بداية كل ما يقوله البشر { وحسبي أنني منهم } قابل للنقد والرد والتصحيح ، فكلها أراء شخصية مبنية على قناعات نفسية خاصة بصاحبها فإن توافقت مع الأغلبية فهي في إطار المعروف (المتعارف عليه) في المجتمع ، وأحيانا حتى لو توافقت مع الحقائق المطلقة فقد لا تعجب الأغلبية لو اعتادت الخطأ ، وكل رأي بل وكل حقيقة في الكون لها من يخالفها ولا تتوافق مع أهوائه وطبيعة نفسه ، وهو ما جعل حتى الرسالات السماوية لها أعداء ورافضين ومخالفين ، فالاختلاف هو سمة البشر الفطرية كما أنه أحد نواميس الخالق في خلقه من أجل إثراء حركة الحياة على الأرض واستمرار تطورها .
ولا شك أن التربية هي الطريق لمكارم الأخلاق ، ولذلك فهي عماد الاستخلاف على الأرض ، فالتربية هي علم الأساس لنشأة الإنسان ، حيث أنها تمثل الأساسيات النفسية التي يتم غرسها في نفوس الصغار منذ يومهم الأول ، لتكون لهم ركائز وتصنع لهم الدوافع التلقائية لسلوكياتهم في حركة الحياة ، وتختلف ردود أفعال ومدى تجاوب الصغار مع أساليب التربية المختلفة من فرد لآخر حتى داخل الأسرة الواحدة تبعا لاختلافات الخطوط العريضة لمواصفات النفوس ، والتي نسميها الشخصية ، ولذلك يختلف الإخوة في أخلاقياتهم وأساليب تعاملاتهم كثيرا ، فنرى شخصا متزمتا وحريصا لدرجة التطرف وشقيقه أو توأمه معتدلا أو حتى مفرطا لدرجة الانحراف ، رغم أنهما خضعا لنفس مراحل وتفاصيل التربية في بيت واحد .
وعادة يولد الطفل مكتملا في قدراته النفسية على فهم أساسيات التعامل بين البشر ، فهو يدرك الفوارق بين الانفعالات البشرية الأساسية مثل الغضب والمرح والحب والكراهية والأذى والمداعبة والحنان والقسوة والحرمان والعطاء ، ناهينا عن ردود الأفعال الطبيعية مثل الجوع والعطش والاطمئنان والفزع ، ولكن ضعف قدراته الجسدية والتي أهمها قدرات المخ وجهازه العصبي الذي ما زال في أطوار النمو وبالتالي حواسه ، تجعله عاجزا عن التعبير عن كل ما يفهمه ، وبالتالي فهناك ردود أفعال بعيدة المدى تصنع قناعات نفسية خطيرة تنمو داخل الطفل محفورة في صخور نفسه دون أن يدري ، ولكنها تشكل علامات فارقة في شخصيته حتى نهاية عمره ، فمثلا .. ذلك الطفل في عمر الشهور الأولى والذي اعتادت أمه أن تتركه لغيرها ليعتني به سواء للجدة أو الدادة أو الحضانة ، وهي لا تدري أن طفلها تعلم أول الدروس العملية في حياته ، فقد حفرت في نفسه أنه لا حنان ولا تعاطف ولا قيم ولا تجاوب مع من يحتاجه ، فالرغبات والأهواء والمصالح أهم من كل القيم والمشاعر ، فهو عندما كان في أمس الحاجة للنوم في حضن أمه رضيعا وطفلا ، تركته ولم يجدها في أول أيام وشهور وسنوات عمره ، فلا عيب ولا حرج عليه لو وضع أمه في دار المسنين أو طردها عندما تكبر ، فهو فقط .. يرد لها الجميل ويعيد تكرار ما علمته إياه عمليا منذ سنوات بعيدة .
ولا توجد أدنى مبالغة فيما أقول ، فقد أثبتت دراسة استراتيجية (أمريكية – ألمانية) مشتركة على مدى خمسين سنة ، أن أهم وأخطر أسباب إنحراف الأجيال وارتفاع معدلات إفراز المجرمين والمنحرفين ، وتدني معدلات إفراز العلماء بين الأطفال ، كان سببا واحدا ومنفردا وهو خروج المرأة للعمل واستبدالها بالحانة والدادة ، وهو ما دفع أمريكا والمانيا لإصدار قوانين لعودة المرأة لبيتها لتربية الأولاد بمرتبها كاملا حتى 20 سنة ، وقالوا في خلاصة الدراسة { إن وظيفة المرأة الفطرية كأم وزوجة ( تحتوي وترعى وتربي) هي وظيفة متفردة لصاحبتها فقط ، ولا يمكن تعويضها أو استبدالها أو الاستغناء عنها ، بل يجب أن نحرص على قيامها بهذا الدور الخطير على أكمل وجه لأنه أساس تطور البشرية واستقرارها } ، والعجيب أننا كشرقيين ومسلمين رفضنا ما تأمر به الأديان السماوية بقرار المرأة في بيتها ، كما أننا نصم العقول والعيون والآذان عما توصل له الغرب بالعملم والتجربة ، وكأننا مصرون على عشق الفشل والانهيار ، ورغم أن لدينا شباب عاطلا يساوي ثلاثة أضعاف أعداد النساء العاملات ورغم أننا نعلم أن بطالة الرجال تعني كساد سوق الزواج وتزايد الجرائم خاصة الاجتماعية ، ولكننا مندفعين في حملات تحرير المرأة ومساواتها في سوق العمل بالرجل ، متحججين كذبا وزورا بالحالات الخاصة والاستثنائية لضرورة عمل المرأة المعيلة والتي لا تشكل أكثر من 10% من النساء وهو رقم تفاقم بسبب التشويه المتعمد لقيم المجتمع وعاداته وتقاليده عبر عقود طويلة مضت .
وفضلا عن تأثيرات وعواقب خروج المرأة للعمل على المجتمع ، فكفاها أنها اختارت جاهلة أو عالمة أن تمارس تدمير نفوس أطفالها من أجل كماليات الحياة ورفاهيتها ، فعملية خروجها لها سلبيات وتداعيات خطيرة على مسار تربيتها لأبناءها بداية من اعتيادها الانشغال التام عن شئون أبناءها وأحوالهم والتي لا تفهمها ولا تكتشف أخطاءها إلا بالتركيز والتفرغ التام في مراقبتهم ليل نهار ، ووليس باكتفاءها بتوفير الأكل واللبس والنظافة ومستلزمات الحياة والدراسة ، وبالتالي فعملها خارج بيتها سيجعلها رغما عنها جاهلة أو متجاهلة لتطور نفوس وتعاملات أبناءها مع متغيرات الحياة بداية من تغيرات جسدية ونفسية في كل مرحلة من مراحل عمرهم ، ومرورا بمشكلاتهم اليومية والطارئة ومشاعرهم المتقلبة تجاه معطيات الحياة اليومية وأحداثها ، فضلا عن تركها لمهمة صناعة فكر وثقافة أبناءها لأقرانهم أو أصحاب السوء ومروجي الشهوات والفواحش خارج البيت أو عبر الانترنت ووسائل الإعلام الحريصة على المكسب على حساب القيم والأخلاق ، ويكفي الطفل مثلا .. أن يرى إعلانات جيل الشعر ومعجون الأسنان ومزيل رائحة العرق ليستقر في نفسه مشروعية بل وضرورة حرصه على مصاحبة الفتيات لإشباع شهواته ، ناهينا عن أفلام ومسلسلات الفضائح والحب والعشق الملتهب ليصبح فكر الطفل أسيرا لشهواته الجنسية التي يدخل مضمارها مبكرا ، ودون علم أو مراقبة أو توجيه من أم مطحونة لتوفير كماليات الحياة ، أو لتحقيق ذاتها على حساب مستقبل أولادها .
ولا يستطيع بشرا أن يحمل مسئولية التربية للأب سواسية مع الأم ، فالأب لم يخلق للتربية اللصيقة مثل الأم ، فتركيبته النفسية كرجل لا تسمح له بممارستها دوما ، فالأب ليس إلا حدودا ومرجعية أخيرة في القرارات والمشكلات والأزمات ، وتدخله اليومي في التربية يفسدها ، كما أن بعده كثيرا عن بيته وأولاده يسقط الحدود ويفسد التربية ، والطامة الكبرى لو تربى الولد بين النساء واعتاد جلساتهن والتعايش معها ، فتفسد قيمه وأساليب تعاملاته ، ويشب رجلا معتادا على كثير من عادات وأساليب النساء في التعامل ، وهو يسمونه في الصعيد أو الريف المصري { عيل رباية نسوان) ، والتي من أبرز علاماتها افتقاد الشجاعة والقدرة على المواجهة ، واللجوء دوما لمن يحل له مشكلاته ، والهروب من تحمل المسئولية ، واحتراف النميمة والهمز واللمز ، والقيل والقال ونشر الفضئح والنفسنة والشماتة في مصائب الغير ، والمبالغة في الانفعالات .
ولعل من أخطر أخطاء التربية التي ندفع ثمنها اليوم ، هي تلك الدعوى التي تفشت بين الأجيال السابقة برغبة الوالدين في تجنيب الأبناء أية معاناة أو حرمان ، فنشأت أجيال لا تعرف معنى المسئولية أو السعي لتحقيق الأحلام ، ولكن تربت نفوسا متواكلة مغرورة ترى كل رغباتها وشهواتها هي حقوق لها دون بذل أي مجهود أو تحمل للمسئولية ، وهو ما نتج عنه ارتفاع خطير لمعدلات البطالة خاصة لخريجي الجامعات ، وارتفاع غير مسبوق لمعدلات الطلاق والانفصال والجرائم الاجتماعية ، ، وكذلك معدلات الإدمان والانحرافات النفسية ، وأخيرا تفشى بين الشباب الانحدار الملحوظ لمستويات الأخلاق والقيم ، ولعل من أبسط ملامح الفساد المجتمعي هو انتشار عرض البنات والنساء لمفاتن أجسادهن بالبطلونات الضيقة في الطرقات ، وبصور لا توجد مطلقا في شوارع الغرب وأمريكا ، لأننا نقلد موضات الشواذ والفنانين والمنحرفين في الغرب ، فلا يباع ولا نستورد إلا الضيق والقصير والفاضح والمفسد لأخلاقيات المصريين ، ورغم أن الجميع يعرف أنه مخالف للدين والأخلاق ، ولكن الجميع قد أصبح مصابا بالسيولة النفسية والأخلاقية ، وسقطت قيم أخلاقية كثيرة أهمها الحياء والمروءة والنخوة من نفوس البشر .
وعجبا لابن آدم .. خلقه الله محدودا في قدرات عقله ، ومحدودا في قدرات جسده ، بل وجسده نفسه له حدود ، ولكنه دوما باحثا عن تخطي حدود تعاملاته وسلوكياته مع البشر والحياة من حوله ، ويسعده أن يكسر حدوده ويغتصب حقوق غيره ، وصدق الله في قوله تعالى .. {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ }القيامة ، بل والأعجب أن الإنسان يطيع ويلتزم بتعليمات صانع السيارة أو التكييف في التعامل والتداول والصيانة والإصلاح وهو بشر مثله ، ولكنه دوما يحاول الهروب والتملص مع تعليمات وأوامر خالقه وصانعه وهو أعلم بما ينفعه ويضره ، رغم أنه سبحانه قد وضع عقابا علميا عمليا بيولوجيا ونفسيا في جسد ابن آدم لكل مخالفة يفعلها ابن آدم ، ويكفي أن نعلم أن العلماء قد أثبتوا أخيرا وجوب اكتمال شهور العدة للمطلقة قبل أن تعاشر زوجا آخر ، حيث أثبتوا أن بقايا آثار جينات الرجل لا تزول من دم مطلقته إلا بعد أن تحيض ثلاث مرات ، وتزيد المدة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام لو مات الزوج ، ولو مارست المعاشرة قبل مضي هذه الفترة مع رجل آخر ، فإن جسدها يكون خلايا سرطانية تدمر جسدها خاصة في الرحم والجهاز التناسلي ، وهو عقاب بيولوجي وضعه الخالق العظيم في كل البشر ، ولذلك نجد أغنى الأطباء في الغرب هم أطباء الأمراض التناسلية والأورام ، ورغم كل هذا فالبشر دوما يتجاوزون الحدود الربانية ، و يتوارثة الأبناء كدروسا عملية في التربية عبر حياتهم ، فما نفعله اليوم من تجاوزات سوف ندفع جميعا ثمنه غاليا في الغد القريب .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
