أبناءنا الأحباء .. رفقا وعذرا …. بقلم : جمال عمر


عبر حياتنا القصيرة في الدنيا "مهما طالت" ، تمر بنا مواقف ولحظات عظيمة وشديدة التأثير على نفوسنا ، وتثمر عن انفعالات ومشاعر تتأرجح ما بين الإيجابية والسلبية كالفرح والحزن والرضا والغضب والاطمئنان والخوف لتترك في النهاية قناعات بعينها تصبح علامات إرشاد تقود الإنسان لإدراك "روعة الحكمة في ناموس الخالق العظيم" ، ولا شك أن أوقات الانتطار التي تسبق اللحظات والأحداث السعيدة عادة ما تكون أكثر بهجة وفرحا وانبساطا نفسيا واستبشارا من لحظات الوصول للحدث نفسه ، فأيام ما قبل الأعياد تكون دوما أكثر جمالا من العيد نفسه ، وكذلك أوقات انتظار الأحداث المؤلمة أو المزعجة عادة ما تكون أشد إيلاما من الأحداث نفسها ، بل غالبا ما يعقب أوقات المشاعر السلبية لحظات أكثر راحة ، فتضفي على النفس " مثلا " سعادة وراحة بانتهاء أيام الامتحانات والاختبارات ، وأيام الحمل رغم متاعبها وشقائها فهي سعيدة بانتظار المولود الجديد ومن سيحمل مشعل الاستخلاف من بعدنا ، ورغم آلام ومتاعب الولادة إلا أن كل ذلك يتلاشى مع أول صرخة للقادم الجديد ، وهكذا تتداخل على الإنسان في حياته حلقات من المشاعر السلبية والإيجابية مثل اختلاط انفعالات الخوف والسعادة والراحة والتوتر والغضب والسعادة في منظومة غريبة ومتناغمة بتواتر عجيب مثل منظومة النفس البشرية ، إلا أن منظومة الحياة أصبح تداخل الانفعالات والمشاعر والأحداث متسارعا بصورة مربكة ، حتى أصبح التباين متداخل على مدار الساعة بل الدقائق ، خاصة في السنوات الأخيرة بعدما تسارعت وتيرة كل شيء بتسارع التطور التكنولوجي وتأثيراته الخطيرة على حركة حياة البشر .

وليس عجيبا .. أن يصاب بعض الناس بالبلادة وفقدان الإحساس بالمكان والزمان ، فنفوسهم المسكينة لا تجد وقتا  لراحتها ولا فرصتها لتفرح أو ترتاح أو تتأقلم أو حتى تحزن ، فالأحداث متلاحقة ومتراكمة بل هي متداخلة لدرجة فقدن القدرة على الإحساس بطعم الحدث أو استيعابه ، وهو ما يجعل من المألوف أن لا يجد الإنسان وقتا ليفهم أو يدرك أو حتى ليحب أو يستمتع بحبه أو يستمتع بصداقاته أو حتى يعرف ما هي حقيقة مشاعره تجاه أي حدث ، فالأمور أصبحت متسارعة بصورة مخيفة ومرعبة ، خاصة لأمثالنا ومن عاشوا حياة زمن التأثيرات البطيئة أو المؤجلة ، حيث لم يكن هناك هذا السعار السريع لإيقاع الأحداث ، وهو ما تسجل أبلغ معانيه " مثلا " أغنيات أم كلثوم أو توتي شيري "جدة أحمس" كما يسميها بعض أبناؤنا اليوم ، والتي كانت تغني أغنية مثل " الآهات " فتردد سبعة آهات متتاليات على مدى نصف ساعة أو ساعة ، فتتذوق فيها طعم كل "آه" منها منفردة ومندوحة ومحسوسة ، أو عندما تردد وتكرر " مثلا " نداءها الشهير " يا حبيبي " سبعة عشرة مرة ، أو تتكرر كلمة واحدة من الأغنية مرات ومرات مثل " الليل " ، ويسبح كل من يسمعها في بحور من خيالاته حول الليل ، أو ينادي كل عاشق على معشوقه ، بل كان وما يزال مطلع أي موال هو النداء المطول "يا ليل يا عين" ، ثم تنتبه فجأة بلا مقدمات وكأنك قد سقطت سهوا من كوكب آخر ، تجد نفسك قد أصابتك الروشة والجنون ولا تدري ماذا تقول وأنت مفجوع بشابة أو شاب ربما أصابه الهوس يرقص "متنططا" مثل كرة اسكواش مجنونة وهو يصرخ والشباب والبنات من خلفه {وقابلته وحضني ودلعني ومتعني وقطعني وهجرني ودبحني وسيحلي وفي الآخر باعني وجنني} ، والعجيب أن هناك عقولا يبدو أنها تستوعب كل هذه الأحداث الجسام في أقل من عشرة ثوان ، أو ربما لايعنيهم كثيرا أن يستوعبوا ما يرددون أو يسمعون ، فتترحم على نفسك وعلى جيلك الذي "أسفا" تعود أن يستطعم كل شيء في زمن كان الشاعر والملحن والمطرب ومن يسمعه يستغرقون ساعات طويلة حتى يصلوا بالحروف والآهات والنغمات إلى لمحة من محيا الحبيب في شطحات الخيال .

  

سامحوني .. فالمقارنة ظالمة وجاحدة .. لأنني أقارن بين قطعة الموبيليا الفريدة الشامخة التي كانت تسمى في عصر سابق بالـ " راديو " ، وكنا ننتظره طويلا حتى تضيء وتسخن لمباته صاحبة الكاثود والأنود والمنصهر بينهما يحمر ثم يصفر لونه ثم ينتقل للبياض فتبدأ الأصوات تنبعث من سماعاته ، فتستطيع أن تنتقل ما بين "البرنامج العام" وهنا القاهرة إلى "إذاعة الشرق الأوسط" أو "صوت العرب" أو صوت "مونت كارلو" أو "الإذاعة البريطانية" أو غيرها من الإذاعات المحدودة تبعا لقوة لمبات جهازك "الجبار" ، فالمقارنة حقا ظالمة خاصة لو كان الطرف الآخر للمقارنة هو " المحمول أو التابلت " الذي يزن أقل من وزن لمبة واحدة من الراديو الفيلبس أو التليفونكن صناعة منتصف القرن الماضي ، والذي كان يتجاوز وزنه العشرة كيلوجرامات ، أي ما يوازي أكثر من مائة ضعف وزن المحمول حاليا ، ومع ذلك فأنت اليوم تستطيع أن تفعل بمحمولك التافه الوزن " في أقل من دقيقة " ما كان يستلزم ربما أياما بل قل شهورا ، وتستخدم فيها أكثر من عشرين جهازا ومعدة ومساعدة أكثر من عشرين شخصا .

  

ولست مبالغا .. فأنت اليوم تكلم أخيك في طرف الكرة الأرضية الآخر صوتا وصورة وقتية حية ، فتراه وتسمعه بل ويمكنك أن ترى وتحادث أسرته وأبناءه ، ويمكنكما أن تتبادلا نقل الأخبار والأحداث حية في لحظة وقوعها ، مقارنة بقدرات زمن مضى ، كان من الأيسر أن تسافر لأخيك من الإسكندرية إلى القاهرة في أربعة ساعات فتصل إليه في وقت أقل بكثير من انتظارك في أحد السنترالات لتستطيع أن تسمع صوته تليفونيا ، أو تطلبه من السنترال أن يحوله على رقمك في بيتك فيصلك الاتصال ربما بعد نصف يوم أو في اليوم التالي ، فالمقارنة ظالمة بكل المقاييس ، وبالتالي فالمقارنة في الفهم والمشاعر والتفاعل والتقدير والتواصل الإنساني أيضا ظالمة بكل المقاييس .

ولذلك .. بالطبع ليس عجيبا أن يكون أبناء الأجيال السابقة أمثالنا أكثر استقرارا وانضباطا والتزاما واستيعابا وتقديرا وتدبرا وحكمة ، لأن أبناء الأجيال الحديثة معذورون ، فهم لم يستمتعوا بنعمة الاستيعاب المتأني لحركة الحياة ، ومن أساسياتها معان الاحترام للبشر والقدور والمعان والوقت والنفوس والمشاعر وبالتالي للوطن والأم والأرض والعراقة والأصالة والقيم والتاريخ ، وبالتالي الحفاظ على ميراث تاريخي عريق ، لولاه ما كنا وما كانوا ، وما كان لشيء أن يكون مما كان ، وهم أيضا معذورون خاصة عندما تبهرهم مخترعات الغرب بتقدمها وتطور تقنياتها ، ولا يجدون لدينا سوى بعض قيم بالية عتيقة "على حد تعبيراتهم" ، فنحن لم نقدم لهم ما يقنع طموحاتهم وآمالهم في مستقبل أيامهم ، مقارنة بما خطف عقولهم واهتماماتهم وأبهرهم وجذبهم كما نقول كــ " النداهة " ، فما عادوا يسمعوا أو يستجيبوا لهراءاتنا عن الماضي والقيم والأصالة والعراقة والمباديء ، والتي أصبحت كلها شعارات لا تغني ولا تسمن من جوع في رحاب عقولهم ونفوسهم المخطوفة بجنون تسارع الأحداث .

ولكن يبقى دوما لهم نداء ورجاء " لا تصنعوا من أنفسكم ما كرهتموه منا أمام أبناءكم مستقبلا " ، فأبناءكم من حقهم أن يجدوا فيكم ما يستحق أن يكون قدوة تجذب انتباههم واهتمامهم ، وهذا لن يكون إلا بالجهد والكد والتعب والتعلم والعمل بلا كلل أو ملل ، فمن أبهركم وخطفكم منا في الغرب ، يتعبون ويكدون في تعلمهم وعلمهم وعملهم وإنتاجهم قبل أن يجيدوا الاستمتاع والانطلاق ، فلا تكتفوا منهم بإجادة الاستمتاع والانطلاق ، بل تعلموا منهم ما فشلنا أن نعلمكم إياه من علم وعمل وكد وكدح وإنتاج من أجل مستقبل أجيالكم القادمة ، حتى لا تذوقوا مرار ما نتذوقه اليوم منكم في نظرات عيونكم وابتساماتكم الصفراء من نكران وسخرية واستهزاء وملامة ، وأخيرا سامحونا فقد قدمنا ما كنا نعتقد أنه صالح لكم ، لأننا اعتقدنا خطئا أن المبالغة في رعايتكم سوف تجنبكم معاناة ما عانيناه من تعب في الحياة ، ونسينا أن النفوس مثل الذهب لا تخرج كنوزها إلا بالصهر في اعتياد تحمل أعباء المسئوليات ، وعذرنا .. أنه ما من والدين إلا وتمنوا أن يروا أولادهم أفضل منهم ملايين المرات ، واغفروا لنا تغافلنا عن فهم ناموس الخالق في خلقه ، وهو ما أدركناه متأخرا عندما باغتتنا متغيرات الحياة وفقدنا القدرة على تقويم ما أفسدناه فيكم ، وعذرنا أن مشاعرنا الضعيفة بحبكم قد تغلبت على متطلبات الحكمة في مواكبة ناموس الخالق في حركة الحياة ، لأنكم كنتم وما زلتم فلذات الأكباد ونتاج العمر وحبات القلوب بدقاتها ولحظاتها وأيامها ونتاج سنوات المعاناة والتحمل الطويلة المرهقة من أجل أن تسعد العيون برؤياكم أكثر أمنا ورقيا وسعادة وراحة وأمنا ، هداكم الله لما يحبه ويرضاه ويسعد قلوبكم وقلوبنا بكم ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *