرين سواء باسم الدين أو اختلاف القناعات النفسية والأراء ويمارسه أصحابه من أجل فرض الرأي والسيطرة على الآخرين ، وصور التنطع البشري كثيرة ومتنوعة بقدر تنوع حياة البشر ، ولا يقل تنطع أئمة المساجد على المصلين خطورة عن الإرهاب ، فإمام المسجد الذي يتعمد إطالة الصلاة وخطبة الجمعة على المصلين مستعرضا عضلات صوته أو جسده ، ينفر المصلين من دخول المساجد وأخطر على الدين من الملاهي الليلية ، وهو ما يترجمه العامة في الطرقات على بعضهم البعض ، فنرى الكثيرون يتعمدون الوقوف بالطرقات والنواصي ، يعترضون طرق السائرين بأجسادهم في تحدي غريب بل وبنظرات بجحة وقحة ، تتطور أحيانا للتحرش ولو بدون أسباب ، وكأنهم يعوضون النقص وفقد الاحترام للنفس بالتنطع على غيرهم ، وكذلك توقف سائقي المركبات (كارو – توكتوك – سيارة) في أي مكان دون مراعاة أو إحساس بإعاقته لحركة المرور والسير ، هو تحدي أحمق لكل معان الأخلاق ، وهو نتيجة منطقية لسوء التربية ، فهذا الشخص رجلا أو إمرأة ، قد ساءت تربيته صغيرا حيث لم يجد من يقوم سلوكياته ويمنعه من إلقاء قذاراته أو حتى قضاء حاجته في أي مكان وزمان ، فاعتاد على هذا وشب عليه ولكنه يعلم تماما أنه يجرم في حق غيره ويعلم أن الله سوف يقتص منه في الدنيا قبل الآخرة مهما قال من أعذار .. "بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره" .

ومثال آخر أكثر خطورة تفشى في المجتمع منذ سنوات ، ألا وهو إصرار بعض النساء والبنات على ارتداء بنطلونات وملابس ضيقة تبرز مفاتن الجسد بدقة متناهية وربما تضع على رأسها حجابا باسم الدين ، تحت شعار الموضة والحرية الشخصية ، ولكن لا شك أن كل واحدة منهن تدرك جيدا أن بعرضها لمفاتن جسدها هي تستفز وتجذب لها العيون ، كنوع من التحدي وإعلان امتلاكها لمفاتن تحرك النفوس وتجذب الانتباه ، وربما لا تعلم أنها أولا من وجهة نظر "العلم" هي مريضة نفسيا تعاني من إنحراف نفسي يسمى بالعهر النفسي "رغبة مكبوتة للفجور" تظهر أعراضها في انعدام الحياء وبجاحة عرضها لمفاتنها دون إحساس بالذنب ، أما من وجهة نظر الأديان السماوية فهي ملعونة من الخالق العظيم ، بل ووعدها الله ورسوله بالهم وضيق العيش في الدنيا ، ثم حرمان أبدي من دخول الجنة أو حتى رؤية ريحها ، ولا أعذار في هذا عند الله تعالى الذي يقول "بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره" .

ومثال آخر للتنطع الخطير باسم الدين ، هو الإصرار على ارتداء النقاب ، والذي نعرف جميعا بل ويعترف قيادات السلفية الوهابية "الماسونية" بأنه ليس فرضا دينيا ، ولكنهم يتنطعون على الله سبحانه قبل البشر ، فيقول قياداتهم "أهل الحل والعقد" على لسان مفتيهم { نعلم أن الله لم يفرض النقاب وأنه سبحانه قد فرض تغطية الأرجل بآية قرآنية "وليدنين عليهن من جلابيبهن" ، ولكن .. نحن نرى أن تغطية الوجه أولى من الأرجل في هذا الزمان } ، وهو اعتراف أحمق بقمة التنطع حتى على خالقهم ، وكأنهم يعلنون أنهم أحرص على دين الله ، وأعلم بدين الله من الله سبحانه وتعالى ، وهو قمة التشويه لفهم معان الدين الذي حصروه في أقوال ومظاهر وحركات المناسك ، ولذلك كثير منهم يفعل ما يشاء تبعا لرغباته وأهواءه ، ويجيد تبرير أفعاله بفتاوي الضلال المزورة مثلهم مثل كثير من أتباع الجماعات والفرق الأخرى مثل كاثوليك اليهودية والمسيحية والشيعة والسلفيين والإخوان والجهاديين والصوفية وغيرهم الكثير ، ويظنون أنهم بتشديد أداء بعض الشعائر (اقوال وحركات المناسك) سوف يغفر لهم الله كل جرائمهم في حق أنفسهم وفي حقوق البشر من حولهم ، لأنهم جهلوا حقيقة أن الدين هو أساليب الحياة الصحيحة التي شاء الله تعالى أن يتعلمها الإنسان ويلتزم بها ليحافظ على استقامة حياته كإنسان "مكلف بإعمار الأرض بالعلم والعمل" ، وما المناسك والشعائر إلا فروض للحفاظ على استقامته ، لأنها تذكره بوجود الله واطلاعه على أقواله وأفعاله وحتمية محاسبته عليها في الدنيا والآخرة وبالتالي تذكره بضرورة استقامته في تعاملاته مع نفسه ومع غيره في حياته ، فإذا لم يستقم فلا فائدة من مناسكه ولا قيمة لدينه ولا صلاح لحياته ، لأنه أفسد المهمة التي خلقه الله من أجلها وهي إعمار الأرض .

ومما يثير العجب أن كثير من البشر يتعاملون مع أصول التربية في دينهم على أنها موضات قديمة لا تصلح لزمنهم ، وكأنهم قد تغيروا وأصبحوا خلقا آخر غير البشر الذين خلقهم سبحانه وتعالى ، أو ربما يظنون أنهم لن يموتوا ولن يحاسبوا ، خاصة المسلمين الذين أنزل الله لهم قرآنا يحتوي على أدق تفاصيل سلوكيات التربية والأخلاق ، فمثلا .. نهى الله البشر في القرآن الكريم عن التنطع بقوله تعالى .. {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }لقمان18 ، وهي نصيحة لقمان لابنه ساقها سبحانه كمثال ، ليعلم البشر أصول التربية التي يرضاها ويوضح لهم أنها قد فعلها "رجل حكيم" نال رضا الله بحكمته ، فالله ينهى عن تصعير الخد للناس ، ومعناه النهي عن بجاحة النظر للناس واعتراض طريقهم ، وهو "عين التنطع" الذي نعاني منه اليوم في مجتمعاتنا ، ثم نهى سبحانه أن يكون الإنسان فرحا فخورا مختالا بنفسه ، فالله لا يحب هذا الصنف من الناس ، ثم يستكمل الله وصاياه للإنسان بالآية التي تليها بقوله تعالى .. {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير} ، وفيها يأمر الله الإنسان أن يتوسط في سيره فلا يبطئ الخطوات ولا يسرعها ، ولا يضرب الأرض بقدمه فخرا وغرورا ولا يمشي منكبا حزينا بل يتوسط (يقصد في مشيه) ، ثم يخفض صوته لأن الصوت العالي هو أقرب لصوت الحمار ، وهو صوت منكر لا يصح صدوره من الإنسان الذي كرمه الله واستخلفه على الأرض ليعمرها لله سبحانه .

ويبدو أن الإنسان وهو يربي أبناءه يتغافل عن حقيقة أن كل مساوئ تربيته سوف يدفع هو أولا ثمنها غاليا ، سواء بمعاناته من أخلاقيات أولاد معه عندما يكبروا ، ثم بتحمله كل سيئات أخطائهم معهم أمام الله ، ولماذ لا يتحمل السيئات إذا كان حسن التربية للأبناء ينال عنها الوالدين كرامات وسعادة في الدنيا ، ثم حسنات ودرجات عليا عند الله ، خاصة الأم لأنها المسئولة والمنوطة بالتربية قبل الأب ، ويكفي أن الله جعل الجنة تحت أقدام الأمهات ، فمهما كان الرجل صالحا ومستقيما فلا يستطيع إحسان تربية أبنائه دون أم صالحة ، بل لو لم تكن الأم صالحة فلا أمل في حسن تربية الأبناء ، ولذلك أمر رسول الله الرجال بقوله "تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس" ، لأن سوء اختيار الزوجة التي تحمل النظفة وتلدها طفلا وترضعه وتربيه سوف ينتقل للأبناء منها دون أن تدري أو حتى ندرك هذا في زخم حركة الحياة .

ومن المنطقي أن سوء التربية عبر الأجيال نتج عنه ارتفاع معدلات الفشل والطلاق وسوء التربية ، لأن كثير من الأمهات أصبحن يعتقدن بالجهل .. أن حسن التربية في توفير كل ما يحلم به الطفل ، ثم تعليمه في مدرسة عالية المستوى ، وتوفير الرفاهية التي يحلم بها دوما ، فكانت النتيجة أن لدينا أجيالا لا تتحمل المسئولية ملولة ضعيفة التحمل سيئة الأخلاق ، جاهلة تتلقى العلم كوسيلة لنيل شهادات للتفاخر بها والحصول على وظيفة أو عروسا للتباهي بها ، وكلها أهداف زائفة مضللة عاقبتها الخسارة والندم ، فالخالق العظيم علمنا أن الأرزاق مكفولة ومحددة ولا حيلة لبشر فيها وبالتالي فتربية الأبناء أمانة ، والإحسان في الأمانة أن نعلمهم تحمل المسئولية ، ومكارم الأخلاق ، والإخلاص في تلقي العلم وفهمه والعمل به لإعمار الدنيا ، حتى يرضى الله عن الإنسان فيحييه حياة طيبة ويمتعه في الدنيا متاعا حسنا أضعاف مما يحلم به ، وهو ما كانت أمهاتنا تعلمه لنا بأمثالها الموروثة التي فقدناها ، مثل .. "الأيد البطالة نجسة" ، "واجري يا ابن آدم جري الوحوش غير رزقك لم تحوش" ، "ولسان حصانك إن صنته صانك وهنته هانك" ، "وارضي الرب يراضيك ويحبك ويرضي عنك العبد" ، " ودينك فعلك مش حركاتك وطول لسانك" ، "والخوان خسران ولو كان هامان" ، تلك هي سمات التربية التي تخلينا عنها فخسرنا الكثير وأصبحنا عاهات بشرية تملأ المجتمع وتحركها مؤامرات الإعلام والإعلانات ، وتظهر فداحة مساوئها على صفحات التواصل الاجتماعي بهرتلات سوء التربية وشجارات وبذاءات حتى من البنات والسيدات ، ثم نشكو جميعا من سوء الأخلاق وكأننا جميعا من كوكب الأطهار .

فهلا توقفنا قليلا مع أنفسنا لنراجع قيمنا وأساليب حياتنا وتعاملاتنا خاصة لتأثيرها الخطير على تربيتنا لأبنائنا الذين يتعلمون منا بالرؤية والمراقبة والتقليد أضعاف ما يتعلمونه بالمحاضرات والكلام الأجوف الذي نفعل خلافه أمامهم ، والأخطر أن الله محاسبنا عليها في الدنيا والآخرة ، فهل نستطيع أن نغير ما بنفوسنا حتى يغير الله أحوالنا لما نحبه ونتمناه ، { … إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ .. }الرعد11

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *