استعرضنا من قبل معنى الإبداع وهو "الرغبة في الإتيان بالجديد" كصفة فطرية خلقها الله في نفوس بني آدم كمنحة ربانية فريدة ، وتوقفنا عند أفعال الإبداع لله تعالى في خلقه لكل شيء ، وعلمنا كيف منح الله البشر بعضا من قدرات الإبداع لتعينهم على تنفيذ مهمة العبودية التي خلقهم من أجلها وهي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكد والكدح ، وهي مهمة تتطلب أن يجتهد كل إنسان ليضيف للحياة شيئا جديدا ، يبتكره بفطرة الإبداع ويطور تنفيذه بإعمال عقله ومثابرة جهده ، ولكي نفهم جيدا معنى "الإنشاء" فلابد أن نعلم طبيعة خلق الله للإنسان وطبيعة العلاقة بين كل من النفس والجسد والروح ، وهي مسألة للأسف الشديد اختار البشر أن يطلقوا فيها العنان لخيالاتهم القاصرة ، فبنوا نظريات لا علاقة لها بالحقائق ، حتى أصحاب القرآن تجاهلوا حقيقة الخلق التي وضحها الله في قرآنه العظيم ، وفضلوا السقوط في ظنون ونظريات وخيالات البشر من قبلهم .
ولا شك أن الله وضح جيدا طبيعة خلقه للإنسان ، وأوضح سبحانه أن البشر ما هم إلا نفوس خلقها الله من وحدة واحدة "نفس واحدة" ، وقسمها لنفوس "مستودعة" لأجل مسمى ، ولابد أن تعود يوما ما لمستقرها "مستقر" لقوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 ، وسوف تعود النفوس يوم القيامة لحال خلقها الأول لقوله تعالى .. {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }لقمان28 ، فالنفس البشرية الواحدة هي بعضا من كل هو الأصل في الخلق وهو "النفس الواحدة" ، ثم قسم الله كل نفس إلى شطرين ، شطر لذكر وشطر لأنثى لقوله تعالى .. {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ..}الأعراف189 ، وتلك حكمة الحياة الدنيا وهي شطر النفس لنصفين حتى يكون كل نصف في حاجة للنصف الآخر ليتكامل .
ولكي تتواجد النفس على كوكب لتعمره ، فلابد لها من جسد من مادة هذا الكوكب ، ولابد أن يكون هذا الجسد حيا ، وبالتالي فلابد أن تدخله الروح ، والروح هي سر الخالق لإحياء أي جماد ، فالروح لا علاقة لها بنوع المخلوق أو مهمته في حياته الدنيا ، فهي موجودة في كل حي بداية من الخلايا الأحادية فالمعقدة فالنبات والحيوان والحشرات والإنسان وغيره من مخلوقات الله ، ولذلك يقول عنها سبحانه .. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 ، والجسد الحي ليس أكثر من "مطية" تركبه النفس لتمارس به الحياة خلال فترة حياتها المحددة "الأجل المسمى" ، وبالتالي فلا علاقة بين النفس "أصل الإنسان" وجسده والروح التي تحيي هذا الجسد ، إلا أن النفس تستخدم هذا الجسد خلال أجل حياتها على الأرض ، بل وتغادر النفس هذا الجسد كل يوم للنوم في تمثيل متكرر لعملية الموت ولذلك يقول سبحانه .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، فالنفوس يتوفاها ربها كل يوم للنوم ، حتى إذا انتهى أجل النفس "حياتها المقدرة" ، خرجت النفس وتوفاها الله بلا عودة ، ولكن تحت شرط وحيد ، وهو أن تذوق النفس آلام لحظة خروج الروح من الجسد "للموت" لقوله تعالى .. {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }العنكبوت57 ، فالنفس لابد وأن تذوق لحظة مغادرة الروح للجسد ، رغم أن النفس لم تحضر لحظة دخول هذه "الروح" للحيوان المنوي أ والبويضة وهما يتشكلان في جسدا الوالد والوالدة من قبل .
ولابد أن نتوقف عند كثير من التساؤلات التي ترد على فكر الإنسان والتي أجاب عنها سبحانه في آيات خلقه النفس التي تعدت الثلاثمائة (300) آية بكل وضوح وتفصيل دقيق ، وأولها ماذا بعد خسارة النفس للجسد الذي تتعامل به مع الحياة وأين يتوفاها الله ، وهنا نتوقف عن قول الله تعالى .. { .. وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }المؤمنون100 ، والبرزخ هنا ذكر في كتاب الله ثلاث مرات بمعنى الحاجز والفاصل بين الأشياء والمخلوقات طبقا لقوانين خلق الأشياء ، التي تسمح بوجود مخلوقات متنوعة ومتعددة في حيز المكان الزمان الواحد دون أن يكون بينهما اتصال أو تداخل مثلما يتواجد الملائكة في حيز الأشعة فوق البنفسجية والجن في حيز الأشعة تحت الحمراء ولا يراهم الإنسان الذي يرى فقط ما يظهر في حيز الأشعة المرئية ما بين (400 : 700) نانومتر ، فلا يرى الإنسان الضوء صاحب الموجات الأطول والتي تمثل الأشعة تحت الحمراء والتي يرى فيها الجن ، وكذلك لا يرى الضوء صاحب الموجات القصر التي تمثل الأشعة فوق البنفسجية والتي يرى فيها الملائكة ، بل وكذلك يمكن للجن أن يعبروا خلال جسد الإنسان لخفة مادة أجسادهم الأصلية عن جسد الإنسان ، وبالتالي فنفوس من ماتوا تتواجد حولنا وترانا ولا نراها "لو شاءت وإذن لها الله" ، ولكن هذه النفوس ليس وظيفتها ولا من طبيعتها البقاء حول من تركتهم في الدنيا كما نعتقد ، لأن لها مهام أخرى بعد موت جسدها من تلك النشأة التي غادرتها بالموت ، لأن الخالق سبحانه شاء أن يكون لها نشأة أخرى {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، نشأة جديدة يتوقف طبيعتها على نتائج النشأة المنتهية بالموت فيقول سبحانه في تفاصيل لحظة الموت وما بعدها .. { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ، عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُون} . فقد شاء الله أن تكون النشأة الجديدة مجهولة ليكون الإنسان غير متأثر بما ينتظره بعد مغادرته النشأة التي يحياها ، بل وشاء سبحانه أن ينسى الإنسان بفطرته فلا يتذكر نشأته السابقة عند دخوله لنشأة الجديدة .
وبالتالي .. فأصحاب نظرية التناسخ قد لمسوا حقيقة تكرار الحياة ، ولكنهم بخيالاتهم زوروا الحقيقة فلا يوجد تناسخ للنفوس فلا تدخل النفس البشرية جسد أحدا آخر مطلقا ، ولا علاقة للروح بحركات النفس البشرية ، النفس في كل نشأة يمنحها الله جسدا جديدا بمواصفات مختلفة تتناسب مع طبيعة وتفاصيل اختباره الجديدة ، فتدخل النفس الجسد الجديد وهو جنينا ثم تولد به لتحيا به أجل هذه النشأة الجديدة ، ولا عجب في هذا ولا تعارض مع ناموس الخالق ودينه ، لأن كل نشأة هي تمثل ورقة اختبار جديدة ولها تقييمها ، وعلى أساس النتيجة تتحدد نوعية النشأة التالية إلى يوم القيامة ، حيث يكون الحساب لكل نفس على محصلة أوراق إجاباتها (نشآتها المتتالية) ، وهو قمة العدل من الخالق ليسمح للنفس ان تختبر في شتى مواد الاختبار في الحياة الدنيا ، وهو ما ينبه الإنسان ألا يقع في المحظور فيعيب على معطيات بشر غيره أبدا ، سواء شكله أو بلده أو دينه أو لغته أو أيا من معطيات حياته ، لأنها في النهاية هي معطيات يحاسب الله كل إنسان في كل مرة على قدرها ، وهو ما يؤكده سبحانه في معرض حديثه عن الاستخلاف وقيوده وشروطه بقوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165 ، ولذلك فليحذر كل منا أن يعيب أو يسخر من معطيات بشر آخر أو ينكر عليه ظروف حياته أو حتى قناعاته ومعتقداته فهي محل اختباره هو ، ولا علاقة لمخلوق بما رزق الله به غيره من خير أو شر ، ولا يحق لبشر أن ينتقد معطيات غيره خاصة ولو كان دينه وما يعتقده ويؤمن به ، ولكننا مأمورون بالتسابق في فعل الخيرات لإعمار الأرض فقط وهو ما يؤكده سبحانه بقوله تعالى .. { .. لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48 .
ولذلك فليحذر الذين يسخرون "مثلا" .. من عبدة البقر أن ينشئهم الله نشأة جديدة في أمة تعبد البقر أو الشمس أو الماء أو حتى ملحدة ، ليقيم عليهم الحجة ويؤدب نفوسهم بعقاب من جنس ما سخروا منه ، وبالتالي فليحذر كل منا أن يسخر من صاحب عاهة أو معوق الجسد أو العقل أو فقير أو مريض ، لأن هذا هو أهم وأخطر الديون التي يتحملها الإنسان وهو لا يدري أن عقابه سيكون بمثل ما سخر منه أو عابه ، وهو أمر محتوم لا فرار منه ، وهذا هو عين العدل من الخالق بين خلقه ، وبالتالي فلا مجال للفخر والتباهي بما يعتقده بعضنا بصحة أو صدق دينه ومعتقداته ، فما خلقك الله مسلما أو مسيحيا أو يهوديا لأن الله يحبك ويكره غيرك ، ولكنها معطيات أنت محاسب عليها ، ولذلك فالمسام مسئول ومحاسب على كل حرف في القرآن الكريم ، ولن يعذرهم أن غيرهم منعهم من محاولة فهمه ، أو حصر فهمه على بعض البشر بمسمى العلماء ، لأنه سبحانه لام المسلمين على عدم محاولتهم فهمه أكثر من مائة مرة بقوله تعالى "أفلا يعقلون" ، "أفلا تعقلون" ، "أفلا يتدبرون" ، "أفلا يتفكرون" ، "يفقهون" ، ثم قطع الطريق على الكسالى بقوله تعالى .. {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }العنكبوت69 .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
