أفعال الإبداع في القرآن (2) .. بقلم : جمال عمر


توقفنا من قبل عند أفعال الإبداع لله تعالى وبدأناها بـ "الإبراء" والذي هو خلق الأشياء من العدم ،وقلنا أن الله لم يمنح لمخلوق القدرة على امتلاك هذا الفعل فهو خالصا لله وحده ، ثم تحدثنا عن فعل آخر أشرك الله الإنسان في بعض من القدرة على امتلاكه وهو فعل "الإنشاء" ، وهو فعل غفل عنه مفسري القرآن ومتدبريه عبر قرون طويلة ، رغم أنه من أهم الأفعال التي ذكرها سبحانه في معرض خلقه للإنسان والحياة من حوله ، فقد ذكر سبحانه وتعالى فعل "الإنشاء" في القرآن الكريم أكثر من عشرين مرة ، وارتبطت جميعها بخلق النفس ثم بخلق جسد الإنسان وكذلك بتعاقب السلالات البشرية ثم بخلق الجنة وما فيها من إبداعات خلق الله من الجنان وحور العين .

وربما من القريب للعقل البشري أن يكون "الإنشاء" فعلا مقبولا لخلق مكونات الجنة ، ولكنه في خلق "الإنسان" ثم في خلق "حور العين" يعد فعل "الإنشاء" غريبا وملفتا للنظر لمن يهوى الفهم والتدبر ، فـ "الإنشاء" في معاجم اللغة بمعنى "أَحدثَ الشيء وأَوجده" وترتبط في لغة الكلام بتأليف وتنسيق المعاني للكلمات وفي الإعمار تعني البناء والتنسيق والتجهيز للمنشآت ، ولكن فعل الإنشاء يرتقي ويختلف كثيرا في الاستخدام القرآني لمعانيه في خلق الإنسان ، فسبحانه وتعالى يسمي "لحظة دخول النفس لجسد الجنين بعد اكتماله في نهاية الشهر الرابع" بالإنشاء بقوله تعالى .. {.. ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14، فعملية الإنشاء هنا جعلت من الجنين خلقا آخر مختلف عن مراحل تكوينه السابقة لهذه اللحظة ، لأن المخلوق الجديد أصبح إنسانا جديدا له وجود على الأرض ، بدخول النفس "التي هي الإنسان" إلى جسد جديد ، لتستخدمه في رحلتها على الأرض خلال أجل محدد .

ولذلك فعملية الإنشاء تعد أهم وأبرز العمليات التي تحكم خلق الإنسان ، وتعلن وجوده في الحياة على الأرض في جسد من مادتها "سلالة متقدمة من طينها" ، وبذلك يكون معنى الإنشاء المجرد هو إدخال للمخلوق الأهم "النفس" في شيء آخر "جسد حي مكتمل ومناسب" ، وبالتالي تصبح مراحل خلق الإنسان قد مرت بمراحل رئيسية منفصلة عن بعضها قبل جمعها سبحانه بالإنشاء ، فكانت المرحلة الرئيسية الأولى هي مرحلة خلق "النفس البشرية" بكل خصائصها الفطرية وقدراتها ، ثم مراحل خلقه سبحانه للجسد الحي والمكون من مادة الأرض "سلالة الطين" مضافا لها الروح والتي هي سر الله في إحياء كل جماد ، وبالتالي لابد وأن ننتبه بأن النفس لا علاقة لها بالروح مطلقا ، سوى أن "الروح" تحي الجسد الذي سوف تدخله النفس وتحتله وتستخدمه خلال حياتها على الأرض ، التي تبدأ بالإنشاء ، فيكون الإنشاء هنا هو العملية النهائية لمراحل خلق الإنسان الحي ، وبالتالي فالإنشاء هو بداية الحياة على الأرض ، والذي هو عكس عملية الموت تحديدا ، لأن الموت كما يوضحه القرآن ليس موتا للنفس التي هي أصل الإنسان ولبه ، ولكن الموت هو حالة مغادرة النفس للجسد نهائيا بلا عودة لنفس الجسد مرة أخرى ، ولكن النفس تغادر الجسد يوميا للنوم ثم تعود إليه وتستطيع دخوله واستخدامه لو وجدته حيا "ما زالت الروح فيه" ، ولكن عند الموت فالنفس هنا تذوق ألم خروج الروح من الجسد ، تماما مثلما ذاقت بهذا الجسد كل متع وآلام الحياة من قبل ، فالموت هو نهاية علاقة النفس بالجسد الذي اعتادت استخدامه ، كما أن الإنشاء كان هو بداية علاقة النفس بالجسد الجديد في رحم الأم .

فإذا كانت الحياة بدأت بخلق الله للنفس التي أذن لها أن تحيا ، ثم يخلق لها جسدا يبدأ بناءه في رحم أنثى بعد التقاءها بذكر في عملية تزواج ويتطور "أطوارا" حتى يكتمل في أربعة أشهر ، وعندها يأذن الله للنفس أن تدخل الجسد لتحتله وتتدرب على استخدامه في رعاية كاملة لخمسة شهور أخرى داخل رحم أمه ، فإن الموت ببساطة يعني فقدان هذه النفس للقدرة على استخدام الجسد مرة أخرى "لتلفه بسبب مغادرة الروح للجسد" سواء فجائيا بحادثة أو بالموت التقليدي الذي يبدأ بضعف هذا الجسد وعدم قدرته على تلبية مطالب ورغبات النفس ، ثم تذوق النفس ألم مغادرة الروح لهذا الجسد "كل نفس ذائقة الموت" ، فتصبح النفس حرة بلا جسد ، فيتوافاها خالقها .. إلى أين ؟؟ وماذا يفعل الله بها ؟؟ ، وهل هذا إيذانا ببدء حساب النفس ودخولها للجنة أو النار ؟؟ ، ولكن هذا مستحيلا فالحساب هو في يوم القيامة والذي هو يوم مشهود ، يحيي فيه الله جميع خلائقه ويوفيهم حسابهم ، وهو ما يعني أن النفس التي تفقد جسدها بعد نشأة قد عاشت حياتها وانتهى أجلها فيه ، سوف تبقى منتظرة ليوم الحساب ، ولكن .. أين سوف تنتظر .. ؟؟ وماذا ستفعل حتى حينها ؟؟ ، وهل هناك عذاب وحساب قبل يوم القيامة ؟؟ ، هذا ما أجابه سبحانه وتعالى بمنتهى الوضوح والتفصيل ولكن يبدو أننا لم نقرأ ولم نفهم أو نعقل ما يقوله لنا خالقنا سبحانه وتعالى ، بل وتعمدنا تصديق أساطير وتخاريف البشر وخيالاتهم .. وتجاهلنا تماما ما أخبرنا به الله في كتابه العزيز.


يقول سبحانه في وصف لحظة موت ابن آدم في سورة الواقعة .. { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ، عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ } ، فسبحان يؤكد أن الموت مقدر لكل إنسان ، والله يبدل البشر بعضهم ببعض ، ثم ينشئهم فيما لا يعلمون ، فهو قرار من الخالق عز وجل بأن ينشئ النفوس بعد الموت (فقدان الجسد) في نشأة جديدة ، تماما مثل النشأة التي يغادرها الآن "لحظة موته" ، وإذا سألتم كيف هذا ، فتذكروا النشأة الأولى التي تغادروها الآن بالموت ، والتي تعلمونها جيدا ، وهي التي ذكرها سبحانه في سورة المؤمنون بترتيب دقيق لمراحل الخلق بقوله تعالى .. { .. فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } ، فهل معنى هذا أن هناك نشأة أخرى كما يقول أنصار أساطير التناسخ والعودة للحياة ؟؟ ، نعم هناك نشأة أخرى يقول عنها رب العزة في سورة النجم .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، فهناك لكل نفس غادرت الحياة نشأة أخرى ربما مرة وربما مرات حتى يأتي يوم القيامة وهو ما سوف نستعرضه من آيات القرآن لاحقا ، ولكن لا ننسى أن هناك نشأة آخرة "أخيرة" والتي يقول عنها سبحانه وتعالى .. {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ .. }العنكبوت20، وهي النشأة التي سوف نحاسب بها يوم القيامة ويستفيض في وصفها الكثيرون .

ليس هذا فكرا خياليا ولا لمحة من أساطير اليهود ومن يصدقهم ، ولكنه الحقيقة المجردة والتي قررها الخالق العظيم منذ أربعة عشرة قرنا من الزمان ولكننا تجاهلنا فهم آياته التي أنزلها لنا ليعلمنا ما لم نكن نعلم ، بل وفضلنا أن نصدق ونروج أساطير المخرفين والمزورين لدين الله وحقائقه ، فسبحانه وتعالى جعل كل نشأة حياة هي ورقة اختبار للإنسان في الحياة على الأرض ، ولا مانع أن تختبر النفس البشرية مرتان بل والعديد من المرات ، ولا مانع أن يكون لها إعادة لاختبارها لو فشلت (الملحق للراسبين) ، ولكن كل مرة تعاد فيها النفس للحياة "بنشأة جديدة" لابد وأن يكون لها شروط وضعها سبحانه وجعلها من ناموس خلقه للحياة ، فمثلا هناك "ملحقا" لسداد الديون ، إذا انتهى فرصة الأجل في الحياة وخرجت النفس من نشأتها التي عاشتها ، ولكن خرجت وما زال عليها ديون كبيرة لم تسددها مثل قتل نفس أو تعذيب لنفوس ، فلابد لها من "عودة" لتدفع ثمن فعلتها بتذوقها ما أذاقت منه غيرها ، وهو مصداقا لقول رسوله الكريم { .. افعل ما شئت فكما تدين تدان } ولكن الله يضع شروطا للعودة ، ويصفها سبحانه في لحظة الموت في سورة الواقعة أيضا بقوله تعالى .. فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ، وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ ، فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } ، ونلاحظ أن سبحانه قد وضع شروطا أولها ، أن يكون عليه ديون ، فنفي النفي إثبات بـ (لا ، غير) في قوله تعالى .. {فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} ، والشرط الثاني أن يكون صادقا عند سؤاله عن ديونه ، وهو ما يؤكد كذب ادعاءات البعض بأن هناك ما يسمونه عذاب القبر ، فلا علاقة للقبر والجسد البالي بسؤال النفس عن ديونها ، حتى أن رسول الله قال عند دفنه لجسد ميت { ادعوا لأخاكم فإنه الآن يُسئل) ، ولم يقل يحاسب ولا يعذب ، فإذا صدقت النفس بعد خرجها للموت واعترفت بذنوبها ، فذلك كافيا أن يؤذن لها بالعودة للحياة بنشأة أخرى مختلفة ، ناسيا تماما كل ما كان يعرفه من نشأته السابقة ، وذلك هو قمة العدل والحياد في تنفيذ الاختبار أو الملحق البشري بنشأة جديدة ، ولذلك لا عجب ولا اعتراض لموت شاب أو طفل ، فلله في خلقه شئون لا يعلمها إلا هو سبحانه .

ولا شك أن الحديث عن النشأة للنفوس في أجساد هو حديث طويل ، ويوضح كثيرا مما خلطنا فهمه وزورنا مفاهيمه ، وهو ما جعل كثير من البشر يعتبرون حياتهم ومتعتهم في الدنيا هي الهدف من وجودهم ، وهو أيضا ما جعل الكثيرون من المسلمين يتكاسلون ويتحولون لدراويش ، وهو ما جعل البشر عامة يزورون المفاهيم ويعيشون في أوهام وخرافات نسجوها من خيالاتهم ، فتفرقوا وتكارهوا وتعادوا وفسدوا وأفسدوا حياة بعضهم بعضا ، وسقطوا أسرى لإبليس الذي أقسم يوما بقوله .. {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }ص82 ، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا ، رغم أن الله نبهنا بقوله تعالى .. {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ }الأعراف30 ، بل وحذرنا سبحانه من تجاهل آياته بقوله تعالى .. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً{103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً{104} أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً{105} ، ومن أظلم لنفسه ممن يتجاهلون آيات الله والقرآن بين أيديهم .. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ }السجدة22 ، وقوله تعالى .. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً }الكهف57 ، فما أنزل الله القرآن لنتخذه حجابا وتبركا أو لنتعلم منه الحدود والفروض والمعاملات فقط كما يفعل المسلمون الآن ، ولكنه دستور الحياة من الخالق للمخلوق والذي شاء الله أن يزخر بكل العلوم التي يجب أن يتعلمها ليؤدي بها مهمة عبوديته (العبادة الحقيقية) التي خلقه من أجلها وهي "إعمار الأرض كخليفة لله عليها" ولكي نعرف ونعلم حقيقة خلقنا ومراحل تطور حياتنا على الأرض وبعدها ، وحقيقة الأشياء وما ينتظرنا من نشأة لأخرى حتى النشأة الآخرة والأخيرة يوم الحساب ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *