البشرية ضحية ضلالاتها النفسية … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
24 يونيو، 2018
اراء ومقالات, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي
1,248 زيارة

لا شك أن أخطر ما يواجه الإنسان عبر تاريخه على الأرض هو ضلالاته النفسية والتي هي كفيلة بتشتيت قدراته وطاقاته وتحويلها لأسلحة تدمير فتاكة تهلك البشرية وتقتات على مقدرات حاضرها ومستقبلها ، خاصة وأن التقسيم النوعي للبشر يقضي بوجود التدرج الاجتماعي والفكري ثم المالي ، وأخطر حالات البهتان أن يجتمع لفئة بعينها سيادة التدرج الفكري والمالي ، فوجود الثروات في يد أصحاب الفكر المنحرف أو المضلل يعطيها سلطات واسعة ومسيطرة على البقية الباقية من البشر ، وهو ما رأيناه جليا في توافر المال مع أصحاب الأيدولوجيات الدينية المتطرفة فحولت مجتمعاتها لجحيم مستعر ودمرت بلدانها تحت مسميات وشعارات ضلالية .
ولا شك أيضا أن فكرة محاولة إقناع البشر بوجود وسيطرة الضلالات على معتقداتهم لقرون طويلة تعتبر محاولة فاشلة بكل المقاييس سلبا أو إيجابا ، وهو ما رأيناه واضحا حتى في الجماعات الدينية المسلمة مثل الوهابية (السلفية) ، والتي حتى بنجاح وصولها لقلوب الكثيرين طمعا في الجنة ، فشلت في إقناع عقولهم بمنطقية قيمها ، فمارست لعبة تعطيل العقول وقتل المنطق ، فرأينا السلفيين يتفشى بينهم الجهاديين والقتلة والمتنعتين والمتنطعين بالدين والمتشدقين بما لا يفهمونه بل حتى سلوكيات حياتهم اليومية تجدها لا علاقة لها بأي دين أو أخلاق إلا من بعض المظاهر كالمناسك والملبس واللحية ونقاب العار اليهودي لنسائهم ، ولكن هذا لا يمنع أن يكون السلفي مختلسا ومرتشيا وفاسدا وكله بتصريف وفتاوى دينية يركبها ليطمس بها على ضميره الإنساني المغتال باسم الدين ، ولذلك لا عجب أن تنتشر الوهابية السلفية والجهادية بين الجهلاء والمغيبين بغض النظر عن مستوياتهم العلمية ، فثقافة النفوس لا علاقة لها بمستوى العلم وإلا لما رأينا علماء يعبدون البقر ويسجدون للشمس وتلك هي نتاج اتخاذ العلم لأغراض لا علاقة لها بالمهمة الأسمى التي خلقنا الله من أجلها وهي إعمار الأرض كخلفاء لله عليها .
ولا شك أن غيبيات الدين هي مجال شديد الاتساع والتشعب خاصة مع الإنسان محترف الجدال وعاشق الضلال ، وبقدور تسمح ببث الضلالات والبهتان في كل الأديان السماوية والمبتدعة ، وبمرور السنوات والعقود والقرون تنحرف قيم الأديان وتصبح الانحرافات أصول تلقائية تفرض نفسها ولا يسمح البشر بالاقتراب منها ، وهو ما نراه واضحا جليا في معتقدات معظم الفرق والجماعات مثل الصوفية والشيعة والسنة وفرقهم الفرعية التي تصل عددها لأكثر من سبعين فرقة وجماعة ، تكفر معظمها أغلبها ويستبيحون دماء وأموال وأعراض بعضهم البعض تحت مسميات وشعارات الدين الحق ، رغم أنهم جميعا يعلمون أن الله حرم الفرق والجماعات وحذر عباده من التفرق والانقسام في الإسلام وجعل من يتبع الفرق والجماعات من المشركين ، ولكن الجميع يتغافل ويتجاهل آيات الله التي تقول هذا وكأنهم لم يقرأوها رغم تأكيد الله عليها في في سورة الروم بقوله تعالى { … وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } 31 ، 32 الروم ، وفي سورة الأنعام يقول المولى لرسوله .. {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }الأنعام159 ، ورغم هذا فإن أتباع الفرق والجماعات بين المسلمين يتخطون أكثر من نصف المسلمون في العالم .
ولا تسلم الديانات السماوية الأخرى من ضلالات البشر وانحرافاتها المتدرجة عبر التاريخ ، فاحتراف الضلال هي حرفة بشرية بامتياز ، فاليهودية مثلا منقسمة في داخلها لأكثر من ستين فرقة رغم عددهم الضئيل في العالم ، وأتباع المسيحية ينقسمون لما يقرب السبعين فرقة ويختلفون جزئيا وكليا في معتقداتهم وثوابت دياناتهم التي ابتدعوها وصدقوها ، وجميع الفرق والجماعات بلا استثناء تكفر بعضها بعضا وتلعن وتشلح بعضها بعضا وتدعي أن غيرها لا يدخل الجنة ، ولكن لا يجروء أحد أن يواجه أو يحاول تصحيح الفكر والمعتقدات التي أصبحت أسسا لأديان الفرق والجماعات في جميع الأديان خاصة السماوية منها ، بغض النظر عن بعض أصحاب النفوس السوداء والتي ترى في هدم وتسفيه غيرها متعة وتحقيقا لذاتها المريضة دون أن تقدم البديل أو تحتكم للعقل والمنطق .
وأخطر ضلالات البشر التي تحكم العالم اليوم هي تفاصيل وأسباب وتراتيب نبوءة ( عودة المسيح للأرض لتصحيح الدين وتقويم انحراف البشر في آخر الزمان) ، وهي نبوءة يؤمن بها جميع المسلمين والمسيحيون واليهود في العالم بكل فرقهم التي تتعدي الألفين فرقة وجماعة ، ولكن تكمن الاختلافات في أن كل فرقة وجماعة ودين تعتبر المسيح منها وعودته سوف تكون لنصرتهم وحدهم ، بل ويؤمن الكاثوليك (وهم طائفة تضم بعض فرق اليهود ومعظم المسيحيين في العالم) بأن المسيح لن يعود قبل تطهير أرض الميعاد وما حولها من الكفرة المسلمين جميعا والمسيحيين واليهود من الفرق الأخرى كالأصوليين والأرثوذكس والبروتوستانت والإنجليين وغيرهم .
والغريب أن الكاثوليك فرقة صنعتها وتديرها الماسونية وهي منظمة شيطانية الفكر خططت وصنعت حكومة العالم الخفية التي تدير المؤامرات والحروب منذ قرون بعيدة بدأتها بالحروب الصليبية التي كانت نكسة ووبال عليهم حيث طاردهم ووقتلهم وشتتهم ريتشارد قلب الأسد بعد هزيمته في بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي ، ثم استعادت الماسونية سيطرتها على ملوك أوروبا ثم أمريكا في القرن الثامن عشر ، وغيرت شكل العالم بالحرب العالمية الأولى ، وأحكمت سيطرتها على العالم وثرواته بالحرب العالمية الثانية ، والماسونية اليوم يديرها ويتحكم في رأس هرمها رجال مثل روكفيلر وروتشيلد اليهوديان وهما يمتلكان ويتحكمان في أكثر من 85% من ثروات العالم ، والكاثوليك بالنسبة للماسونية هم جنود لا يزيدون عن كونهم (خراف بني إسرائيل الضالة) ، ولا مانع من التضحية بهم في أي صراع دموي على الأرض ، ولذلك ضحت الماسونية بالاتحاد السوفيتي وفككته رغم أنها هي التي أنشأته بواسطة رجالها ستالين ولينين ، واليوم تخطو نحو التضحية بأمريكا في سبيل السيطرة الكاملة والأخيرة على العالم ، والوصول لتنفيذ مخطط المليار الذهبي بالتضحية بستة مليار نسمة من البشر في حروب مدمرة تحت شعارات الدين والحرية والديموقراطية .
ومن أجل ذلك لم يعد غريبا أن نعلم أن جماعات مسلمة مثل الوهابية والإخوان هي صناعة بريطانية (ماسونية) تم التخطيط لها وصناعتها منذ عقود وقرون طويلة لسهولة التوغل والسيطرة على الدول والكيانات المسلمة من داخلها ، وهو ما لا تستطيع بريطانيا أو أمريكا أو إسرائيل إنكاره ، فمثلا .. محمود عزت المسئول المخابراتي للإخوان يأويه ويخفيه جهاز الموساد الإسرائيلي ، والمرشد العام للإخوان (إبراهيم منير) هو ضابط عامل في المخابرات البريطانية وله الحق في حضور جلسات البرلمان البريطاني ، وتمنح بريطانيا الإقامة والجنسية والتملك لكل قادة جماعات الإخوان والوهابية منذ تواريخ إنشاءها ، بصفتهم جنود يخدمون المصالح العليا للماسونية التي تحكم وتسيطر على بريطانيا والغرب كاملا منذ أكثر من خمسة قرون كاملة ، حتى أن كل ملوك أوروبا ورؤساء وزرائها وأصحاب المناصب السياسية والقيادية والمالية العليا أصبحوا جميعا ينتمون لنسب يهودي كاثوليكي واحد ، ويسمون أنفسهم بالدم الأرزق (الأنجلوساكسوني) ، ولا يسمح مطلقا بأي استثناءات ، ولهم طقوس واجتماعات دورية غامضة يحضرها قادة الماسونية العليا بداية من ملكة انجلترا ومرورا بآل روتشيلد وروكفيلر وقادة أمريكا وملوك أوروبا وعلى رأسهم ملك حكومة العالم الخفية والتي تحظى بعضوية الأمم المتحدة تحت مسمى (حكومة مالطا) ومقرها روما رغم أنها دولة بلا شعب أو أرض وشعارهم الأسد الأحمر ، وتتم جميع اجتماعاتهم في سرية تامة ، سواء في مقر حكومة مالطا في روما أو بيلدربيرج (أوروبا) أو بوهيميا (أمريكا) أو بيت لحم (القدس) .
ولا يستطيع أحد أن يشكك في سيطرة الماسونية على وسائل صناعة الفكر والوعي (الإعلام بمختلف صوره) وكذلك على تدبير المؤامرات وإشعال الحروب وصناعة الأسلحة ووسائل الدمار المستخدمة ، وبالتالي فلا شك أن ثورات الربيع العربي جاءات تنفيذا لنظرية الفوضى الخلاقة لتقسيم المنطقة وتصفية شعوبها اعتمادا على غباء وسذاجة وجهل الشعوب وحماقات حكامها الذين تم إعدادهم أو صناعتهم عبر عقود مضت في معاقل الماسونية ، بل ولا شك أن مصر اليوم هي الحصان الأسود الذي شق عصا الطاعة للماسونية ، وأصبح الشوكة القاتلة في ظهرها ، ولذلك فلا عجب أن يتم القبض على ضباط مخابرات ستة دول عظمى وإقليمية في مركز عمليات الإرهابيين في جبل الحلال منذ عام مضى ، ولا عجب أن ندرك أن مصر تخوض أشرس حروب التاريخ ضد أكبر قوى الماسونية تاريخيا ، والتي تحكم العالم وتسيطر على مقدراته في ظروف بالغة التعقيد والخطورة ، رغم عدم إحساس الكثيرين من الشعب المصري إلا بالقليل من تبعاتها ، وتلك هي غلطة النظام المصري أنه حقق لشعبه أمانا سمح لهم بالتغافل عن التحديات وخطورتها والبحث عن الرفاهية ، وإن كان العقل الجمعي المصري يمتلك حسا شديد الذكاء والوعي وهو ما يعتبر الظهير الأعظم لثبات ونجاح النظام في الحفاظ على كيان هذا البلد والارتقاء به لمستقبل أفضل بإذن الله .
ويبقى على المواطن العادي أن يعيد حساباته جيدا ، ولا يقع في فخ الكيل بمكيالين مثلما نرى الكثير من الناس يردد أن كل خير يصيبنا هو نعمة ورحمة من الله ، وأن كل شدة نعانيها هي من أخطاء النظام ويتحملها ذلك المدعو بالسيسي حتى ولو كان ما نعانيه هو سوء وفساد أخلاقيات البشر أنفسهم الدائمي الانتقاد والرفض والتنطع ، وسلبيات عقود طويلة سبقت ، وكأن الرجل من مهامه كرئيس هو إصلاح فساد النفوس وتربية الشعب من جديد ، ولابد أن لا ينسى أي مواطن أن هناك شعوبا استجابت لضلالات الديموقراطية والحرية ، وهي اليوم تتمنى عودتها لوطنها حتى ولو جاعت قرونا سيكون أرحم وأفضل من تشردها كلاجئين في بلاد العالم ، وللذين يكرهون الرجل نذكرهم أن الله مقدر الأمور ومالك الملك (لو كانوا يؤمنون به) هو وحده من يؤتي الملك لمن يشاء وينزعه ممن يشاء ، وينزع الله الملك ممن يخون أمانة الله في خلقه مثلما حدث ونزع الله الملك (حكم مصر) من الإخوان في أقل من سنة ، فقط لأنهم خانوا الله وأمانته في شعب مصر ، ولو أنهم حفظوا الأمانة لبقوا في حكمها إلى ما شاء الله .
أخيرا .. ربما تتسع دوائر الضلالات والبهتان في الدنيا حتى يفقد البعض أو ربما الكثير من الناس بوصلة اتجاهاته ، ولكن يبقى تعريف الإثم وهو (ما حاك في النفس وخفت أن يطلع عليه الناس) ، فمثلا .. برغم بجاحة أصحاب بعض المهن الفنية فهم يستحون كثيرا عند الحديث عن مشروعية مهنهم ، ويتمنون في نفوسهم لو كانت مختلفة ، وبرغم تقنين الإباحية في الغرب وتفشيها حتى أنه قد لا يوجد من يعرف والده الحقيقي ، ولكنهم يستحون من هذا ويمثل لهم نقطة ضعف خطيرة ويفرحون كثيرا ويتباهون ببعض الأسر القليلة المستقرة بالزواج والروابط مثل الإيطاليين والزنوج والأسيويين ، فالحق أحق أن يتبع ، وأبسط من هذا ما نراه بيننا من تفشي الملابس العارية والضيقة كالفيزون ولكن مرتدياته والمدافعات عنه يستحين أن يصلوا به أو يدخلوا به دور العبادة أو الكنائس ، وهذا هو معنى مقولة (ما حاك في النفس وخفت أن يطلع عليه الناس) ، ويبقى أن نحسن الظن بالله في توقعاتنا لمستقبل حياتنا ، من منطلق أن كل أمور الدنيا بيد الله ولن يحدث إلا ما يشاء الله ويقدره ، وبالتالي فمن سوء الأدب مع الله وسوء الظن به أن يتشائم الإنسان وينتظر الأسوأ دوما فيما يتوقعه ، ولذلك يقول سبحانه في حديثه القدسي " أنا عن ظن عبدي بي ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، والأخطر أن يتأله الإنسان على الله ويعمم سوء توقعاته على الناس والدنيا من حوله فيكون عقابه من الله أن يجعل الله الدنيا شرا عليه وحده كما يدعي ، حتى لو كانت خيرا على كل البشر من حوله ، وهو ما قاله صلوات ربي وسلامه عليه " إِذَا قَالَ الرَّجُلُ .. هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ " ، رحم الله الرحماء وأكرم الكرام ..
جمال عمر