عادة ما يتوقف بعض الناس في حياتهم عند لحظات بعينها تومض في نفسه بفهم بعض الحكمة من الحياة ، خاصة عند التعرض لمواقف حادة "مفرحة أو مؤلمة" ، وربما من مجرد رؤية أو سماع شيء مختلف ، ولكن من المؤكد أن تراكم الخبرات عبر سنوات العمر في الدنيا يعلم الإنسان أشياء لم يكن ليتعلمها مطلقا ، ولذلك لا يمنح الله الرسالات لأنبياءه إلا بعد سن الأربعين وهو سن الرشد الإنساني كما خلقه الله .. {.. حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ }الأحقاف15، ولكن هناك مفاهيم لا يدركها الإنسان إلا لو كان فهمه وتدبره لآيات كتاب الله "الأصدق والأعظم" عميقا وواعيا بناموس الله في خلقه وعوالم كونه الواسع واللامحدود ، ولكن الفهم هنا يتطلب ألا يكون الإنسان ممن يحترفون التسليم بالتابوهات الموروثة أو يعتادون السير في القطيع خلف كهنة الأديان فيصدقون ويؤمنون بما يملى عليهم ، دون إعادة التفكير والتدبر في إطار أوسع فكرا وفهما .
واليوم نتوقف عند ضلالة مقدسة اعتدنا كبشر خاصة المسلمين أن نؤمن بها ولا نصدق غيرها ، وهي ضلالة "مخير أم مسير" ، والتي قال فيها أفضل رجال كهنوت الأديان ، أن الإنسان مخير في أشياء ، ومسير في أشياء أخرى وهي التي يحاسب عليها ، وهنا لابد أن نتوقف ونعلن أن هذا الإعتقاد خاطيء وجانبه الصواب ، بل هو قمة الخطأ والحماقة لأسباب بسيطة ومنطقية ، نصوغها في سؤال واحد "من منا له اختيار في (يوم مولده – اسمه – مواصفات جسده – والديه – أهله – بلده – لغته – مصائب وأحداث حياته – يوم وفاته) ، والإجابة بسيطة وقاطعة "أنه لا أحد" .
وبدلا من الخوض في أراء بشرية محدودة وقاصرة بل وجدلية أحيانا ، نتوقف عند قول الله تعالى في مطلع سورة النحل .. {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }النحل1 ، وهوقرار وبلاغ من الله للبشر ، بأن أمره (قدر الله وقضاءه) في كل ما يحدث على الأرض بلا استثناء قد تم إصداره من قبل ، ولذلك فهو قد { آتى } ، وهو فعل ماض لا لبس فيه ، ولا مجازية فيه كما يدعي بعض المجتهدين الذين افترضوا بهتانا ما لم يقل به الله ، وحاولوا إثبات نظرياتهم ، فقالوا أن فعل "آتى" هو فعل مجازي يدل أن الله بقدرته قد سبق في علمه ما سوف يفعله البشر من قبل أن يحدث ، فـ "آتى" ماض مجازي وليس حقيقي ، ولا شك أنهم قد أخطأوا وحاولوا لي أعناق آيات الله زورا ، لأنهم لم يبحثوا عن الآيات التي تفسر هذه الآية في القرآن الكريم ، ونسوا أن الله يشرح آياته ببعضها .
وعجبا نجد الآية الخامسة من سورة السجدة يقول فيها سبحانه .. {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }السجدة5 ، بمعنى أن الله أصدر بلاغا ربانيا يعلم به عباده ، بأنه يصدر الأمر "القضاء المقدر" في كل حدث على الأرض فيصبح أمرا نافذا ، وأنه سبحانه جعل لكل حدث قدرا "الأمر" ، وهذا الأمر له دورة حدوث ، وتبدأ دورة الحدوث بصدور الأمر حيا (صوتا وصورة ومحسوسا وملموسا) ، والذي يستغرق في رحلة نزوله من السماء حتى يحدث على الأرض زمنا وقدره (500 سنة) من سنوات البشر ، حتى لحظة حدوثه ، فيكون قد مر على صدور الأمر لحظتها (500 سنة) ، ثم يعاد تبليغ "تمام حدوث الأمر" في رحلة تستغرق (500 سنة) أخرى ، لتكتمل رحلة المكتوب قدرا على البشر وهو "الأمر" زمنا وقدره (1000 سنة مما تعدون) .
ولذلك .. انتشر بين البشر عبر سنوات وجودهم على الأرض ، أن بعض الناس قد يرى في منامه حدثا بعينه ، وربما ينساه ، ثم يفاجأ بهذا الحدث بعدها بأيام أو شهور وربما سنوات ، فيراه يحدث أمامه وربما كان الشخص نفسه جزءا من الحدث ولا يستطيع تغيير شيئا مما يحدث ، ويتكرر هذا من كل البشر مهما كان مؤمنا أو كافرا أو ملحدا ، وهي الظاهرة التي يسمونها في الغرب بـ "ديجافو" ، وهذه الظاهرة ليست بالغريبة ولا المعجزة ، بل هي ظاهرة عادية جدا ، وتفسيرها البسيط والمباشر ، أن النفس عندما تغادر الجسد للنوم يتوفاها الله ، وتستطيع أن تذهب لأي مكان وزمان ومسار ، وأنها في ليلة ما ، قد يشاء الله أن النفس تصادف مسارا لنزول حدث قد قدره الله ، فتراه كاملا أو جزء منه ، وربما تنساه ولكنها تتذكره كاملا عندما يحدث أمامها مستقبلا ، وهو ما قال عنه رسول الله هي "الرؤيا الصادقة" وهي جزء من ستة وأربعين من النبوة ، وحكمتها أن الله يريد اللطف بعباده فيسمح لبعض النفوس أن ترى أحداثا قبل وقوعها تمهيدا ورأفة بها ، لتكون مستعدة لقبولها عندما تحدث .
ولذلك أيضا .. كان للكهنة في العهد القديم قبل الإسلام شأنا عظيما ، وكانت الملوك والعامة والقادة لا يفعلون شيئا قبل سؤال الكهنة ، وكان الكهنة رغم ضلالالهم وكذبهم بشأن تعدد الآلهة في بعض الحضارات ، إلا أنهم كانوا حقا يعرفون بعضا مما سوف يحدث مستقبلا ، لأن الكهنة كانوا يتعاونون مع بعض الجن ، الذين كانوا يتصنتون على السماء ، ليسمعوا خبرها (وهي الأحداث المقدرة للبشر قبل حدوثها) ، ثم يبلغونها للكهنة ، وتلك هي حقيقة أسباب سطوة الكهنة قديما ، وهذه الحقيقة سطرها الله في القرآن العظيم على لسان الجن بقولهم .. { .. وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً{الجن6} ، ثم يذكر الله قول الجن في تصنتهم على خبر السماء بقوله تعالى .. {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ، وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ، وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً{الجن 8-10} ، فالجن كانوا قبل تاريخ محدد يسترقون السمع ، تصنتا على خبر السماء (أقدار البشر وما سوف يحدث لهم) ، ولذلك كان الكهنة يتحكمون في البشر بمعرفتهم لما سوف يحدث ، ولكن هذا توقف تماما في ليلة مولد رسول الله الخاتم ، والتي قال عنها يهود الجزيرة العربية ، { ولد الليلة نجم نبي آخر الزمان ، وإنه لنذير شؤم على إسرائيل ، فقد قطع عنا خبر السماء} ، بل إن أحدهم أصابه الذعر في تلك الليلة وطاف بمكة يسأل عن الولد الذي ولد حتى عرف أنه محمد حفيد عبد المطلب ، فأصر أن يراه ويفتش في جسده ، وما أن رأى خاتم النبوة على كتفه حتى وقع مغشيا عليه ، ولما أفاق قال "ويل يهود الليلة ويلين ، الأول رحيل النبوة عن بني إسحاق إلى بني إسماعيل ، والثانية أنه قد قطع الليلة عنا خبر السماء.
وإذا كان كل حدث هو مقدر بتفاصيله كاملا من قبل أن يحدث بخمسمائة سنة ، فلا يحق لبشر أن يقول أنه سوف يفعل كذا ، وهو ما نجده تحذيرا صريحا في القرآن الكريم ، حيث نهى الله البشر أن يقولوا أنهم سوف يفعلون شيئا إلا بعد تقديم مشيئة الله .. {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً ، إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً }الكهف24 ، والسؤال هنا لماذا لا يحق لبشر أن يدعي قدرته على فعل شيء ينتوي فعله ؟؟ ، إذا كان الإنسان مخيرا فيما يفعله ، إلا لو كان كل ما يحدث من أفعال هو حقا مقدر بمشيئة الله ولا قدرة لبشر على تغييره ، وهو ما يثبت حقيقته في كيفية محاسبة الله لعباده بقوله .. {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }المدثر38 ، والنفوس لا تملك إلا النوايا فالله لا يحاسب ابن آدم على الفعل ، ولكنه محاسبه على النية فقط ، وهو أيضا ما وضحه رسوله الكريم بقوله .. { إنما الأعمال بالنيات ، ولكل امريء ما نوى} ، ولم يقل (لكل امريءما عمل) ، لأن الإنسان لا يملك إلا النية ، أما الفعل فهو مقدر بيد الله ، لأنه لو كان كل منا يستطيع تحقيق كل ما ينتويه من رغبات وأهواء لفسدت الدنيا ، وهو ما يقوله سبحانه .. {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ }المؤمنون71 ، وهنا تأكيد آخر يبدأه الله بقوله "بل" فيقول بل إن أحداث حياتهم (ذكرهم) قد آتيناهم به (جاء الله به مقدرا) ولكنهم عن ذكرهم (معرضون) .
ومن رحمة الله بعباده أن الله يجري فعل الخير على يد من اعتاد أن تكون نواياه في معظمها خيرا ، ويجري الشر على من كانت نواياه في معظمها شرا ، ولكن هذا لا يمنع أن ينتوي أي إنسان الخير أو الشر مرة أو مرات عديدة ، فيجريه الله على يديك عكس نيته في نفسه ، فقط .. حتى لا يتخيل بشر أنه صاحب المشيئة وينسى أن إرادة الفعل بيد الله وحده ، ولذلك يحاسب الله عباده بالرحمة ثلاث مرات ، ومرة واحدة بالعدل ، فإذا انتويت خيرا ولم يجريه الله على يدك كتبه الله لك حسنة ، وهذا هو العدل لأنك لا تملك سوى النية ، ولكن لو أجرى الله على يديك فعل نيتك للخير فسوف يكتبها بعشر حسنات وتلك رحمة من الله ، ولو انتويت شرا ولم يجريه الله على يديك فلن يكتبها عليك الله ، وتلك رحمة منه سبحانه لأنك أضمرت النية السيئة ، ولو أجراها الله على يديك فسوف يكتبها بسيئة واحدة ، وتلك رحمة من الله في تقديرها وقيمتها ، لأن مقابلها من فعل الحسنة بعشرة حسنات .
وعجبا للإنسان وهو مجرد صنعة الله التي خلقها لتؤدي مهمة محددة على الأرض ، ولكنه يرى بضلال نفسه أن أكبر قدرة وقدرا من خالقه .. {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }الحج74 ، فإذا كان الإنسان عندما يصنع بيديه جهازا أو معدة أو حتى ذكاءا صناعيا مثل الربوتات الذكية ، فلا تستطيع هذه الربوتات أن تفعل شيئا لم تصنع من أجله ولم يضعها الإنسان فيها ، فكيف بصنعة الله وخلقه "الإنسان" ، هل يستطيع أن يصنع أو يفعل شيئا في ملك الله لم يقرره ولم يكتبه خالقه ومقدر أموره وحياته وأجله ، بل أعجب من هذا عندما يسأل بعض المسلمين أو المسيحيين ، لماذا يساوي الله الكفرة والمشركين والملحدين بالمؤمنين به في تسميتهم عباد الله "عباده" ، ولا عجب فهم قد بنوا عجبهم على فهم خاطيء ومزور لمفهوم العبادة ، فالعبادة هي أداء مهمة العبودية التي خلق الله من أجلها البشر ، وهي إعمار الأرض كخلفاء لله عليها ، وهذا ما يفعله كل إنسان بفطرته ، فيعمر الدنيا لنفسه ويتزوج ويستخلف من بعده أبناء وأحفاد ، وهو التنفيذ الفعلي لمهمة الإعمار للأرض ، وهي العبادة الحقيقية ، ، ولذلك فكل البشر هم عباده ، وما المناسك والشعائر إلا فروضا لضمان استقامة النفوس في أداء المهمة التي خلقهم من أجلها ، ولذلك فإن من يتقن إعمار الأرض يكون سيدا عليها وعلى من فيها ، حتى لو كان كافرا فسيجعله الله سيدا على المؤمنين الكسالى المهملين في إعمار الأرض .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
