البشر .. والضلالات المقدسة (6) .. التناسخ أو العودة .. بين الحقيقة والأوهام .. بقلم جمال عمر


لا شك .. أن الحديث في هذا الموضوع يعد شائكا ومجالات الجدال فيه واسعة وشديدة ، بل ربما يتهم من يخوض فيه بالجنون أو الخرف ، ولكنه من الملاحظ أن كل ما قيل في هذا الموضوع لا يخلو من بعض الحقيقة ، ولكننا جهلنا أو تجاهلناها طويلا أنه لا أساطير بلا حقيقة وارءها ، ولا شك أيضا أن الإنسان ومنذ زمن بعيد وهو تراوده ظنون وخيالات تبث في نفسه ظنونا بأنه قد عاش حياة أخرى من قبل ، وأن وجوده في الحياة ليس للمرة الأولى ، بل ربما جاء للدنيا مرة أو مرات عديدة ، بل وأنه بعد رحيله ، سوف يحيا حياة أخرى مشابهة أو ربما مختلفة ، ولا شك أن هناك قصصا كثيرة استعرضها كتاب مصريين وعرب وأجانب قد سجلت مثل هذه الحالات الغريبة والتي يؤكد أصحابها أنهم عاشوا في زمن سابق بشخصيات وظروف حياة مختلفة عما هم عليه في حياتهم هذه المرة .

ولو حاولنا التوقف عند بعض الملاحظات على أفكار الإنسان وخيالاته ومشاعره الدفينة ، فسنجد أن البعض دوما يظن في نفسه أنه شيئا أكبر من قيمته الحالية ويستحق أكثر من وضعه وظروف حياته ، ولذا يظل دوما رافضا ما هو عليه ، ويحاول أن يثبت أنه أكبر قيمة وقدرا مما هو عليه … فلماذا ؟؟ ، وماذا لو كان هؤلاء قد عاشوا من قبل حياة مختلفة ، كانوا فيها أصحاب سطوة وسلطانا وقيمة أكبر مما جاءوا عليه هذه المرة ، وماذا لو كان أحدنا مثلا كان يعيش في زمن آخر ملكا أو قائدا مسيطرا ومطاعا فمات ، ثم .. عاد اليوم ليكون رجلا عاديا وربما أقل من العادي لا يملك سلطة ولا مالا ولا نفوذا ، فماذا ستكون ردود أفعاله النفسية تجاه حياته هذه المرة ؟؟ ، من المؤكد سوف يكون رافضا لحاله متمردا على وضعه ، وسوف يعاني كثيرا قبل أن يرضى بحاله وتنكسر مقاومته أو ربما يتمرد على كل حياته وأوضاعه الجديدة ، والعكس صحيح ، فماذا لو كان شخصا آخر قد كان ضعيفا فقيرا معدما في حياته ثم توفى ، وعاد كشخص في أسرة ميسورة قوية تدلل صغارها ، فمن المؤكد ستجده منذ يوم مولده سعيدا مقبلا على الحياة أكثر من أقرانه ، وسيستمر هكذا بقية حياته ، ولذلك فإننا نصادف أشخاصا يسيطر عليهم الاكتئاب منذ يوم ولادتهم ، وآخرين لا تنقطع لهم بسمة أو ضحكة مهما واجهوا من مصاعب الحياة ومتاعبها ، وتلك الاختلافات تعد علامات هامة تثبت أن هناك ماض للإنسان قد ترك في نفسه علامات وآثار باقية كمفاهيم فطرية تصبغ شخصيته وردود افعاله وأسلوبه في التعامل مع الحياة .

ولا يخفى علينا أن هذا الفكر موجود بالفعل كثقافة موروثة في كثير من معتقدات كثير من الأمم والأجناس مثل الهنود الحمر وبعض الأفارقة والآسيويين ، فمنهم من يظن أن الإنسان يعود للحياة مرة أخرى ولكن في حياة أخرى بشكل مختلف ، والبعض يعتقد فيما يسمى بـ "التناسخ" ، بحلول نفسه في جسد آخر ، والبعض يعتقد أنه يمكن أن يشارك بشرا آخر في جسده يحيا من خلاله ، ولكن يبدو أن كل هذه التخيلات والظنون ليست إلا أوهاما وإنحرافا عن الحقيقة الكاملة ، والتي شرحها الخالق العظيم في القرآن الكريم ، ولكن المسلمون وعلمائهم "للأسف الشديد" قد أهملوا هذه الآيات تماما واعتبروها متشابهات ، فتجاهلوها رغم أن نوعية هذه الآيات التي تتحدث عن "علوم الخلق والعلوم البحتة" تمثل أكثر من 45% من آيات القرآن العظيم ، واكتفوا بمحاولات فهم وتفسير أقل من 5% من آيات القرآن ، والتي أسموها العلم الشرعي ، وهي آيات الفروض والحدود والمعاملات ، والتي تفرغوا لها فألفوا فيها ملايين الكتب والمجلدات حتى اختلفوا فيها وانقسموا باختلافاتهم لأكثر من سبعين فرقة وجماعة فضيعوا دينهم وضللوا مفاهيمه ، ومن العجيب أن المسلمين في "آيات علوم الخلق والعلوم البحتة" قد اكتفوا بأنهم كلما اكتشف غيرهم حقيقة علمية أن يسارعوا بالتباهي دون حياء ، بأن لديهم آيات في القرآن تصف وتحدد بهذه الحقيقة .

ويقترب عدد آيات الخلق والعلوم البحتة في القرآن من (3000) ثلاثة آلاف آية ، وتعد آيات خلق الإنسان من أبرز وأهم هذه الآيات ، وتقترب عددها من (1100) الألف ومائة آية ، بما يوازي أكثر من 37% من آيات الخلق والعلوم البحتة ، وتصل عدد آيات خلق النفس منها إلى (313) آية بما يوازي 30% تقريبا من آيات خلق الإنسان ، وبما يوازي أكثر من 10% من آيات الخلق والعلوم البحتة كاملة ، وفي هذه الآيات يصف الخالق العظيم كيفية خلق النفس ، أصلها ومصائرها (مستقرها ومستودعها) كما يقول سبحانه .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98، وطبيعتها ، وحركاتها ، وتصويرها وإنشائها ، وهو ما يعني دخولها للجسد وخروجها منه يوميا للنوم ، أو نهائيا للموت وهو ما يسميه الله بالتوفي أو الوفاة ، وهو ما سوف نتعرض له في مقالة خاصة ، ولكن الأهم أن نعرف أن الإنسان هو مجرد نفس ، يمنحها الله جسدا من مادة الأرض ، ولكي يكون هذا الجسد صالحا لاستخدام النفس له ، فلابد أن يكون حيا ، فيحيه الله بإدخال الروح فيه والتي هي سر الإحياء لكل المخلوقات ولا توجد أي علاقة خاصة للإنسان بـ "الروح" ، سوى أنها تحيي له الجسد الذي يستخدمه ليحيا به في الدنيا .. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، فإذا انتهى "الأجل" ، يسترد الله سر الإحياء "الروح" ، فيموت الجسد ويتحلل ويعود ترابا كما بدأ ، فتفقد النفس وسيلة التعامل "الجسد الحي" والذي تتعامل به مع الأحياء في الدنيا ، أما النفس فمنذ دخولها للجسد الحي أول مرة وهو جنين عمره 120 يوما في رحم أنثى ، وهي معتادة على الرحيل وترك هذا الجسد ساعات طويلة للنوم ، فهي قد اعتادت الخروج من هذا الجسد يوميا كما يقول سبحانه .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، فإذا انتهى العمر (الأجل) تخرج النفس بلا قدرة على العودة للجسد ، وعندما تأتي لحظة التوفي أو "الموت" يقول سبحانه وتعالى .. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57 ، بمعنى أن كل نفس تكون في رحلة في الدنيا داخل جسد حي ، مكتوب عليها أن تذوق آلام الموت ، بمعنى أنها مكتوب عليها أن تذوق آلام خروج الروح "سر الإحياء" من الجسد الحي الذي كان يستخدمه ، وبخروج الروح يموت الجسد ويبدأ في التحلل فلا تستطيع النفس دخول الجسد الميت ، فتصبح النفس بلا جسد فتعود لله ، فماذا يحدث لها ؟؟ .

هذا ما شرحه سبحانه بقوله .. { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ، عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{الواقعة 60 – 62} ، فمجرد خروج النفس "بلا عودة" من الجسد الذي مات لمغادرة الروح له ، يتوفى الله "النفس" سبحانه وتعالى ، وقد تبقى عنده مستودعة لو انتهى إجمالي اختباراتها في الدنيا وتلك حالات خاصة جدا مثل من يموت " شهيدا" ،  ولكن المعتاد أن يعيد الله إنشاءها كما يقول سبحانه فيها أنه "ينشئها في نشأة أخرى" مختلفة ، وقد شاء الله أن لا يعلم الإنسان الحي عن هذه النشأة القادمة أي شيء سوى أنها مماثلة لما نحن فيه ، وهو ما يقوله سبحانه وتعالى عندما نسأل كيف هي النشأة الجديدة القادمة ، فيقول لنا الخالق العظيم أنها نشأة مماثلة تماما لما نعلمه جيدا لو تذكرنا نشأتنا التي نحياها ، وهي التي نراها في مراحل الحمل والولادة لكل طفل في الحياة وتلك التي وصفها لنا سبحانه في سورة المؤمنون بقوله تعالى .. {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14.

بل إن الله سبحانه وتعالى أكد علينا أن لكل منا نشأة أخرى مختلفة عما نحاياها اليوم والتي سوف نغادرها بالموت بعد انتهاء الأجل ، وأن هذه النشأة هي من شأن الله وتقديره وحده بقوله تعالى .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، بل وهذه النشأة الأخرى ربما تتكرر مرات ومرات وهو ما يشير له الخالق العظيم بقوله .. {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }الروم11 ، بل ويقول أيضا .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4 ، فحكمة العدل (القسط) بين البشر تقتضي أن تحيا كل نفس في مختلف الظروف والمعطيات ليكون اختبارها واقعيا وعادلا ، فتتكرر مرات الحياة للنفس الواحدة إلى يوم القيامة ، فإذا وصلنا إلى يوم القيامة حكم سبحانه أنه يحيي جميع النفوس في نشأة أخيرة والتي يحاسبهم فيها ، وهو ما يقوله سبحانه .. {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 ، ومن آيات القرآن المتكاملة (تشرح بعضها بعضا ويكمل بعضها بعضا) ، نكتشف أن لكل نشأة شروطها ومعطياتها وظروفها المختلفة ، وقد تكون أيضا تلك النشئات المتكررة تصفية لديون قد تحملتها النفس في حياتها السابقة .

ومن منطلق أنه ليس لأي إنسان اختيار في معطيات حياته (مولده وأهله وشكله ودينه ومظروفه ومماته) ، فمن عاش عمره ساخرا حانقا من غباء الكفرة ، والمشركين وأذاقهم ويلاته لمخالفتهم له فيما يعتقد ، فلابد وأن يأتي في المرة القادمة في بيئة مماثلة سواء كافرة أو مشركة ويذوق ما أذاقه لغيره ، ومن قتل نفسا ولم يمت مقتولا فلابد وأن يأتي للدنيا مرة ثانية ليذوق فيها القتل على يد غيره بنفس الطريقة والظروف والمعطيات لمن قتله ، ومن عاش عمره وقد أذل بشرا غيره ، فلابد من عودته للدنيا في وضع يذوق فيه ذل ما فعله بغيره ، ذلك هو قول الله تعالى  إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}يونس4 .

ومن شروط العدل في " اختبارات الله للإنسان المتتالية بتكرار نشأته على الأرض " ، أن نفس الإنسان تنسى تماما ما كان عليه في نشأته السابقة حتى لا تؤثر عليه في حرية قراراته وخياراته ، ولكن من المنطقي أنه في كل مرة يعود الإنسان للدنيا لابد وأن يكون قد حمل في نفسه آثار وبقايا من تجربته السابقة في نفسه ، وهو ما يحدد معالم خاصة جدا في الشخصية الجديدة ، والتي تظهر جلية في ردود أفعاله وهو ما زال طفلا لم يجرب شيئا ، فتجد طفلا يرتعد من الماء بلا سبب ، وآخر يسعده ويفرحه سماع خرير الماء أو صهيل الحصان ، وآخر ترعبه النار أو يخيفه اللون الأحمر ، وآخر يعشق أو يكره النساء جميعا بشكل ملحوظ دون سبب ، أو يصرخ لمجرد رؤيته لشيء بعينه ، وغير ذلك من العلامات الكثيرة ، التي تؤكد أن الإنسان يولد ولديه في ربوع نفسه بقايا من آثار نفسية متبقية من تجارب سابقة مفرحة سعيدة أو شديدة مؤلمة.

ولا شك أن العودة للحياة كما يصفها الخالق العظيم لها شروط وحدود ، والتي منها ، ألا يعود إنسان مطلقا لنفس الشخصية بنفس معطياتها مطلقا ، فحياتك مرة في ظلال شخصية بعينها هي صفحة اختبار قد تم طيها بالوفاة ، ولا تعود إليها أبدا إلى يوم القيامة .. لأنك قد أخذت فرصتك كاملة "في هذا النمط" مع هذه المعطيات الخاصة (الشكل والأهل والبيئة والدين والظروف و… و …. والوفاة) ، فلا يجوز أن تعود لنفس المعطيات مرة أخرى ، وهو قوله تعالى ردا على من يريد أن يعود لنفس حياته في لحظة موته { حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }المؤمنون100 ، فلا عودة لما تركت من حياة لتصلح فيها بعدما اطلعت على الحقائق كاملة في لحظة الوفاة التي يقول فيها سبحانه .. {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }ق22 ، وبمجرد الوفاة يصبح بين النفس وعودتها لنفس الحياة ما يلقبه الله بالبرزخ الفاصل ، وهو قوانين الله الحاكمة لحياة خلقه ، وهي قيود الحقائق العلمية النسبية التي تحكم حركة الحياة في الكون .

ونعتقد طبقا لآيات القرآن التي باحت بأسرارها ، أن العودة للدنيا نوعان ، النوع الأول هو استكمال مسيرة الاختبار بورقة أسئلة جديدة "حياة جديدة" أو كما يقول سبحانه "نشأة أخرى" بمعطيات مختلفة في حياة مختلفة ، والنوع الثاني عودة في صورة حياة مختلفة (نشأة أخرى) ولكن أجلها قصير ومحدود ، فقط حتى ترد أو تسدد الدين أو الديون التي تحملها من حياة سابقة ، وهو ما أشار له سبحانه في وصف لحظة الموت في سورة الواقعة بقوله تعالى .. { فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ، وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ ، فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } {الواقعة 93 -87} ، فشرط العودة لتسديد الديون أن تكون النفس صادقة عند سؤالها عن ديونها وما ارتكبته في حق غيرها في حياتها التي غادرتها أخيرا ، ولذلك نرى طفلا أو شابا يموت بسبب أو بدون سبب ، فنقول أنه لم يأخذ فرصة ليفعل شيئا في الدنيا ، فيرد عليك بعض الحكماء قائلا "لله في خلقه شئون" ، فهذا الطفل أو الشاب الذي وافته المنية ، قد جاء فقط لسدد دينا عليه ، فربما هو قد تسبب في موت صغير في حياته السابقة بنفس طريقة موته ، فجاء ليسدد دينه ويرحل .

ولاشك .. أن العودة للحياة في نشأة أخرى {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47  ، هي حقيقة قد تعرف البشر على علاماتها ودلالاتها من واقع ملاحظاتهم وتجاربهم عبر التاريخ ، وأحسوا بآثارها ، ولكنهم سقطوا ضحايا خيالاتهم وأوهامهم أو ضلالات شياطين الإنس والجن ، فأفسدوا حقائقها وشروطها ، واتبعوا فيها أهواءهم وأمانيهم وظنونهم الشاردة بغير هدى ، بل حتى المسلمين ورغم أن لديهم تفصيل دقيق في هذا الموضوع في آيات القرآن الكريم ، ولكن لم يجرؤ عالم واحد عبر التاريخ على  محاولة الفهم لآيات القرآن العظيم منذ نزوله وحتى اليوم ، وذلك لإغلاق علماءهم الأوائل الباب وسدهم الطريق أمام أي محاولة للفهم أو التفسير ، واتهموا من يحاول الفهم بالفسق والزندقة بل والجنون أحيانا ، بل حتى علماءنا المعاصرين اليوم ، لا يجرؤ أحدا منهم أن يقول إلا بما قاله علماء ماتوا من ألف سنة ، ولابد من المتن والسند وإرجاع التفسير والفهم لهم فقط ، وكأن ملامة الله لنا في قرآنه "أفلا تعقلون" لأكثر من سبعين مرة هي ليست لنا ، لأننا تنازلنا عن عقولنا ، فصدق فينا قوله تعالى .. {.. قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ }العنكبوت63 ، فحق علينا السقوط في غياهب وظلمات الجهل والهوان ، وبالطبع تعمد هؤلاء العلماء من القرون الأولى ومن تبعهم حتى اليوم أن يكتفوا بعلوم التوحيد والعقيدة والحدود والفروض والمعاملات التي لا تتعدى 5% من آيات القرآن واتخذوا منها العلم المقدس "الشرعي" ، واختلفوا في فهمها ، فكانوا بذلك سببا في تمزيق الأمة لأكثر من سبعين فرقة ، وكانت أكبر جرائمهم في حق القرآن العظيم أنهم اعتبروا آيات علوم الخلق والعلوم البحتة من المتشابهات ، وكانت النتيجة المنطقية ، أن الأزهر بعلماءه ما زال متخبطا في الفارق بين النفس والروح ، رغم أن لديهم أكثر من ثلاثمائة آية توضح هذا الفارق ، وهو ما يدل على عمق الجهل بالغالبية العظمى من علوم الخلق والعلوم البحتة التي ذكرها سبحانه في القرآن العظيم ، بل والأغرب والأعجب أنه ما زال يدرس في أروقة الأزهر حتى اليوم كتبا وبحوثا وقماطير لوصف عذاب القبر ، رغم أنه لا توجد آية واحدة من آيات القرآن التي تزيد عن ستة آلاف آية تقول بوجود عذاب في القبر ، بل هناك آيات تنفي وجوده أو حدوثه ، ولكنهم كعادة البشر وضلالاتهم "يتبعون سنن الذين من قبلهم" حرفيا في معظم معتقداتهم ، وهو ما حذرهم وتنبأ به خاتم المرسلين "صلوات الله وسلامه عليه" ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..

جمال عمر

 

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *