المعرفة .. والوعي الجمعي …. بقلم : جمال عمر

مبدئيا وقبل أن نغرق في المفاهيم .. لمن يعنيه أن يكون مدركا لمفاهيم حياته كإنسان .. يجب أن نعلم أن العلم والإيمان هما مستويان متتاليان لشيء واحد هو المعرفة ، وقد اعتدت منذ سنوات أن أضرب مثالا بسيطا للفارق بين العلم والإيمان لتوضيح درجات ومستويات المعرفة ، فمثلا ، وأنت طفل لا تدري معنى الموت فأنت جاهل ، وبتقدمك في العمر ترى البعض يختفي ويقولون لك أنه توفى ، وهنا قد أصبح لديك (علم) لمعنى الموت ولكنك لا توقن به ، وفجأة يموت والدك أو أحد أقاربك وترى بعينيك تبعات موته فتصبح (فاهما) لمعنى الموت جيدا ، وعبر حياتك تصادفك أزمات صحية شديدة تظن أنك لن تنجو منها أو حادث شديد تقترب فيه من الموت وهذا سوف يجعلك (مدركا) لمعنى الموت ، وهذه الدرجات الأربعة في المستوى الأول من المعرفة (الجهل – العلم – الفهم – الإدراك) ، وعندما يتقدم بك العمر وتستعرض مراحل حياتك مقارنة بمن حولك في الدنيا ، يولد في نفسك (يقينا) بحتمية الموت ، وهذا (علم اليقين) هو أول درجات المستوى الثاني من المعرفة وهو مستوى (الإيمان) ، وفي لحظة وفاتك تصل إلى درجة (حق اليقين) في معرفتك بالموت ، ويبقى لك درجة أخيرة هي (عين اليقين) ، وتلك التي لا يدركها بشر إلا في يوم القيامة .

مراتب اليقين : اليقين درجات أولها علم اليقين وعين اليقين، ثم ...

فمستويات المعرفة هما اثنان { العلم – الإيمان } ، والمستوى الأول (العلم) ينقسم لأربعة درجات (الجهل – العلم – الفهم – الإدراك) ، والمستوى الثاني (الإيمان) ينقسم لثلاثة درجا (اليقين – حق اليقين – عين اليقين) ، وتتباين حركة حياة البشر تبعا لاختلاف قدور المعرفة لدى البشر بدرجاتها ومستوياتها ، ويستغل أبالسة الإنس والجن جهل عامة الناس بذلك استغلالا كبيرا ، وأبسطها ما يفعله ملوك التجارة في أي مكان بحملاتهم الإعلانية عن المنتجات أو الخدمات ، لدرجة أننا أصبحنا نرى كثيرا من المنتجات أو الخدمات الخبيثة الرديئة بل والمدمرة تحتل صدارة المبيعات ، كنتيجة مباشر لما يسمونه حملات التسويق ، والتي لا تعتمد مطلقا على جودة المنتج أو الخدمة أو الصالح العام للبشر ، ولكنها تعتمد على مهارة وحرفية عملية التسويق الذي أصبح علما خطيرا ومؤثرا ، باستغلال شهوات ورغبات وشطحات النفس البشرية ، واستغلال تدني مستويات ودرجات المعرفة لدى البشر ، ليس فقط ليقنعهم بالشراء ، ولكن أيضا ليخلق لديهم الشغف الدافع لهم دون تفكير لاقتناء المنتج أو الخدمة ، وكذلك أصبح العالم كله يدار بنفس المنطق في مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وعلى رأسها بالطبع الجوانب الدينية مع الشعوب المتدينة بالفطرة ، مثل شعوبنا العربية والمسلمة .

الناجون» من الربيع العربي (ملف خاص)

ولعل ما مرت به مصر والمنطقة العربية عبر القرون الأخيرة ، والتي ظهرت نتائجها بوضوح خلال العقود الماضية ، هو أبلغ أمثلة على نجاح عمليات تسويق الخداع والضلال ، واستغلال جهل الشعوب وغفلتها التي أدت لسقوطها أسيرة للمؤامرات الغربية بكل بشاعتها ونتائجها الكارثية ، والتي تجرعتها الشعوب واكتوت بنيرانها دون أن تشك تلك الشعوب لحظة أنه يتم التلاعب بهم لإسقاطهم ونهب ثرواتهم ، ليس فقط بشعارات كاذبة ومزيفة كالديموقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية ، ولكن بداية من دخول الفاطميين للقاهرة من أجل تحويلها لدولة شيعية ، ثم فشلهم الذريع على يد المصريين تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي ، ومرورا بالمماليك والعثمانيين الذين أدخلوا الانجليز لمصر ، وانتقالا لظهور الماسونية في مصر ، وانتماء علماء ورجال دولة لها في بدايات القرن الماضي ، والتي كانت تمهيدا دقيقا وماكرا لميلاد جماعة الاتجار بالدين مثل (إخوان المسلمين) ، والتي ولدت من رحم الماسونية ، وبأيدي وتدبير وإعداد ورعاية المخابرات البريطانية ، وتورط كثير من الشعب المصري في شباك الإخوان ، وما زال هناك حتى اليوم من ينتمي لهم كعناصر كامنة مختفية ، ومرورا بظهور السلفية (الوهابية) من رحم الماسونية الوهابية من الجزيرة العربية ، وبرعاية المخابرات البريطانية أيضا ، ولدرجة أن كبير علماء الماسونية (الألباني) نفسه ، كان ألبانيا لا يجيد اللغة العربية ولكنه عميلا للمخابرات البريطانية ومقره بالأردن ، وكان أشهر من تربى على يديه ثلاثي زعماء السلفية المصرية (الحويني – يعقوب – حسان) وهم تلاميذ نجباء للألباني الذي لا يجيد اللغة العربية .

التيار السلفي المصري.. من 25 يناير إلى الوقت الحاضر – رؤيا ...

وعند ذكر السلفية فحدث ولا حرج ، لأنهم تغلغلوا في الريف والصعيد المصري ، وما زالت آثارهم المدمرة مسيطرة على العقول والقلوب ، برغم سقوط الوهابية (الأصل) في بلدها الأصلية (الجزيرة العربية) ، ولكن ضحاياهم المغيبين ما زالوا يرون أن عادات السلفية كالنقاب واللحية الشعثاء هي من صميم الدين ، والتفريط فيها يقترب من الشرك بالله ، وهو ما يعني أن التسويق لانتشار السلفية كان ممتازا ومحكما ، ولديه البيئة المغيبة الجاهلة المستعدة لالتهام خرافات السلفية ، واعتبارها عين الحقيقة في الدين والتقرب إلى الله ، رغم أن مجرد التفكير المنطقي في أساسيات السلفية كفيل بأن يكشف زيفها وبهتانها ، وضلال تعالميها وعاداتها اليهودية الأصل ، وكأن صانعيها يسخرون من المسلمين ، ويستخدمونهم كعرائس خشبية تقلدهم وتنشر عاداتهم ، مثل نقاب العار اليهودي ولحية حاخامات اليهود الشعثاء ، بل إن هذا ما قاله أحد حاخامات اليهود تحديدا علانية متفاخرا باختراق العادات اليهودية لمجتمعات المسلمين ، وإجبارهم على تقليد المظاهر اليهودية للرجال والنساء ، ولكن علماءنا الأفاضل مشغولون أو متراجعون ولعلهم يوما يعلمون ما اقترفوه من خزلان أو جمود أدى لمزيد من التفريط والضلال .

ولا شك .. أن انفجار الإعلام في العقود الأخيرة كان مقصودا ، لملء فراغات العقول بما يخضعها لسيطرة الماسونية حرفيا ، وكان أبرز أهدافه هو خلق حالة الفوضى الفكرية لدى عامة شعوب الأرض ، خاصة في منطقتنا العربية والمسلمة ، لأنها المنطقة الوحيدة في العالم التي ما زالت فيها روابط الأسر والعائلات والأنساب ، وهو ما يؤرق ويزعج ويثير حنق وحقد قادة الماسونية في العالم ، حتى أصبح تفكيك روابط الأسر هدفا استراتيجيا أساسيا يسارعون بكل الوسائل الممكنة لتحقيقه ، سواء باستخدام الإعلام والترويج للانحرافات والعلاقات المحرمة تحت مسميات الحرية والحب والعشق والغرام والمتعة ، أو الترويج للشذوذ بل والزواج بين البشر والحيوانات ، أو نشر البلطجة والمخدرات ، وتشجيع البنات والسيدات على التمرد وترك البيوت ، واعلان التحدي وتفجير حملات المساواة مع الرجل ، وليذهب الأطفال للجحيم ، وإفساد أخلاق الشباب والرجال تحت مسميات التطور والمتعة وتقليد الغرب ، ليصبحوا مسوخا بشرية لا تتحمل ولا تستطيع الحفاظ على أسرة أو روابط عائلية ، مرورا بتدمير الفكر الجمعي للأسر والعائلات ، وتشريع عادات وقوانين خاصة لتعسير الزواج على الشباب ، فينتشر الفساد والانحراف والجرائم الاجتماعية ، تزامنا مع ظهور الإلحاد والرفض النفسي للدين كنتيجة مباشرة لانهيار وفشل الإخوان والسلفية المتعمد وتخاذل علماء الدين في الوصول لإقناع الشباب .

انتشرت صورة مؤخرًا لوزير الأوقاف الشيخ أسامة الأزهري وهو ...

ولا شك أن ما يحدث اليوم في العالم من صراعات هي نتائج مخططة لمؤامرات قادة الماسونية والمتنورين (مخترعي الصهيونية) على العالم عامة وعلى منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص ، والتي وصلت لمرحلة الفجور فأصبحوا لا يستحون أن يعلنوا للعالم أنهم السادة والمسيطرون ، وأن من يخالفهم فنهايته محتومة ومعروفة ، وهو ما قاله علانية بلطجي أمريكا الملقب بـ (دونالد ترامب) ، والذي لم يأتي صدفة ولا نتاج انتخابات ديموقراطية كما يظن الجهلاء والمغيبين ، بل إن صعوده كان مخططا بعناية ، من أجل سرعة تنفيذ ما تعطل من المخطط في عهد بايدن وأوباما ، وعلى رأسها استكمال السيطرة على الدول العربية كاملة ، وأولها مصر التي أفسدت نجاح المخطط في أحرج مراحله ، ولابد أن ينتهوا من اسقاط مصر بأي ثمن ، خاصة وأنها أصبحت قوة إقليممية لا يستهان بها ، وتجاوزت كل الخطوط الحمراء في قوتها العسكرية والسياسية بل والاقتصادية ، لدرجة أن الإعلام ومراكز الدراسات الإسرئيلية أصبحت تستغيث يوميا وتطالب أمريكا بسرعة التدخل لتحجيم قوى مصر المتنامية بشراسة ، والتي أذلت مخططاتهم فقط بواسطة مخزون الوعي الجمعي للشعب المصري ، صاحب أكبر ميراث نفسي تاريخي حضاري على الأرض ، وتلك حقيقة لا تقبل الجدل ولا السفسطة ولا المزايدة ، رغم أنف كل معارض أو كاره .

أخيرا .. لابد أن نتذكر دوما أننا في فترة زمنية مفصلية وحاسمة من التاريخ ، وسنكون بإن الله تعالى قوة عظمى بعدها ، أو نعود لمربعات التوابع للدول العظمى كما يحلمون ، ولا يعتمد ذلك على قوتنا في خوض المعارك السياسية والاقتصاية والعسكرية ، بقدر ما يعتمد على حجم الوعي الجمعي لهذا الشعب ، والذي يتعرض يوميا لمختلف أشكال المؤامرات الإعلامية ، باستغلال جميع الأحداث والحوادث ، بل وباختلاق أحداث وحوادث مضللة لصناعة تشتيت وفوضى لعقول ومفاهيم هذا الشعب ، وهو ما نراه يوميا على صفحات التواصل ، ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة ، والزاخرة بشتى ألوان الأكاذيب والتزييف للحقائق باستغلال مستويات الجهل المتزامن مع نهم عامة الناس للأخبار والحوادث المثيرة بغض النظر عن مصداقيتها ، مع إغراق الناس في فضائح وصراعات الفنانين والفنانات ولاعبي الكرة ، مع كثير من مؤامرات إثارة التعصب بين فئات الشعب والتي يديرها نادي بعينه كان وما زال وكرا خاضعا لإخوان المسلمين منذ عقود طويلة مضت ، ويعاني حاليا من سيطرة عناصر اخوانية عليه ، تحاول إشعال الفوضى والتناحر بين المصريين بشتى الطرق والوسائل ، مع استغلال أية أحداث أو سلبيات لتحريض الشعب على الحكومة والدولة لعلهم ينجحون فيثور الشعب ويقع في الفوضى .

وهنا يجب أن نذكر أنفسنا دوما بأن نتعقل في فهم وتداول أية أخبار ، خاصة لو كانت الأخبار ومن ينشرها يحرض الناس على الاعتراض والثورة ، ونتذكر أيضا أن تشجيع كرة القدم هو عمل ترفيهي لا يستحق أن نخسر فيه أوقات العمل ولا العلاقات العائلية والمجتمعية ، والأولى من إضاعة الوقت في متابعة أخبار اللاعبين والفنانات ، أن نتابع أبناءنا ونقوم سلوكياتهم ونحدد ما يشاهدونه على صفاحات التواصل ونوافذ الترفيه المشبوهة ، بل ونوافذ الألعاب التي أصبحت مليئة ببرامج تفاعلية تؤدي لانتحار الأطفال والشباب ، أو كارثة إقناعهم بالشذوذ والانحراف كنوع من ممارسة الحرية المطلقة ، ويجب أن يتوقف فورا كارثة اطلاق العنان للأبناء في الأجازة الصيفية للاستمتاع والسهر المدمر لكل شيء ، فالأجازة المدرسية ليست للمتعة ولكنها فرصة لتعلم أشياء جديدة أهمها ممارسة أعمال حقيقية تعلم الأبناء أهمية العمل والكد والكدح ، كما تفعل الدول المتقدمة والمحترمة مع أبناءها ، لتعلمهم تحمل المسئولية ، واكتساب الخبرات والقدرات ، وكفانا تخلفا وضعفا وتفريطا في حياة ومستقبل أبنائنا ، لعلنا يوما نفخر بأننا أحسنا تربيتهم وتعليمهم …

جمال عمر

 

 

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الحكمة .. وسوء استخدام الفطرة … بقلم : جمال عمر

تأملت طويلا سلوكيات البشر في حركة حياتهم ، وكنت أعجب من كم المتناقضات التي تجتاح …

تعليق واحد

  1. مقاله لها وقع كبير و هادف على العقول المنجرفه وراء مسميات اكذوبة الحريه التي تسقطهم في الهاويه دون أن يدركوا خطورة الموقف الذي يضعون أنفسهم به…
    تحياتي و احترامي لشخصك الكريم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *