استعرضنا من قبل أخطر أخطاء التربية النفسية والمجتمعية خاصة ما تندرج تحت مسمى الضلالات الكبرى ، والتي هي قناعات نفسية ترسخت في نفوس الأجيال فأحدثت انحرافا جارفا لأخلاقيات المجتمع ، وساهمت بقوة في تردي الأحوال المجتمعية للشعوب العربية بصفة عامة والشعب المصري على وجه الخصوص ، والتي كان من أخطرها الوقوع في خديعة حرية وتمكين المرأة ، ومؤامرات تحديد النسل ، والتي ظاهرها الخير وحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية ، ولكن باطنها فساد تربية الأجيال ونشر الأمراض الاجتماعية ، ثم كارثة إفساد تربية الأبناء بتوفير كل ما يطلبونه ويشتهونه والتي أخرجت لنا أجيال لم تتعلم كيف تتحمل المسئولية ، وتعرضنا لجرائم وسائل تشكيل الفكر والثقافة بداية من جهل وسوء تربية الوالدين ، للإعلام المتآمر ، لدور التعليم والفكر المضللة والتي تزداد فسادا بفساد الأجيال المتعاقبة ، ليس فقط في مصر ولكن على مستوى البشرية جمعاء .
ولا شك أن الصورة ليست قاتمة تدعو للتشاؤم وتوقع الأسوأ خاصة في مصر التي تمتلك ميراثا أدبيا تاريخيا زاخرا بقيم وأخلاقيات لا تندثر مطلقا مهما علاها غبار الفساد والتخريب الأخلاقي ، فما زال موروثا في نفوس المصريين قيما لا تعرفها الشعوب التي ولدت حديثا مثل بعض الشعوب التي لا يتعدى ميراث حضاراتها قرونا قليلة كالشعب الأمريكي ، فالميراث الاجتماعي المتوارث يحفر في نفوس البشر منذ طفولتهم ، ويظل تأثيره واضحا على حركة حياتهم عبر الأجيال ، والتي من أبرزها في الشعب المصري الشعور الدائم بأننا قادرون على إحداث الفارق والارتقاء للأفضل ، برغم تباين ترجمة هذا الإحساس بين الأفراد وتناقضاته ، والتي تجعل هناك فوارق كبيرة بين المتفائلين والمستبشرين بالخير في المستقبل وبين المنزلقين في التشاؤم ويعانون من حالة الإنكار والرفض والتشكيك في كل محاولة مجتمعية لتصحيح الأخطاء أو الارتقاء ، وهو ما نراه مترجما لجدالات ومشاجرات على صفحات شبكات التواصل ووسائل الإعلام ، تصل أحيانا لحدود التراشق بالألفاظ والاتهامات والسباب .
ولا بد أن نتوقف كثيرا عند أخطر جرائم تربية الأبناء ، والذي يرتكبه الوالدين بالجهل وتهمل دور التعليم علاماته ويساعد الإعلام على تفاقمه في نفوس أبنائنا وبناتنا ، وهو " تدني مستويات القيم الأخلاقية " ، فالوالدين يشجعون أبناءهم على السباب صغارا ، سواء كان هذا نتيجة منطقية لتدني أخلاقيات أساليب التعامل بين الوالدين أمام الأبناء ، أو تساهلا من الوالدين على سبيل الفكاهة فرحا بالصغار وهم يسابقون عمرهم باللسان وبذاءاته ، ولا يقتصر الأمر عند تدني مستويات الأقوال والألفاظ ، ولكنه ينصرف على تعاملات الأبناء ، فبذاءة لسان الصغار تعني حتمية وصولهم إلى سوء الظنون والنواياه والرغبات ثم الأفعال .
ويعد سوء الظن بالغير والمجتمع من أهم وأخطر أسباب سوء الأقوال والأفعال ، والتي يحفرها الوالدين في نفوس الصغار بتعاملاتهم اليومية دون أن يدركوا أنهم يدمرون نفوس أبناءهم ، ويضعون أساسا قويا لسوء أخلاقهم مستقبلا ، فالأبناء كما نعلم جميعا لا يتعلمون من المحاضرات والتعليمات مثلما يتعلمون مما يعتادونه من سلوكيات من يربونهم ، فالطفل الذي اعتاد أن يرى سوء ظن والديه بالغير ، لن يتعلم حسن الظن بغيره مطلقا ، فقد حفر في نفسه أن " سوء الظن من حسن الفطن " كما يردد دوما بعض محترفي السوء ، فما أسهل سوء الظن على النفوس خاصة لو علمنا أننا جميعا ضحايا الوسوسة ، ومن المؤكد أن سوء الظن لابد أن يؤدي لسوء الأقوال والأفاظ ، وبالتالي فمن تربي معتادا على سوء الظن والسباب متفشيا بين الوالدين لن يجد مانعا من تبني أسلوب البذاءة النفسية واللفظية في تعاملاته ، والطفلة التي ترى أمها لا تستحي أن تعرض مفاتن جسدها لن تجد عيبا ولا مانعا في تطوير هذا السلوك للتباهي بفواحش الأقوال والأفعال ، ولعل صفحات التواصل أبلغ دليل على انتحار الحياء لدى بعض الشباب والشابات ، فلا تستحي بعض النساء والبنات من نشر صورا فاضحة لمفاتن جسدها لتستمتع بالإعجاب والتشجيع من غير الأسوياء ، ولا عيب لدى بعضهن أيضا في التباهي بترديد فواحش الألفاظ والسباب أحيانا ، ويتجاهلون ويتغافلون عن حقيقة أن الحياء هو تاج الشرف والكرامة للأنثى ، والحياء هو لب الأخلاق وزينتها ، ولعلهن لم يقرأن كتاب " مايكل هارت " الخطير " الخالدون مائة " ، والذي اختار رسول الله " محمد " ليكون أعظم الخالدين في تاريخ البشرية ، وكان من أهم أسباب اختياره هو أخلاقياته الفريدة ، وكان من أبرز أخلاقياته هو " خلق الحياء " .
ولعلنا جميعا ندرك جيدا أن أقوال الإنسان هي المرآة الحقيقية لحقيقة نفسه ، ولذلك لن يكون المنحرفين أخلاقيا هم أهل الخير ودعاة الاستقامة لغيرهم مطلقا ، فالمنحرف أخلاقيا يريد أن يثبت أن كل البشر غيره منحرفون أكثر منه ، وبالتالي هو لن يصدق أن هناك بشرا ليسوا منحرفين مثله بل وربما أكثر منه ، ولذلك نجد بعض الإعلاميين وبعض من يسمون أنفسهم قادة الفكر والثقافة يركزون دوما على إظهار تفشي السلبيات والانحرافات في المجتمع متهمين غيرهم دوما بالفشل والانحراف ، ناهينا عمن يرى أن الانحراف هو حرية شخصية وأسلوب حياة لابد من احترامه وتعميمه على غيرهم ، مثلما رأينا بعض وسائل الإعلام تهتم بإبراز دعاوى البعض بإطلاق حرية العري والانحراف وممارسة الجنس حتى وصلنا لمن يدعو لتسمية الأبناء باسم الأم ، ومن يدعو المصريين لتقبل فكرة الإلحاد والكفر وتسفيه الأديان السماوية والعلاقات الإنسانية ، واحتقار فكرة الوطن والولاء واحترام الوالدين والعائلة والمجتمع كنوع من التقدم والتطور وممارسات الحرية الشخصية .
وعجبا لابن آدم يريد دوما أن يتجاوز حدوده ، بل إنه لا يقف عند حد معين ، فكلما تجاوز حدا وكسره نجده يتطلع لكسر حدود جديدة ، وصدق الله تعالى في قوله .. {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ }القيامة5 ، وينسى البشر دوما أنهم في الدنيا محدودون فطريا ، فالجسد له حدوده والتي لو تجاوزها لفسدت صحته ، وكذلك النفوس لو تجاوزت حدودها لفسدت ولأفسدت حركة حياتها وحياة الآخرين حولها ، ومن المؤكد أن سيئ الأخلاق أحمقا فاقدا للفهم ومحدود الذكاء ، فهو لم يدرك أن المستفيد الأول والأخير من الالتزام بحدود الأخلاق هو الشخص نفسه أضعاف غيره من البشر ، وناهينا عن إيماننا الثابت بأن كل ما نفعله مردود إلينا كديون مستحقة لابد من تسديدها ، فالإنسان بفطرته مهما كان سيئ الأخلاق لايجرؤ على الإساءة لشخص رفيع الأخلاق ، وكذلك اللص دوما يبحث عمن يأتمنه ، والإنسان المعروف بأخلاقه الراقية يحرص الغالبية على الالتزام بالأخلاق في وجوده .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
