إن لم تستحي .. فافعل ما شئت .. بقلم جمال عمر


ليس هذا كلاما حكيما ولا مثلا شعبيا بل هو حديث شريف لرسول الإنسانية محمد صلوات ربي وسلامه عليه ، وهو من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، يقول فيه  .. (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى .. إذا لم تستحِ، فاصنع ما شئت)) ؛ رواه البخاري  ، والعجيب أن البعض يتباهى ويتفاخر أنه لا يستحي ولا يعرف معان الحياء حتى أن قتل الحياء والتنصل منه أصبح وسيلة سهلة للشهرة ، وأحد أهم وسائل الماسونية لاقتحام المجتمع المصري بنماذج مدمرة في كل المجالات فكريا وإعلاميا ، فبعد الهجمة الجنسية الشرسة تحت شعارات " لا حياء في العلم " ومهاترات الثقافة الجنسية عبر الفضائيات وشبكات التواصل ، صدر عنوة ومنذ سنوات شعار جديد بعنوان " لا حياء في الإعلام " ، ولا شك أن من أشهر رواده كانت سما المصري في زخم الفوضى الخلاقة ، والمدعو باسم يوسف ، وهبة قطب ثم تفتحت بوابات انعدام الحياء على مصراعيها ، حتى أصبحت برامج الفضائيات تتباهى بتميزها في كسر أكبر حدود للحياء واللهث خلف من يستطيع تخطي حواجز الحياء والمحظور .

ولا شك .. أن برامج رمضان الأشهر والأنجح على الإطلاق هي التي تحقق نسب أعلى للمشاهدة والمتابعة عبر شبكات التواصل وبرامج المشاهدة واليوتيوب ، والكارثة التي نعاني من تبعاتها في بلادنا العامرة أن الإعلام وهو المسئول الأول عن تشكيل وعي وفكر المشاهد وبالتالي المجتمع ، أصبح لا يعنيه الارتقاء أو تطوير الفكر ، ولكن يعنيه فقط مكاسبه المادية حتى ولو روج للدعارة والشذوذ والإباحية والبلطجة ، وبالتالي فالإعلام بمنتهى انعدام الحياء والضمير يسحق الفكر المجتمعي ويدمره ويجره بشراسة وحماقة غير مسبوقة لأدنى مستويات الحيوانية تحت شعارات حرية الرأي والشفافية وحق المعرفة ، وأسرع أساليب الانتشار والنجاح هي بمخاطبة شهوات الإنسان مثل كشف المستور وفضح أسرار الناس ، والأخطر أن محترفي فضح الأسرار أصبحن من السيدات المذيعات المحصنات الفاتنات أو "الدكتورات"، فلا تستحي المذيعة الجريئة المتبجحة أن تكشف ستر ضيوفها وتنشر أسرار حياتهم وهي تشعر بالفخر والنصر لتحقيقها سبقا إعلاميا رهيبا وغير مسبوقا ، ولها كل العذر فهي لا تعرف أن الله حليم ستار ولا يرضى فضح بشر مطلقا ، بل ويلعن فاعله ، أي أنها بذلك أصبحت ملعونة ووعدها الله بأن يفضحها في الدنيا ويخزيها ولها في الآخرة عذاب أليم ، وناهينا عن فكرة الدين فكثير من المذيعات ينتمين للماسونية قلبا وقالبا .

 

وليس غريبا أن تتزايد باستمرار وارداتنا من أمريكا والغرب وفي جميع المجالات ، فالماسونية لا تبخل على مصر مطلقا ، بل وتقدم الغالي والنفيس من أجل تفتيت وسحق ما تبقى من قيم وأخلاقيات بأيدي دعاتها الذين تتصيدهم أو تصنعهم من المهاجرين وفاقدي الهوية ، فبعد فشل طرود الدعاة من بريطانيا "عمرو خالد ومعز مسعود ومصطفى حسني وشحاتة ، أفول نجم باسم يوسف بلا عودة ، تحاول إنجاح عملية بعث "مي الخريستي" برسائلها الجديدة لمصر بعد "صناعة ماسونية" فجة اللون والرائحة ولكنها خائبة ، حيث صنعت لها شعبية لدى فئات الشباب الضائع والمغيب عبر اليوتيوب بفيديوهات شخصية كسرت فيها كل أنواع الحياء ، وتحدثت في كل شيء بلا حدود ، حتى عن المخدرات والجنس والشذوذ واعتبرته حرية شخصية وحرية فكر ، وأكدت أنها ترى أن كل العلاقات الإنسانية علاقات مصالح حتى علاقة الأم بطفلها (طبقا للنظرية الجنسية لفرويد) ، وعللت أنها دوما "بتدخل شمال" على حد تعبيرها .. علشان تفكر نفسها .. بسقطاتها" ، ولاستكمال مسلسل تزوير المفاهيم والمعان وخداع العامة والبسطاء أطلقوا تعبير "كسر التابوهات" على جريمة كسر الحياء ، ثم وبتمويل كبير كالعادة تنهي هذه "الخريستية" المهترئة نفسيا ومجتمعيا مسيرتها الجامعية الجبارة كمعيدة وباحثة جامعية في جامعة أمريكية من أجل رسالتها التاريخية السامية ، وتتنازل عن كل أحلام مستقبلها وروعة حاضرها ، لتعود لتعمل مجرد مذيعة في قناة فضائية مصرية وتقدم برنامجا تافها لا طعم له ولا رائحة ، ولكنه كالعادة مشبعا بالسموم الفكرية ، فهي تصب جام غضبها مثلا على "الفشخرة" ولا تصادف في الشارع إلا شبيهة لها "بالصدفة" ، ونكتشف أنها مثلها "بلا هوية" ومقيمة في أمريكا ومولودة في الإمارات وتربت في كولالمبور أو كفر زعتور ، وكأنها مطلقا لم تتلقى تعليما متوسطا يوضح لها أن لولا عادات البشر جميعا وخاصة المصريين في الاهتمام بمظاهرهم ما تبقى من الفراعنة آثار حضارة ولا معابد ، أو قل يبدو أن القاهرة والناس قد نجحت في تنافسها لتقديم الأسوأ ، متناسين أن الفقاعات الإعلامية لا تدوم ولا بد أن ترحل سريعا وتختفي وينساها الناس والتاريخ مثل كل الظواهر التافهة حتى ولو كانت متفجرة.

وعلى الصعيد الحكومي فحدث ولا حرج ، ولكن ما يلفت النظر هو إصرار بعض الوزارات على استمرار العمل بنظام "استيل اللقطة" تبعا لما تعودوا عليه في العهد المباركي بامتياز ، رغم كل ما مر بنا من أحداث تؤكد وفاة هذا العهد بلا رجعة ، وهو ما يجعل الصورة غير سليمة وتوحي بأن المال العام ما زال إهداره مباحا ومتاحا بمختلف الوزارات ، خاصة وأن بعض هذه الوزارات قد احترفت في السنوات الأخيرة تصدر "الشو الإعلامي" بتصريحات جبارة ومذكرات تفاهم وبروتوكولات غير مسبوقة في معدلاتها وإعلاناتها ، حتى اشتهرت بعض هذه الوزارات بألقاب مثل "ملكة البروتوكولات" ، "وزارة البروتوكولات" ، ولكن يبدو أنها للأسف بلا نتاج حقيقي على المستوى الاقتصادي والمالي أو العلمي والتكنولوجي ، أو حتى الإنتاجي أو الخدمي ، وهو ما سقت فيه وزارة مثل الانتاج الحربي صاحبة العشرين بروتوكول في أقل من ستة أشهر ، حيث كسرت منذ أيام حدود الحياء السياسية والاقتصادية والصناعية ، بتوقيعها للمرة الثانية بروتوكولا لتصنيع "التابلت" ولكن هذه المرة مع "سفيرة البرتغال" متجاهلين أو ربما تناسوا أنهم قد وقعوا بروتوكولا مماثلا مع الصين في 2013م ، وتم بموجبه إنتاج أو استيراد "التابلت المصري" وبواسطة نفس الشركة المعلن عنه في البروتوكول الأخير "بنها للالكترونيات" حيث تحملوا في حينها مسئولية تدبيره للتربية والتعليم ، ولكن الموضوع انتهى بفضيحة التابلت الشهيرة والمسكوت عنها دون محاسبة ، وهو ما يلقي كثيرا من الضوء على هذه الوزارة والتي معظم شركاتها كما هو معلوم ما زالت أسيرة لمسلسل استدانة مرتبات عمالها من الدولة ومنذ سنوات طويلة ، ومخططات التطوير لإمكانياتها وقدراتها تترك علامات استفهام كبيرة ، ولا أحد يجرؤ على التنويه أو الإعلان ولا دليل على محاسبة أحد ، ورغم أن هذه الوزارة قد أعلنت عشرات المرات عن خططها الطموحة والاستراتيجيات الجبارة للنهوض بشركاتها ، إلا أن الموضوع يبدو وكأنه لا يتعدى أكثر من بالونات إعلامية متفجرة تتصدر بها بجدارة قائمة "الصيت ولا الغنى" ، ولعل أخطر ما يوحي بذلك هو الإصرار على استمرار وجود نفس القيادات للشركات الخاسرة رغم خسائرها المستمرة ، وكأن القيادة السياسية قد قررت تأجيل المحاسبة لأجل غير مسمى ، لأنها بالقطع تعلم وتراقب وتسجل بدقة كل ما يحدث وتلك ملحوظة لمن يهمه الأمر ، ناهينا عن كثير من الموضوعات الشائكة والمسكوت عنها مثل حجم ديون الوزارة الحكومية التي تربعت في حيز المليارات ، رغم أن الحكومة لم تألوا جهدا في محاولات مساعدة هذه الوزارة فأسندت لها كثير من الأعمال والموضوعات مثل التخت المدرسية والبطاقات التموينية وتصنيع صالات رياضية وعدادات الكهرباء .. وغيرها الكثير ، وهو ما يفتح الباب لسؤال أهم ؟؟ .. هل توجد داخل الوزارة مثل كثير من الوزارات عناصر مافيا الفساد المباركي أو مافيا الإخوان مثلا ، وهي التي تسيطر على مفاصل الوزارة ، خاصة لو علمنا أن الوزارة والهيئة وشركاتها ما زالت تدار بواسطة كثير من العناصر التي تقترب من السبعين وبعضهم تخطاها ، وكأنهم لا بديل لهم كونيا ، أو كأنهم مثلا باقون بأوامر "مكتب الإرشاد" المغلق قضائيا ، أم أننا فقدنا الحياء فاستمرأنا تكرار أخطاء سنوات مبارك في وزاراتنا دون وقفة ضمير  …

وفي نفس السياق "إن لم تستحي فاصنع ما شئت" تعاني مصر في دوواين الحكومة ومؤسساتها وهيئاتها وشركاتها ومكاتب خدماتها من تفشي بجاحة ذبح الحياء عمدا مع سبق الإصرار والترصد ، فلا حياء لدى الكثير من الموظفين أو العمال هم يتعمدون تعطيل مصالح الناس سلبا أو إيجابا ، سواء كانوا متنطعين بفرض الرشوة أو مستمتعين بعذاب الناس بأيديهم ، وحدث ولا حرج عن انعدام الحياء لدى كبار التجار ورجال الأعمال في رفع الأسعار تبعا للأهواء والأطماع ، ولا تنسى أن تسجل أخطر حالات انعدام الحياء والتي تقفز لمستويات العهر النفسي ، وهي المتمثلة في إصرار البنات والسيدات حتى في رمضان على ارتداء البنطلون الضيق الذي يصف بدقة متناهية تفاصيل مفاتنها بوضوح وفجاجة بل ووقاحة حتى في رمضان ، ويتناسين أن عقوبة إفتان الناس في الشوارع أقلها اللعنة وتحريم الجنة رغم أنهن الصائمات المؤمنات ولكنهن مدعيات للدين والإيمان بالباطل لآنهن أشباه عاريات ، واعتدن هذا منذ صغرهن ، كما اعتادوا أن يفتقدوا في رجالهم أية مظاهر للمروءة والنخوة والحياء ، بل بلغ الحال بالبعض أن تراه سعيدا مبتهجا بالتهام العيون لمفاتن جسد امرأته أو ابنته أو أخته ، وهو أبسط علامات العهر والدياثة النفسية التي نراها اليوم في مجتمعاتنا المتدينة بفطرتها .

 

وأخيرا صدق رسول الله في قوله عن الحياء ، { إن الله إذا أبغض عبدا وأراد به هلاكا نزع منه الحياء ، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا ، فإذا كان مقيتا ممقتا نزع منه الأمانة ، فلم تلقه إلا خائنا مخونا ، فإذا كان خائنا مخونا نزع منه الرحمة ، فلم تلقه إلا فظا غليظا ، فإذا كان فظا غليظا نزع منه ربقة الإيمان من عنقه ، فإذا نزع ربقة الإيمان من عنقه لم تلقه إلا شيطانا لعينا ملعنا } ، فلا إيمان ولا رحمة ولا أمانة .. بلا حياء .


جمال عمر

 

 

 

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *