البشر والضلالات المقدسة (8) … خدعوك فقالوا .. نسعى على الأرزاق … بقلم : جمال عمر


اعتاد المصريون والعرب على مقولات بعينها تتعلق بالأرزاق حتى أصبحت تشكل أسسا لقيم الحياة في مجتمعاتهم بل صارت أساسا للمفاهيم الإنسانية التي يوقنون بها ولا تقبل الجدال ، حتى أصبح من المعروف أن الإنسان خلقه الله ليسعى على رزقه ، رغم أن الجميع يرددون أن الأرزاق مكفولة ، ومعظمنا يعرف آيات من التوراة والإنجيل وأحاديث لرسول الله تؤكد كفالة الرزق .. مثل .. "لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها" ، "وإن الرزق ليطلب صاحبه كما يطلبه أجله" ، والأغرب أننا جميعا نحفظ قول الله تعالى .. {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }العنكبوت62 ، وعجبا لو توقفنا عند قول الله تعالى "ويقدر له" وهي جملة قاطعة تؤكد أن الله هو الذي يقدر أرزاق عباده كيفما شاء ، بل وتسمع من رجال الدين ومن كثير من الناس أن الله يقدر رزق "الإنسان" من قبل أن يولد ، فكيف يكون الرزق مقدر بيد الله ، ولكننا مصرون "أننا نسعى على الأرزق" ، ونحث أبناءنا للسعي عليها .

وعندما تثار هذه المسألة مع كهنة الأديان من قساوستنا ومشايخنا وعلماءنا الأفاضل ، تفجع بسيول من التفسيرات التي توقع المرء في حيرة أكبر مما تستوعبها العقول والنفوس ، لتكتفي في النهاية بالصمت وتصديق أن الأرزاق لابد وأن تسعى لها لتحصل عليها ، والأمثلة الظاهرة أمامنا في الغرب تثبت هذا ، فهم قد عملوا وأتقنوا فتقدموا ونحن عشقنا الكسل والدروشة فتخلفنا وافتقرنا وما زلنا نعاني منذ قرون طويلة ، والغريب أن بعض العالمين بالحقيقة عندما تناقشه يقول لك ، هناك أشياء لا تقال للعامة ، حتى لا يركنوا للكسل وتفسد حياتهم وحياة الناس من حولهم ، وكأننا أصبحنا وكلاء لله نكفل البشر ونحميهم بالكذب عليهم وتجهيلهم بالحقائق ، وفي النهاية يتوقف معظم المفسرون عند رأي متفق عليه يقولون فيه أن هناك أرزق مكفولة ، وأرزاق لن تأتيك إلا إذا سعيت لها ، مع العلم بأن الله لم يقسم الرزق لأنواع ، ولم يستثني رزقا بعينه من تقديره سبحانه .

والحقيقة الكونية البسيطة الصادقة أن جميع ما يأتينا في حياتنا هي أرزاق مكتوبة ومحددة ولا تغيير فيها بالزيادة أو النقص مهما فعلنا ، وهي مقدرات يرزق الله به خلقه خاصة الإنسان بداية من { تاريخ مولده ومواصفات جسده ونفسه ووالديه وأهله وظروف حياته ودينه ومهاراته وذكاءه وعلمه وزوجته وعدد أبنائه وما سوف يملكه من المال والجاه والسلطة في الدنيا وما سوف يصيبه فيها .. } .. نهاية بيوم وسبب وفاته ، كلها أرزاق مكتوبة وكلها تسيطر على مجريات حياته تماما ، وتفرض عليه حتمية أفعاله وردود أفعاله بعينها ، فلو ولد يهوديا خلاف لو ولد بوذيا بخلاف لو ولد مسلما فلكل منها متطلبات حياة وقيود وظروف مختلفة ، وكذلك لو ولد قبيحا أو غبيا أو عقيما أو فقيرا أو .. الخ ، فكلها أرزاق لا يد للإنسان فيها ولكنها تتحكم في مجريات حياته ، حتى الأموال التي تأتينا محددة ومكتوبة ولا تغيير لها ولا في موعدها وتوقيت وصولها لنا ، سواء عملنا أو لم نعمل ، سعينا أو تكاسلنا ، فالأرزاق مكفولة ومحددة من قبل ولادة صاحبها ، وتلك هي الحقيقة المطلقة في تقسيم الأرزاق ، ولكن .. لماذا يجب علينا السعي ؟؟ وهذا ما يجب أن نتوقف عنده لنفهمه ونعقله كما أوضحه خالق الكون في قرآنه العظيم .

فقد أوضح القرآن هذا تفصيلا .. ولكننا لا نتدبره ولا نعقله ، حيث يقول القرآن أن أي أمر أو حدث في الدنيا لأي إنسان قد تم صدوره ولا رجعة فيه من قبل ولادة الإنسان نفسه بخمسمائة سنة كاملة "وهي رحلة حدوث أي أمر في الدنيا من لحظة صدور الأمر به في اللوح المحفوظ في السماء إلى لحظة حدوثه على الأرض والتي تساوي نصف زمن حدوث أي أمر ، وتكتمل رحلة المر برحلة إبلاغ تمام حدوثه (العروج) من الأرض للسماء مرة أخرى " لتكمل زمن الأمر بألف سنة طبقا لقول الله تعالى .. {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }السجدة5 ، ولا حيلة لبشر لتغيير شيئا من هذا ، فهي تقدير العزيز الحكيم ، ولا راد لقضاء الله فيها ، وبالتالي .. "فلن تموت نفس حتى تستوفي رزقها" ، ولكل رزق مكفول ومكتوب موعده وقدره وتصريفاته وظروفه وتأثيراته ، ومهما سعى ابن آدم أو لم يسعى فلن ينال سوى المكتوب له من رزقه أيا كان نوعه ومهما فعل أو لم يفعل ، ويظل السؤال .. ما الفارق بين السعي وعدم السعي ؟؟ ، ولماذا نسعى ما دام الرزق سوف يأتي دون كد وتعب ؟؟؟ .

نتوقف أولا عند السبب الحقيقي للسعي في الدنيا ، فالإنسان خلقه الله ليكون خليفة لله على أرضه ليعمرها ، فكلفه ربه بالكد والكدح والسعي .. لإعمار الأرض بالعلم والعمل .. وليس لتحصيل الرزق ، الذي جعله الله مكفولا ليطمئن قلب ابن آدم ويتقن إعماره للأرض ، ولا يربط رزقه بعمله فيضل وينحرف من أجل زيادة الرزق تحت أي ظروف أو فتنة ، ولكي يسعى ابن آدم فالله يمنحه القدرة بالعقل والصحة ويسهل له طريق العلم ، فإذا مكر ابن آدم وربط إتقانه لعمله بمقدار ما يطمع من الرزق ، أو تكاسل ولم يسعى ولم يتقن عمله لعلمه أن رزقه مكفول ، فسوف يأتيه رزقه فالله لا يعاقب بمنع الأرزاق ولا تغيير لقدره وكلمته .. {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ }ق29 .

ولكن ابن آدم هذا الكسول المتخاذل سوف يكون حينها .. "لا يستحق" ما منحه الله ليسعى به لإعمار الأرض من صحة وقوة وعقل وفهم وعلم ،  فينزع الله منه الصحة أو العلم أو القدرة على الفهم ، أو كلها معا ؟؟ ، وإذا زاد سخط الله عليه ينزع الله البركة من رزقه ، حتى يصبح رزقه وفيرا وكثيرا ولكنه شرا ووبالا عليه فيشقى به ، ويحرمه من التمتع به وبيديه ، لأنه لم يؤدي المهمة التي خلقه الله من أجلها بإتقان وإحسان ، ويعد الله المتقين لغضبه في إعمارهم للأرض بالبركة صراحة بقوله تعالى .. {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ..َ }الأعراف96 ، فبركات السماء مرهونة بالإيمان والتقوى في إعمار الأرض ، والتقوى هي الخشية من الله في كل عمل تفعله لأن الله يراك ويعاملك كما تتعامل مع واجباتك وعملك المكلف به ، فإذا أهملت عملك فلا تلومن إلا نفسك لو أصبح رزقك مستهلك ومهدر في دواء أو هم أو غم ، وفيما يضرك ولا ينفعك .

ولا شك أن تزوير مهمة العبودية التي خلقنا الله من اجلها والتي أداءها هو العبادة الحقيقية ، وهي إعمار الأرض كخلفاء لله عليها بالعلم والعمل ، والادعاء بأن العبادة هي في "أداء المناسك والفروض" والتي فرضها الله فقط للحفاظ على استقامة الإنسان في أداء المهمة التي خلقه من أجلها ، يعد أخطر وأهم أسرار وأساس تزوير كثير المفاهيم الأساسية ، التي وضعها الله في ناموس خلقه للبشر في الدنيا ، وعلى رأسها تزوير مفهوم الأرزق ، لأن الأرزاق وما يكسبه الإنسان لو ارتبطت بعمل الإنسان ومقدار تعبه وسعيه ، لاختلت موازين الكون "مثلما نعاني اللآن" ، ولهلك الضعيف والمريض والمختل ، ولانعدمت معان العلاقات الإنسانية وتحول البشر لحيوانات يأكل القوي منها الضعيف ، ولانعدم معان التعاطف والتراحم والتواصل بين الغني والفقير ، ولسقطت مفاهيم القضاء والقدر والمكتوب والرضا والقناعة ، ولا عجب في هذا ، فمن البشر من يعمل ساعات اليوم كلها إلا قليلا وأجره لا يكاد يكفي طعامه وشرابه ، وهناك من لا يعمل ولكنه من الأغنياء ، لأن الله يرزق النفوس على قدر ما يصلحها ، حتى قال الله لملائكته المعترضين على ضيق رزق الفقراء والله قادر على منحهم الغنى بقوله تعالى في حديثه القدسي .. " إن من عبادي من إن أغنيته لصلح حاله ، ومنهم من إن أفقرته لصلح حاله ، فخلوا بيني وبين عبادي" ، بل ويضرب الله الأمثال ببعض خلقه الذين يفسدهم الغنى ، وآخرين من يفسدهم الفقر ، ليدرك الإنسان حكمة ناموس الله في خلقه وأرزاقهم .

ولا شك أننا لو ربينا أبناءنا على حقيقة أن الأرزاق مكفولة ، وأن الله لا يربط الأرزاق بالعمل ، ولكنه سبحانه خلقنا ومنحنا القدرات من { القوة والصحة والعقل والأموال } لنعمر بها الأرض وأنه محاسبنا في الدنيا والآخرة على منحنا إياه ، وأنه سبحانه يمنح عباده القدرات على قدر استخدامهم لها ، وأنه ينزع الصحة والقوة والفهم وبركة المال ممن لا يستخدمونها في إعمار الأرض ، لتسابقت الأجيال في العلم والعمل وإعمار الدنيا ، دون ضغائن أو حقد أو تربص أو حسد ، وهكذا ساد المسلمون الأوائل الدنيا بالعلم والعمل والكد والكدح حتى وصل إلينا مقولة أنهم كانوا "علماء عاملين كادحين" ، وهو ما نفتقره اليوم بيننا لتزوير مفاهيم الدين ، حتى أصبح الدين طقوس وأحجبة ومواسم ، وأصبح الملحدون والكفرة والمنحرفون وشواذ البشر قدوة وأعلاما للبشر ، وتاهت البشرية بين مجاهل وإبهارات الفكر والثقافة المدمرة ، وغلب على الدنيا منطق الغاب ، وتحول كثير من البشر لحيوانات شيطانية تغتصب ما يحلو لها ، تحت مسميات الشعارات البراقة الكاذبة ، وهكذا سيطرت الماسونية على العالم بالإعلام والمال والشهوات وضعف النفوس والمبنية جميعها على الجهل وتزوير ناموس الله في خلقه .

أخيرا .. لابد وأن نعود ونذكر أنفسنا .. بأن كل ما نحن فيه ، هو رزق وتقدير من الله ، وأننا لا خيار لنا فيه ولا إرادة ، ولا نملك إلا القدرة على اختيار أن نفعل أو لا نفعل ، أن نعمر الأرض ونستخدم هبات الله لنا في إعمارها ، فنكسب رضا الخالق فيفتح علينا بركاته من السماء ، أو فلنكمل طريق المكر والخداع ، وما نمكر إلا بأنفسنا .. {.. وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }الأنفال30 ، فالله لا يظلم أحدا ولكن الناس أنفسهم يظلمون .. {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }يونس44 ، وناموس الله بين خلقه في كونه لا يتغير ولا يتبدل وما يحيق المكر السيء إلا بفاعليه .. {اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً }فاطر43 .


ولا يظنن من يحترفون السيئات والشهوات في الدنيا أنهم سوف يسبقون الله بمكرهم .. {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ }العنكبوت4 ، ولنا فيمن سكن الأرض وعمروها من قبلنا عبرة وتذكرة .. {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }الروم9 ، ولا ننسى أن الله منفذ وعده في خلقه ولا راد لقضاء الله وقدره .. إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً }الطلاق3 ، وصدق سبحانه وتعالى في قوله .. { .. وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21 …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *