لسنا بصدد إثبات أن القرآن هو قول الله الفصل {.. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً }النساء122، وأنه حديثه المتصل للبشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها {.. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً }النساء87 ، فقد أثبت ذلك "الكافرون به" عمليا عندما أنشأوا معاهدا لدراسة علوم القرآن البحتة وعلوم الخلق ، والتي تحتل أكثر من 45% من آيات القرآن ، لأنهم اكتشفوا صدقه ودقته المعجزة ، ولما لا .. وهو دستور الحياة على الأرض الذي أنزله الخالق العظيم ، ليعين بني آدم على تنفيذ مهمة العبودية التي خلقهم من أجلها ، والتي استحقوا عليها (سجود – استغفار – دعاء – حفظ) الملائكة ، ألا وهي إعمار الأرض بالعلم والعمل والكدح ، كما أننا لسنا بصدد إثبات أن أداء مهمة العبودية هذه هي العبادات الحقيقية ، وبالتالي كذب الادعاء زورا بأن الفروض التي سماها سبحانه وتعالى بـ (المناسك والشعائر) ليست هي "العبادات" ، ولكنها فروضا قد فرضها سبحانه وتعالى لضمان استقامة الإنسان في أدائه لمهمته المقدسة كخليفة لله على أرضه ، ولكننا بصدد التوقف عند قوله تعالى {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ .. ) وهو تساؤل خطير يحمل لوما وعتابا من المولى عز وجل لبني آدم ، يتعجب فيه سبحانه وتعالى ممن أنزل لهم هذا الكتاب "لماذا لا يتفكروا ويعقلوا ليفهموا ما جاء فيه" ، وقد ورد هذا التساؤل تحديدا في القرآن العظيم مرتان ، الأولى في سورة النساء بقوله تعالى {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً }النساء82 ، والثانية في سورة محمد بقوله تعالى .. {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }محمد24.
ويعد من أهم ما يجب أن يتدبره القاريء للقرآن هو أفعال الله التي يذخر بها القرآن العظيم ، لأنها المصدر لأفعال البشر المكلفين بإعمار الأرض كخلفاء لله عليها ، لقوله تعالى {.. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا .. }هود61 ، ويعد من أبرز ما يجده الدارس في كتاب الله من الأفعال هي "أفعال الإبداع" ، والإبداع هو "الإتيان بالجديد" ، وهي الصفة التي منح الله بني آدم بعضا منها في فطرة خلقه لنفوسهم ، لتعينهم في مهمتهم المقدسة والتي خلقهم من أجلها وهي "إعمار الأرض" ، فكل منا "كما قلنا من قبل" ومنذ طفولته يريد أن "يأتي بجديد" ، فيسعى دوما أن يبهر غيره بشيء جديد ليتميز وحده بقدرته على فعله ، فيرتقي شعورد بقيمة ذاته ، وهي صفة تكبر مع الإنسان بتقدم سنوات عمره وزيادة قدراته فيتزايد معها تأثير الإنسان في الحياة ليثبت وجوده وتميزه بين البشر ، ولذلك فصفة الإبداع الفطرية في نفوس البشر والتي تظهر في صورة شهوة متجددة ومتزايدة ، تعد من أهم أسرار وأسباب تطور إعمار الأرض وبالتالي حياة البشرعليها ، ولكنها أيضا .. من أهم أسرار وأسباب فساد وإفساد البشر لحياتهم على الأرض ، وذلك عندما يسيء البشر استخدام هذه القدرة .
وأفعال الإبداع للخالق العظيم خارج حدود الإحصاء الفعلية ، فالخالق العظيم كما يقول سبحانه {.. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الشورى11، فلا يجوز الظن بأن مخلوقا مثل "بني آدم" سوف يستطيع أن يحصي أفعال خالقه ، وبالتالي فالمخلوق لن يحصي أو يفهم إلا ما يعلمه له خالقه في حديثه المنزل ، وليتنا نستطيع ذلك بتدبر العلوم التي يذكرها سبحانه في كتابه العزيز {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ..} ، وفي محاولة الحصر نجد أفعال الإبداع لله في القرآن الكريم تقترب من مائة فعل لله تعالى ، ونجد معظمها واضحا في أسمائه الحسنى ، ولكننا نتوقف هنا عند أفعال بعينها متعلقة بخلق الإنسان تحديدا ، لأنه المكرم من خالقه والمفضل على كثير من خلقه لجلال مهمته .. {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70 .
ومن أبرز وأهم أفعال الإبداع لله هو "الإبراء" وهو خلق الأشياء من العدم ، وهذا الفعل لم يشرك الله معه أحدا من مخلوقاته فيه "والله أعلى وأعلم" ، ولكنه سبحانه أشرك بعضا من البشر في القدرة على فعل "الخلق" ، فالخلق هو إضافة أشياء موجودة لأخرى موجودة أيضا ، لينتج شيئا ثالثا له صفات مختلفة وجديدة ، وهو ما نفعله دوما في كل شيء ، بداية من خلط الماء بالتراب وحرقه لينتج لنا قوالب للبناء ، وانتهاء بصناعة رقائق الدوائر الأليكترونية من الرمال ، أو صناعة مكوك فضاء أو محمول أو إنسانا آليا يجيد كثير من أعمال البشر ، ولذلك يقول سبحانه في كتابه العزيز .. {.. فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14 ، كإثبات وتقرير أن فعل "يخلق" قد منح الله بعضا منه للبشر ليعينهم على إعمار الأرض .
ولكن يبقى هناك فعلا فريدا ذكره الله في معرض حديثه عن خلقه للإنسان ، وتحديدا عند لحظة دخول "النفس" للجسد "لأول مرة" بعد اكتمال خلقه عبر أطوار (مراحل) خلقه ، وهو فعل "الإنشاء" والذي عرفناه في قوله تعالى في سورة المؤمنون {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14 ، ولا شك أن الله منح الإنسان بعضا من قدرة فعل "الإنشاء" ، ولكنها قدرة محدودة على إنشاء موجود في موجود سواء كان جمادا ليبني بيتا أو حيا لينتج نباتا جديدا أو حشرة من نفس النوع أو متوافقة ، فيكون الناتج يحمل صفاتا من الكائنين الأصليين ، ولكنه سبحانه لم يمنح قدرة إنشاء خلقا جديدا بالمرة لمخلوق أبدا ، كما لم يمنح قدرة إدخال النفوس في الأجساد لمخلوق مطلقا ، فالنفوس أبرأها الله من العدم كجميع الأشياء ، والأجساد خلقها الله من سلالات متطورة من مادة الأرض عبر أطوار "مراحل" خلق متتالية ومتطورة بداية من حيوان منوي لا يزيد عن كونه أحد المخلوقات الدقيقة المخلوقة من الماء وبعض الخلايا البسيطة ، تماما مثل أي نوع من الفطريات أو البكتريا أو الفيروسات وأسماه سبحانه بالنطفة ، ورسم له دورة حياة بداية من اقتحامه لبويضة لينقسم فيها ويبدأ داخلها رحلة النمو والتطور بداية من العلقة فالمضغة فالعظام ثم اكتمال أجهزته ليصبح جسدا متكاملا لإنسان بعد مائة وعشرون يوما (أربعة أشهر) من بداية الحمل ، وعندها فقط يقع الحدث الأكبر والأهم ، والذي يصفه الخالق العظيم بقوله تعالى .. " ثم أنشأناه خلقا آخر" ، فعند هذه اللحظة تقول الأم الحامل أن الجنين قد تحرك ، ويقول العلم أن الجنين قد أصبح له حركات إرادية لها مجالات مغناطيسية إرادية مختلفة عن دقات قلبه وحركة نمو خلاياه و"مجاله الكهرومغناطيسي" المنتظم ، فقد دخلت النفس للجسد لأول مرة ، وأصبح المخلوق الجديد من هذه اللحظة فقط "إنسانا" ، والذي هو "خلقا آخر" مختلفا تماما عن كل أطوار خلقه السابقة ، فتلك هي لحظة "إنشاء نفس الإنسان الجديد في جسده" بعد اكتمال الجسد وصلاحيته لأن تستخدمه النفس الجديدة ، لتتدرب على استخدامه خمسة شهور كاملة في رعاية تامة داخل رحم أمه ، قبل أن يؤذن له ببداية تدريبه التالي خارج جسد أمه ولكن إلى جانبها وفي رعايتها الكاملة .
وليس من العجيب .. أن نرى هذه النفس الجديدة حساسة وقلقة "خوافة" خلال شهور التدريب الخمسة الأخيرة من الحمل ، فمجرد تعرض الأم لأي مؤثر سلبي كشجار عائلي أو ارتطام جسدي ، يسكن الجنين تماما ويمتنع عن الحركة ، فتقول لك أمه أنه لم يعد يتحرك ، ولكن الحقيقة أنه قد هرب تماما من هذا الجسد ، وتركه ولن يعود إليه إلا لو اطمئن ، فهذه النفس ما جاءت لتتألم أو تشقى منذ بداية دخولها لهذا الجسد ، فهي قد تعلمت مبكرا كيف تهرب من الجسد ، فلا عجب لو أصبح هذا الإنسان في حياته فيما بعد ضعيف النفس ، محترفا للهروب من جسده ، فيكون كثير النوم أو الإغماء أو ميالا للعزلة في حياته ، فالنفوس تتعلم عاداتها منذ أول لحظة لدخول جسدها الجديد في رحم الأم ، ولذلك فنصيحة الرفق بالحوامل ليست مبنية على العواطف والشفقة والرحمة ولكنها أسسا هامة وحاكمة في خطوات إنتاج إنسان جديد سوي النفس ، بل من عجيب خلق الله للبشر ، أن الطفل الذي تعاني أمه من المشاكل والمشاحنات خلال أشهر الحمل الأخيرة ، لا يصبح سويا مطلقا ، بل يصبح عدوانيا ، فقد اعتاد أن يسمع ويحضر مشاحنات أمه ، بل واعتاد جسده على معدلات إفراز هرمونات بعينها متعلقة بالحالة النفسية السيئة لأمه ، فنلاحظ بعد ولادته أنه طفل كثير البكاء والمشاكل في مراحل حياته ، فقط لأنه اعتاد هذا في أول أيام علاقته بجسده داخل رحم أمه .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر

