في رمضان ترتفع مستويات ومعدلات السمو النفسي للبشرية كاملة ، وليس للمسلمين فقط ، وهي حقيقة يحاول الكثير من الرافضين لمسمى الإسلام والمسلمين طمس حقيقتها ، إلا أن .. " الحق أبلج والباطل لجلج" .. تبعا لمقولة عربية شهيرة كما كان يصر بعض إخوان الماسونية ترديدها ، فأقل أيام السنة في معدلات الحوادث والجرائم عالميا منذ قرون طويلة هي تلك الأيام التي توافق شهر رمضان لدى المسلمين ، وليس هذا سوى تذكير رباني لعبيده بأن الكون منظومة واحدة خلقها إله واحد ، ولا خروج عن ناموس الكون الذي فرضه الخالق العظيم ، فسبحانه هو الإله الواحد الأحد الفرد الصمد ولن يحدث في كونه شيئا لم يكتبه ويقدره بين عبيده وخلقه .
ومن سنن الكون أن تكون والدا ثم أبا ، والأب قوام على زوجته وأولاده ، والقوامة هنا مستمدة من قيومية الله ، فالقيومية تعني أن الله هو الأمين المؤتمن العليم القدير المقدر الرزاق لعبيده وخلقه ، أي أن القيوم هو الأمين الذي يكفل ويرزق ويعلم ويقدر وبيده مقاليد خلقه جميعا ، أما القوامة فتعني أن يكون صاحبها مؤتمنا يعول ويرعى وبالتالي فهو صاحب سلطة أدبية نفسية على رعاياه أو أهل بيته ، ولكنه أبدا ليس بعليم ولا قدير ، ولا يملك تغيير ما كتبه الله على نفسه ووالده وولده ، ولذلك فعلاقة الأب بمن يعول هي علاقة قوامة فقط والتي هي مشتقة من القيومية ولكنها أقل مرتبة وقدرة منها ، ولا نستطيع أن نذكر القيومية دون أن نتحدث عن من معان الألوهية والربوبية ، فالله وحد لا شريك له ، ولا يوصف بـ " الإله " سواه ، الواحد الأحد وهو الخالق العظيم ، الباريء من عدم للدنيا والكون وما فيه ، ولكن هناك رعاة بيوت ومجتمعات من البشر يمكن أن نسميهم أربابا ، فالله منح لقب الرب في كتابه العزيز للسيد في قومه برب ، والأب في بيته برب ، ولكنه مطلقا لن يكون إلها ، فالربوبية تعني أن صاحبها هو الكفيل الراعي المؤتمن والمسئول عن من تحته ، وهو ما ينطبق حالا على الأب والجد والرئيس والمدير والقائد والإمام بدرجاتهم المتفاوتة والمتباينة تبعا لظروفهم المكانية والزمانية .
وربما هذا يفرض على العقل سؤلا خطيرا .. " هل كفر إبليس بالله تعالى " أي بالوهيته وعظمته وقدرته ، وهو ما يجعلنا ندقق النظر في جريمة إبليس ، وهي أنه ظن " جاهلا متكبرا " أن مادة خلق جسده (النار) لابد وأن تعطيه أفضلية على من هو دونه أمام الله فلا يصح أن يسجد لآدم المخلوق جسده من طين الأرض ، وهو هنا لم يكفر بالله ولا بعظمته وعزته بل إن إبليس في قمة لحظة كفره أقسم بعزة الله ، وهو أعلم خلق الله بها بقوله .. {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }ص82 ، ولذلك فكفره الذي يؤكد عليه المولى عز وجل في القرآن كان كفر بقيومية الله ، فالقيومية تعني ثقة العباد في أن الله أعلم بخير مخلوقاته منهم وهو أحرص عليهم منهم بأنفسهم وبالتالي فله الطاعة المطلقة دون تردد أو إشراك لعقولهم الضعيفة المحدودة مع الله في قضاءه وقدره ، والقيومية هي عين الربوبية ، فالقوامة التي هي جزء من القيومية هي من وهبت الإنسان لقب الرب في قوامته على من يرعاهم .
وهنا نتوقف قليلا عند ما يرتكبه البشر من جرائم في حق أنفسهم حتى يصبحوا ممن قال فيهم الرحمن .. {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً }الكهف104 ، وما أكثرهم في الدنيا خاصة بين المتدينين ومدعي التدين والملتزمين عادة والمنتمين للفرق والجماعات والتي تعد عند الله شركا بالله سبحانه لا جدال فيه ، كما يقول سبحانه في سورة الروم .. { .. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } ، وكثير من عامة الناس خاصة من يرتكبون جريمة الكفر بقيومية الله وهم يحسبون أنهم من أوليائه المخلصين ، فتارك إعمار الأرض المتفرغ للمناسك والشعائر تقربا لله هو كافر بقيومية الله عليه ، لأنه اختار ألا ينفذ المهمة التي خلقه الله من أجلها وادعى كذبا وزورا أن العبادات هي في الصلاة والزكاة والصيام وذكر الله ، وكذلك تارك الصلاة أو الصيام أو الزكاة أو المتجاوز في حدود الله مدعيا أنه يعرف الله وكفاه أنه يعمر الأرض فهو أيضا كافر بقيومية الله عليه ، لأنه تأله على الله ويريد أن يدير نفسه على هواه ، فما نحن سوى بشرا خلقنا الله بمهمة إعمار الأرض كخلفاء لله عليها ، وفرض علينا مراسم ومناسك وشعائر لضمان الحفاظ على استقامتنا في آداء المهمة التي خلقنا الله من أجلها والتي استحققنا عليها سجود ودعاء واستغفار وحفظ الملائكة ، والإهمال تعمدا في أداء أيا من المهمة أو فروض استقامتها يعد عند الله كفر بقيومية الله يستوجب العقاب الشديد .
ولا شك .. أن الإنسان (ابن آدم) والذي هو آخر سلالات فئة العمار للأرض ، قد منحه الله أحد صفاته سبحانه وهي الإبداع أو ما نسميه " الرغبة في الإتيان بالجديد " ، وهي صفة فطرية وضعها الله في نفس كل إنسان لتعينه على إعمار الأرض وتطويرها والارتقاء بها ، فكل منا يريد بفطرته أن يأتي أو يفعل شيئا جديدا لم يفعله غيره من قبله ، وتلك الصفة هي التي تبرز مع الطفولة بحرص الطفل أن يكون هو " الله " عند أبويه ، وأخيه " كخة " ، وتلك هي الصفة التي تتطور لتصبح إرادة قوية في الإتيان بالجديد والإبداع والاستئثار بكل جديد ونافع وقيم ، فإذا سقط الإنسان في قمة سلبياتها ، فتراه .. يكره ويحقد ويحسد ويتربص ويزور ويتآمر ويخون ويمكر ويقتل بعضنا بعضا ، أو نرتقي لقمة إيجابياتها فنعمر الأرض متعاونين متحابين نحب لغيرنا من نحبه لنفوسنا ، ولولا أن الله شاء ألا ينفذ مخلوقا على الأرض فعلا ، إلا ما يشاء سبحانه من بعض نوايا البشر " ليذيقهم بعض نواياهم " ، لفسدت الأرض ودمروها بشرورهم وهو ما يسجله الله تعالى بقوله .. {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الروم41 ، وقوله تعالى .. {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ }المؤمنون71 .
ولذلك .. عندما يختل ناموس الكون الذي وضعه الخالق في بعض خلقه بأيديهم ، تسوء أحوالهم ومآلهم ، وهو ليس عقوبة كراهية من الله ولكنها حدودا يفرض الله عقوبات تجاوزها كقوانين ولوائح ربانية " علمية بحتة " تؤكد دقة ناموس الخالق في كونه ، فمثلا .. سوء استخدام الإنسان لشيء فيما لم يخلق له .. هو في حد ذاته إعلان للحرب على الله في ناموس كونه ، وبالتالي فهو فساد وإفساد لا يقبله الله ولا يسامح فيه ، وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ، وهو ما نراه كثيرا واقعا مؤلما ومريرا في حياة من يدعون كذبا وبهتانا أنهم مسلمين أو مسيحيين أو مؤمنين ، والله منهم ومن بهتانهم بريء ولا علاقة له به ، فمثلا .. الزخم الإعلامي والاجتماعي لضرورة وأهمية خروج المرأة المصرية والعربية للعمل ، هو في الأصل دعوة حق يراد بها باطل ، وبعيدا عن العالم أجمع الذي تتفشى فيه بطالة الرجال ، وبغض النظر عن ملايين العاطلين من الرجال في بلادنا والذين يفوقون بكثير نسب الإناث اللائي يطالب المتآمرون خروجهن للعمل ، فلا يستطيع بشرا أن يخفي أو ينكر فوارق الخلق بين الرجل والمرأة والتي هي " ضرورات المهمة " ، فالرجل بتركيبته النفسية والجسدية متوافق مع الكد والكدح والسعي والحماية والرعاية لغيره ، والمرأ بتركيبتها النفسية والجسدية متوافقة مع وظيفتها كسكن وحنان وأم وراعية بيت ومربية وحافظة وأمينة .
ورغم أن بعض النساء كاستثناء للقاعدة يمكن أن تقوم بمهام الرجال ولكن هذا يعني شيئا واحدا ، وهو استخدام المرأة فيما لم تخلق من أجله ، فمهمتها الأصلية الفطرية جليلة وعظيمة وخطيرة ولا تعوض ولا بديل لها ، فالطفل الذي تربيه دور الحضانة منذ شهوره الأولى ، يصبح مخلوقا مختلا نفسيا فاقدا للاستقرار النفسي الضروري لاكتمال نموه النفسي والجسدي والعقلي ، ومهما بذل الوالدين والمجتمع والدولة من جهود لإصلاحه ، فالمجنمع دوما يتطور من سيء لأسوأ ، حتى وجدنا نسب الطلاق بين الشباب مثلا .. تتعدى 75% من حالات الزواج في السنة الأولى ، لأن الزواج شراكة نفسية تحتاج لأسوياء وكلما ازداد حجم الانحراف في التربية زاد بالتبعية نسب الفشل الأسري والمجتمعي ، وكأننا لا نتعلم من آخر نتائج الدراسات العلمية التي أقرت في أمريكا وألمانيا قانونا يعطي المرأة التي تعود للبيت لتربية الأولاد حوقها الوظيفية كاملة متضمنا مرتبها كاملا حتى 20 سنة ، وكذلك لا نريد أن نصدق ما تقوله الرسالات السماوية وما يأمر به القرآن ، فهل نحن أكثر وعيا فهما لدنيانا من القرآن أم أننا أكثر كفرا بقيومية الله علينا ، ولذلك ندعو فلا يستجاب لنا ، ونشقى ونكد ولا نشعر إلا بكل تعاسة وشقاء ، وحق علينا قول الله تعالى .. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً{103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً{104} أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً{105} ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً{106} .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر