توقفنا من قبل عند خطوط عريضة للتربية من واقع العلم وتجارب من سبقونا من الدول المتقدمة ، واستعرضنا كيف يولد الطفل مكتمل النفس ولكنه يحتاج للتربية ليتدرب على تحقيق التوازن والتوافق بين شهوات ورغبات نفسه وقدرات جسده في إطار المتعارف عليه في المجتمع حوله ، حتى يصل لقمة التوافق والتوازن الإنساني في سن الأربعين وهو سن الرشد الحقيقي للإنسان ، واستعرضنا النتائج العلمية للدراسات الاستراتيجية لأسباب تدهور الأجيال والتي حددت خروج الأم للعمل (كسبب رئيسي) لتدمير تربية الأجيال كما قالت بذلك أمريكا وألمانيا وبعض الدول الأوربية ، وتوقفنا عند نتائج الأخطاء التربوية الخطيرة التي أفسدت أجيال متعاقبة على رأسها ( فوبيا ) الحرص على توفير كل متطلبات الأبناء والرغبة في تجنيبهم المعاناة أو التعب للحصول على طلباتهم وما يحلمون به ، وهو ما نتج عنه أجيال فاشلة تعودت عدم تحمل المسئولية معتمدة على غيرها ، وتذكرنا سويا أن التربية ليست بكثرة الكلام والتعليمات والمحاضرات والصراخ ولكن أساسها سلوكيات الوالدين التي يراها ويحفظها الأبناء ويعتبرونها قدوة وقيما مقدسة حتى ولو كانت منحرفة وسيئة .
ومن العجيب أننا نرى وندرك كثيرا من سلبيات التعامل في حياتنا ، ولكننا لا نغيرها ولا نراعي أن هناك أطفالا سوف تتخذ من سلوكياتنا مبادئ أساسية لحركة حياتهم ، فالطفل الذي رأي والديه يكذبون أو يخادعون أو يسرقون أو يخون بعضهم بعضا أو يتباهون بنجاحهم في الهروب من أعمالهم أو يختلسون ، لا يمكن أن تلومه على اعتياده الكذب والخداع والسرقة واستمتاعه بالخيانة والتباهي بالهروب من الدراسة ثم العمل والاختلاس ، والطفل الذي يرى والديه يلقون بالقمامة في الطرقات ويتعمدون مخالفة قواعد المرور وعدم الاهتمام بالمرافق العامة وتدميرها ، لن يكون لديه أدنى إحساس بالخطأ عندما يمارس ما تعود رؤيته وممارسته في حياته ، والسيدة أو الرجل الذي يقف بسيارته في منتصف الطريق غير مهتما ولا شاعرا بأنه يرتكب ( أدنى خطأً ) بإعاقته وتعطيله حركة المرور ، هو نفسه ذلك الطفل عديم التربية ، والذي كان يفعل ما يحلو له دون أن يجد من يؤدبه ويعلمه الفارق بين الخطأ والصواب ، ولا شك أن بعضهم قد اعتاد منذ صغره أن يقضي حاجته في الطريق العام أو أمام الناس دون حياء ، فكيف يشعر اليوم بأنه يخطئ في حق غيره أو المجتمع ، فهو فاقد للخطوط العريضة للتربية منذ نعومة أظافره .
ومن الغريب .. أن الوالدين ومنذ مولد أطفالهم وهم يستعدون لزواجهم سواء بتوفير المسكن للولد أو بتدبير مستلزمات الزواج للبنات ، ولكن مطلقا لا ينتبهون أن الزواج يستلزم إعدادهم منذ الصغر لتحمل المسئولية ، وأنهم في حاجة لمزيد من التربية النفسية والمادية لإنجاح زواجهم ، فمن المعتاد مثلا أن معظم البنات اليوم تتباهى بأنها لم تدخل المطبخ ولا تجيد أعمال المنزل ، وبالتالي فالولد مثالا للفوضى والإهمال وعدم تحمل المسئولية ، والأم المطحونة تشكو من سوء وقذارة غرفهم ، ولا تدري أنها بشكواها تسجل أكبر شهادة على فشلها في التربية ، فالأولاد ليسوا بمهملين ولا فاشلين بل هي الأم الفاشلة بامتياز في تربية أبناءها ، وسوف تتحمل أمام الله كل مساوئ وسيئات عدم تربيتها لأولادها طوال حياتهم ، ورحم الله أمهاتنا وأمهات أجيال مضت ، والتي كانت تحمل كل فرد من أبناءها مسئوليات محددة من أعمال وواجبات المنزل خاصة خلال العام الدراسي ، وتقول " الإيد البطالة نجسة " ، و " الإيد الخايبة علامها بخسارة " ، وصدقت فيما تعلمناه منهن ، فقد كان أكثرنا تفوقا هو أكثرنا مهارة ومشاركة في اعمال المنزل ، لأنه كان يعرف قيمة وقته الضيق ويحرص على دراسته واتقانها ليرتاح من واجبات المنزل ، وهي حقيقة نفسية مؤكدة ، فالنفس البشرية لا تستقيم إلا بالتكليف والمتابعة والضغط المتواصل ، وتفسد لو دللناها ورفقنا بها ووفرنا لها ما تهواه وخشينا عليها من التعب في معترك الحياة .
ولا شك أن اعتياد الأبناء ممارسة أعمال المنزل اليومية ضروريا وأساسيا حتى ولو كان بعضها شاقا ، لأنها تساهم في سرعة ارتقاء التوافق العضلي العصبي للطفل ونمو عضلات جسده بطريقة صحيحة وسريعة ومتكاملة ، ولعلنا نعلم أن حركة حياة كثير من الفقيرات والفلاحات في البيئات الريفية تجعلهن قادرات على الولادة بسهولة ويسر وسلاسة ، بخلاف بنات المدن التي يقضي بعضهن أشهر الحمل بين السرير والطبيب في رحلة عذاب وشقاء تدفع فيها ثمن التدليل وقلة الحركة وسوء التربية النفسية والجسدية من والديها المجرمين في حقها بالتدليل وعدم تحميلها المسئولية بعواطف غبية تدمر مستقبل الأبناء بدوافع عاطفية حمقاء لا عقل فيها ولا ضمير .
وهنا يجب أن نتوقف وننبه الوالدين أن الأبناء هم نفوسا بشرية جاءت استكمالا لمهمة الاستخلاف على الأرض ، وبالتالي فلابد وأن نعلمهم تحمل المسئوليات تدريجيا ، بداية من شهورهم الأولى ، وتركهم ليتعلموا إطعام أنفسهم بمجرد قدرتهم على الجلوس ، ثم تحميلهم مسئولية النظافة لمكانه وبيته بمجرد قدرته على المشي ، ثم تحميلهم مسئولية التنظيم والترتيب والنظافة العامة للبيت بداية من أماكن نومهم وطعامهم ومذاكرتهم ولعبهم ، ولا تفريط مطلقا في هذا ، مع الحرص على إرساء مبدأ "المقابل " فلا مكسب دون عمل وجهد وكذلك الثواب العقاب ، حتى إذا ظهرت بوادر المراهقة ، فلابد للولد أن يعمل طوال الإجازة الصيفية خارج البيت ويفضل أن يكون عملا يدويا أو حرفيا أو مهنيا ، ليوفر قدرا من المال يساهم به في شراء مستلزماته " خاصة لو كان والديه أثرياء " فليس الهدف هو المال ولكنه الحرص على الفهم المبكر لحركة الحياة وقيمة العمل والمال ، ولا يكون الترفيه السنوي (الفسحة والمصيف) إلا في نطاقه المقبول ومع الأسرة ولا يزيد عن حده ومدته بالأيام لا بالأسابيع ، وفي إطار الالتزام بالواجبات اليومية تجاه الأسرة .
ولابد أن ينتبه الوالدين لحقيقة هامة .. أن السهر اليومي .. سوف يدفع صاحبه الثمن غاليا بسرطان سوف يهاجم خلايا جسده على المدى البعيد ، لأن مضادات الأكسدة التي تمنع تكون السرطانات في الجسم ، تفرزها الغدة الصنوبرية بداية من الثامنة مساء وحتى التانية فجرا ، ولا تفرزها إلا في الظلام ، فاعتياد طفلك السهر بعد الثامنة مساء ، يساهم في سرعة تكون الخلايا السرطانية في جسده على المدى البعيد ، وذلك تطبيقا آخر من آلاف التطبيقات لإعجاز ناموس الخالق العظيم في خلقه للجسد البشري ، ولا تغيير ولا حيلة لنا فيه ، فجسدك سوف يعاقبك " فيزوكيميائيا " فطريا تلقائيا لو خالفت " كتالوج " التداول والصيانة البشري ، فلو كنت تحب أبناءك وحريص على مستقبلهم ، فلابد وأن تعودهم على النوم مبكرا والاستيقاظ مبكرا حتى ولو في الأجازة المدرسية ، ولابد أن تحرص على تكليفهم بأعمال مفيدة طوال العام بجوار الدراسة ، والتركيز على نزولهم لسوق العمل خاصة اليدوي منه واتقانه في الأجازة المدرسية ، ولنعلم أن هذا من قيم الدين ، وكذلك يربي الأوربيون والصينيون واليابانيون أبناءهم ، فإن رأيت في الدين تخلفا أو لا تعرف أن الدين أمرنا أن نشرك أبناءنا في السعي ليتحملوا المسئولية ، فلابد وأنك تعلم أن الدول المتقدمة تعلم أبناءها تحمل المسئولية وممارسة الحرف والمهن بجانب الدراسة منذ نعومة أظافرهم ، وإن لم يعجبك هذا أو ذلك واستسلمت لأنماط الحياة الفاشلة التي تمارسها بأهوائك ، فهذا هو فشلك العظيم في الدنيا ، وذنبك الأعظم في حق هبات الله لك (أبناءك) والتي سوف يحاسبك الله عليها حسابا عسيرا.
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
