الإرهاب .. إنحراف أم فجور بشري .. بقلم : جمال عمر


لا شك أن الإرهاب أحد الوسائل الغبية التي يلجأ إليها البشر لفرض الإرادة والسيطرة على الغير سواء للتمتع بشهوة السيطرة والهيمنة أو حتى لتلبية نزعات الانتقام والتشفي من الغير كنتيجة مباشرة للكراهية ، سواء كراهية مرتكب الإرهاب لغيره ، أو كرهيته لنفسه .. مثلما يفعل الأب أو الراعي عندما يضطر لإرهاب أبنائه أو من يرعاهم ، ليجنبهم مصيرا يراه أسوأ من معاناتهم من إرهابه ، ولاشك أيضا أن تاريخ الإرهاب ليس جديدا ولا مستحدثا ، بل يرجع تاريخه لبداية حياة بني آدم على الأرض ، حتى وصل الإرهاب لمنتهاه عندما "بلغ الفجور مداه" بأحد "ابني آدم" فقتل أخيه غلاً وغيرة وحقدا .

وهكذا يحاول كل الطغاة عبر التاريخ السيطرة على غيرهم ، بداية من محاولة امرأة السيطرة على زوجها بـ "النكد" ، ومحاولة رجل السيطرة على امرأته بالإرهاب النفسي ، وتناسيه قول رسولنا الكريم "ما أكرمهن إا كريم ، وما أهانهن إلا لئيم" ، إلى سيطرة حاكم طاغية على شعبه بالإرهاب ، فالإرهاب سلاح المنحرفين نفسيا للسيطرة وفرض الإرادة على غيرهم بالقوة التي تصل لحدود القتل أحيانا ، ولا شك أيضا أن الإرهاب قد يكون وسيلة للردع النفسي لمنع اعتداء الآخرين أو لتحقيق الانتقام من ظالم أو ظلم وقع على من يظن أنه يستطيع الانتقام لنفسه أو لغيره .


ولا شك أيضا أننا نمارس الإرهاب في حياتنا اليومية مرات عديدة تحت مسميات الأدب أو القانون ، والذي هو الوسيلة المشروعة والفطرية للتعامل بين البشر ، لأنها فطرة البشر جميعا أن يكون قانون الترغيب والترهيب والثواب والعقاب أساسا لكبح جماح النفوس البشرية خاصة المتمردة والراغبة دوما في الهروب من القيود والحدود ، وتهوى الوصول لأقصى درجات الحرية ولو لحدود الفجور ، وهو ما عبر عنه خالقنا بقوله .. {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ }القيامة5 ، ولذلك قال الحكماء من قبل "من أمن العقوبة أساء الأدب" ، ولكن من منطلق أن كل شيء إذا زاد عن حده ينقلب إلى ضده ، نتذكر سويا أن أي فعل يمارسه الإنسان لابد أن يكون داخل حدوده ولا يتجاوزه ، فلابد وأن تخشى الرعية من غضب راعيها ، ولابد أن يخشى الطالب غضب معلمه ، وأن تخشى الأطفال غضب الأم والمربية والمدرسة ، وإلا فسدت التربية والتنشئة ، ولكن أيضا لا يجب أن يتطور هذا الخوف ليصبح رعبا للمتلقي وإرهابا مدمرا للنفوس .

ولا شك أننا رأينا أمثلة كثيرة لسوء نتاج تربية الإرهاب ، في رجال ونساء تربين أطفالا في بيت يسيء فيه الأب معاملة الأم ويؤذيها نفسيا باللفظ أو الضرب أحيانا ، فأقل ما يصيب هؤلاء الأطفال أن يؤمنوا ويصدقوا أن الإرهاب هو أفضل وسائل التعامل مع الغير ، وبالتالي فلا مانع أن يتحول أحدهم يوما إلى قاتل لمن يخالفه الرأي أو الفكر أو حتى إلى منتقم ممن يعتقد أنهم ظالمين ، في محاولة لتمثيل دور البطل الذي يفعل ما لم يفعله غيره من قبل في أسوأ استخدام لفطرة الإبداع "الإتيان بالجديد" ، والتي فطرنا الله عليها لنعمر بها الأرض كخلفاء لله عليها ، فإذا بالبعض يستخدمها في هدم حياة غيره انتقاما من سراب خيالاته ومعتقداته مثلما فعل من قتلوا المصلين في المساجد أو الكنائس أو المعابد فالجميع سواء مع اختلاف توجهات الفكر والمعتقدات .

وبالتالي .. فنحن نرتكب جرائم في حق الإنسانية وفي حقوق أنفسنا عندما نقبل الزواج من شخص إرهابي النفس رجلا كان أو امرأة ، بل إن المرأة الإرهابية النفس تعد أخطر ملايين المرات من الرجل الإرهابي النفس ، لأن المرأة هي التي تربي ، وما يتلقاه الأبناء منها عبر حياتهم معها "وهم براعم تتعلم منها معاني الحياة" ، سوف يعتبرونه مقدسا لا يجوز مخالفته ، ولذلك سوف تجد العالم المتميز قد تربى على يد أم تقدر قيمة العلم ، والإنسان المستهتر قد تربى على يد أم لا تقدر سوى أهواءها وشهواتها ، الرجل الديوث (الذي لا يغار على عرضه وشرفه) أو العاهرة (المستهترة بلا حياء) كلاهما قد تربى على يد أم لا تعرف معنى الشرف ، وسوف تجد البلطجي قد تربى على يد أم لا تعرف سوى البلطجة والتنطع للحصول على ما تريد ، وسوف تجد الرجل الكريم الرحيم الأمين قد تربى على يد أم كريمة رحيمة أمينة على بيتها وأولادها ، فالأم حقا هي مدرسة الشعوب ومفرزة الأجيال ، ولذلك لا عجب أن ما نعاني ونشكو منه في وقتنا المعاصر هو نتاج تربية الأمهات لأجيالنا المتعاقبة .

ولا شك أن البيت هو صاحب اليد العليا في ترسيخ أصول الدين والمعتقدات في نفوس الأبناء ، فإذا كانت مفاهيم الدين في البيوت مشوهة كما هو الحال في معظم بيوت المسلمين والمسيحيين واليهود في العالم والذين يشكلون الغالبية العظمى من البشر ، فلا عجب أن يتفشى الإرهاب والمؤامرات بين البشر في شتى بقاع الأرض ، خاصة لو كان معظم أطفال العالم قد تربوا في بيوت ترسخ في نفسوهم أن دينهم فقط هو الحق المبين ، وغيرهم من البشر هم كفرة وملاعنة ومصائرهم بائسة في جهنم ولا يستحقون الحياة ، والكارثة أن كثير ممن يسمون أنفسهم برجال الدين يؤكدون ذلك لأتباعهم في دور العبادة ووسائل الإعلام ، ولذلك فهذا الطفل الذي نشأ على هذه المعتقدات لن يكون يوما شخصا سوي النفس مطلقا ، بل هو بذرة يافعة لإرهابي ينتظر فرصته ليتحول لمجرم باسم الدين والفكر ، حتى أن بعضهم يؤمن بأنه من جند الله المنتقمين من الكفار والفاسقين ومن لا يستحقون الحياة ، تماما مثلما فعل قاتل المصلين في نيوزيلندا ، والذي برر فعلته في (73) صفحة وكتب على أسلحته بعض الأسماء والتواريخ الهامة عبر تاريخ الصراع المسيحي المسلم في العصور الوسطى ، والتي اعتبرها دافعا قويا لينتقم من كل ما هو مسلم ، ولا عجب فيما يعتقده ، فهناك إرهابي مسلم سبقه وقتل من المسلمين ثلاثة أضعاف ما قتل هذا الإرهابي وهم يصلون أيضا ، لمجرد اعتقاده أن مخالفتهم لفكره تستوجب حرمانهم من الحياة .

ولا عجب .. فمثلما يقول اليهود بكفر المسلمين والمسيحيين ، ويقينهم بأنهم فقط شعب الله المختار وغيرهم من البشر ليسوا سوى حيوانات خلقهم الله على صورة البشر ليكونوا خداما لليهود ، ودماؤهم وأموالهم وأعراضهم مستباحة لليهود ، ومثلما يقول المسيحيون أنهم فقط عيال الله وأحبائه ، ولن يدخل الجنة إلا من آمن بالمسيح الرب المخلص ، وكذلك يقول بعض المسلمين بكفر اليهود والمسحيين ، وهكذا .. يزرع أصحاب الملل السماوية الثلاثة الكراهية والتربص في نفوس أتباعهم لمن يخالفهم ، وبالتالي لاعجب لو اكتشفنا أن الماسونية اليهودية المنشأ والقيادة تخطط للقضاء على ستة مليارات من البشر في مخططها الرهيب المسمى بـ "مخطط المليار الذهبي" ، ولا عجب أن تعلم أن اليهود قد خدعوا المسيحين الكاثوليك ليناصروهم في مخططهم ، ولا عجب أن تكتشف أنهم يمكرون بهم ويضحون بهم دوما ليكونوا وقود المحرقة "فاليهودي لا يحارب ولا يواجه" .. "لتجدنهم أحرص الناس على حياة" .. ، وبالتالي لا عجب أن تعرف أنهم في سبيل تحقيق مرادهم صنعت الماسونية فرقا وجماعات مسلمة يديرونها ويسلحونها جميعا وبأموال بعض الحمقى من المسلمين لتصنع الفتن وتوقد نيران الحرب بين المسلمين تباعا ، فتجد السعودية قد مولت فرق النصرة والجهاديين في سوريا باسم التصدي للشيعة المسلمين أيضا ، وإيران تمول الشيعة وحماس وحزب الله والحوثيين لمحاربة السنة المسلمين أيضا ،  وبينهما تركيا تخرب وتقتل وتعيث فسادا من أجل حلم بالامبراطورية العثمانية الضائعة ، والنتيجة النهائية هو قيام المسلمين الأغبياء بتصفية أنفسهم ، وكذلك تصفية مواطنيهم من المسيحيين الأرثوذكس الكفرة (في نظر الكاثوليك) كفائدة جانبية مستهدفة .

ولا شك أيضا أننا نمارس الإرهاب في أبسط تعاملاتنا اليومية ، بل إننا قد تفشى بيننا عشق الإرهاب حتى أننا كثيرا ما نبحث عن الواسطة التي نهدد بها من يعوق تحقيق مصالحنا ، بداية من التعدي بالصوت واللفظ في شوارعنا إلى التهديد واستخدام الأيدي ثم الكلاب الشرسة فالأسلحة لإرهاب الغير ، فقد تدنت لدينا مستويات الأخلاق لدرجة انعدام الإحساس باحترام أي قانون أو عرف أو أخلاقيات رغم أننا ندعي التدين والإيمان ، لدرجة أن غياب ضابط المرور يفتح أبواب جميع أنواع المخالفات في الطرق ، فتصل عدد المخالفات في أقل من ثمانية ساعات إلى خمسة آلاف مخالفة ، بل ولدرجة أن رجل قانون يربي في بيته كلبا شرسا دون أن يستشعر الحرج من تكرار اعتداء كلبه على جيرانه ، ولم يوقفه عند حده إلا تدخل الدولة في أعلى مستوياتها عقب حادثة اعتداء جديدة للكلب كادت تودي بحياة طفل ، وبالتالي لا عجب أن تتدنى الأخلاق لأقل مستوياتها ، فتجد البنات والنساء وهن أصل الحياء ورموزه الفطرية ، لا يستحين من قول الفواحش على صفحات التواصل الاجتماعي ، بل وأصبح من المعتاد تفشي السباب والألفاظ الفاحشة بين صويحبات نون النسوة كوسيلة للإبهار وأبراز قدرات الإرهاب اللفظي .

أخيرا .. قد نخطيء مرات ومرات ثم نستغفر ونتوب ، ويبقى دوما الأمل في أن يوقن الناس أن لا صلاح لأحوالهم إلا بإصلاح نفوسهم واسترداد إنسانيتهم ، ولن يتحقق هذا إلا لو "أحب كل منا لغيره ما يحبه لنفسه" ، وهي ليست دعوة للحب والتعاطف ، ولكنها دعوة للذكاء في التعامل مع الله خالق الجميع وربهم والمقدر للخير بين عباده ، وإيمانا صادقا بأنه سبحانه يعامل عباده كما يعامل بعضهم بعضا ، فإذا أكرموا بعضهم فسوف يكرمهم ربهم ، وإذا مكروا ببعضهم فسوف يمكر الله بهم ، فكل البشر سواسية خلقهم رب واحد ولهم حقوقا متساوية في الحياة ، لا يجوز الاعتداء عليها أو الجور على الآخرين لتحقيقها ، بل تتوقف حقوق وحرية الإنسان عند حقوق وحرية غيره من البشر ، وكفى أن نتذكر وصية لله للبشر أن يتعاونوا على الخير والإحسان .. {.. وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }المائدة2 ..  وأمره سبحانه للبشر أن يتسابقوا في فعل الخيرات .. {.. وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48 ، ولا نملك إلا حسن الظن بالله في خلقه وعباده .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *