الاتزان الكوني والشفرة الإلهية (4) …. بقلم : جمال عمر

استعرضنا سابقا بعضا من دلائل الشفرة الإلهية والتوازن الكوني الذي تفرضه في لمحات من حياة البشر ، ولكننا لم نقترب حقيقة من مفهوم الشفرة الإلهية الحقيقي ، لأنها تحتاج أن نكون مدركين معنى الاتزان الكوني الناتج عن الشفرة الإلهية في الخلق وحركة حياتهم ليس على الأرض التي نعرفها فقط ، ولكن اتزانا مع العوالم الموازية ، نعم هناك عوالم موازية ، وإضافة لما يقوله العلم حديثا عن وجود عوالم موازية ، فإن لدينا حديثا عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى .. “الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ”، حيث قال: “سبع أراضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيم ، وعيسى كعيسى“. رواه الحاكم والبيهقي ، وبالتالي فقمة الغباء أن ننكر وجود العوالم الموازية ، أو نظن أننا نعلم كل شيء عن خلق الله ، وأن نظن أن ما خلقه الله هو محصور فقط في حدود ما تستطيع قدراتنا الضعيفة جدا أن تدركه ، فالإنسان لا يرى إلا في حدود (400 : 700) نانومتر وهي لا تمثل أكثر من (1%) من حدود الترددات حوله ، ولا يسمع إلا أقل من في (1%) من الترددات حوله ، ولكنه كثيرا ما يشعر أن حوله الكثير مما لا يراه ولا يسمعه ، فيسميه (ما وراء الطبيعة) ، والحقيقة أنه باقي موجودات الطبيعة والخلق ، ولكننا لا ندرك منها إلا أقل القليل ، وذلك رحمة من الله لعدم قدرتنا الفطرية على الإحاطة بأكثر مما هو مسموح لنا.  

مدونة الفيزياء التعليمية: موجات الضوء المرئي    

ولنا دوما سؤالا بسيطا ، إذا كنت تؤمن بوجود الروح في جسدك ، وكذلك في كل جسد حي ، فهل رأيتها أو سمعت لها صوتا ، وهل تستطيع التعامل معها ، وإذا كنت تعلم أن لك (نفسا) هي المتحكمة في جسدك ، فما الفارق بينها وبين الروح التي تحيي لك جسدك ، وهل تعرف مما خلقت نفسك ، وما هي مواصفاتها الفطرية بخلاف مواصفات جسدك المادية ، والمخلوقة من أرقى درجات طين الأرض ، وذلك ببساطة ما أشار له الخالق العظيم .. لك ولي ولكل إنسان .. {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ }الذاريات21 ، فإذا كنت لا تدرك ولا تعي ولا تفهم ما في نفسك ، فكيف تدعي فهمك لما هو خارجها ، ونحمد الله كثيرا أنه فصل لنا كيف خلقنا ، وعلمنا الفصل بين النفس (أصل الإنسان ولبه) ، وبين الجسد المادي الحي (الطين + الروح) ، وأوضح لنا أن ذلك الجسد الحي ما هو إلا (مطية) تمتطيه (تحتله) النفس لتمارس به حركة الحياة ، فقط ما دام الجسد حيا ، فهو وسيلة تعامل النفس (أصل الإنسان) مع الحياة على الأرض ، وعلمنا سبحانه أن النفس تغادر الجسد يوميا للنوم ، حتى يستطيع الجسد إعادة صيانة خلايا أعضائه وأجهزته ومكوناته والتي يفسدها استخدام النفس الجسد خلال ساعات تواجدها داخله (الاستيقاظ) ، وعرفنا كيف أبدع الخالق العظيم التوازن ما بين النفس وبين الجسد الحي ، والذي لو اختل فسوف نرى جسدا يدمر نفسه ، نتيجة أوامر تدمير ذاتي من النفس ، وهو ما نراه في أسباب وفاة بعض الناس الذين فقدوا أحبابهم فجأة ، أو بعض من يأسوا من الحياة .

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) الزمر – اجمل واروع الصور الاسلامية والدينية 2025

ولا شك أن التوازن ما بين النفس والجسد هو أهم ما يجب الحفاظ على وجوده وكفاءته ، فبدونه تختل موازين حياة الإنسان ، وتؤثر النفس سلبا على الجسد ، فتصيبه الأمراض بل وربما يصل به السوء للتدمير الذاتي للجسد ، ولعل من أهم أسباب اختلال التوازن بين النفس الجسد الحي ، هو الخلل في توازن النفس (ذاتها) ، أو الخلل في توازن الجسد (ذاته) ، ولو توقفنا عند التوازن الجسدي فسوف نرى عجبا في ابداع التوازن الفيزيائي للجسد الحي ، وليس هذا فقط ، بل لابد وأن يكون هناك اتزان ما بين جسد الإنسان وبين بيئته التي يحيا فيها ، ولتوضيح ذلك لابد أن نتذكر مثلا .. ، أنك لو نشأت في بيئة زراعية فجسدك ونفسك اعتاد هذه البيئة وتوافق معها ، ولكنك سوف تفقد هذا التوافق لو انتقلت فجأة لبيئة صحراوية أو صناعية ، وتزداد المشكلة تعقيدا لو انتقلت لبيئة ذات طقس مختلف اختلافا حادا ، تماما مثل صديقنا المحترم الذي انتقل من عزبة براشيم في المنوفية أو أو الخريانة في الفيوم إلى مدينة هيلنسكي في فنلندا ، أو مدينة أوسلو في النرويج ، فاختلت صحته النفسية والجسدية خلال أقل من شهر ، فهو لم يرى الشمس منذ قدومه ، وتغير غذائه (180 درجة) ، بل وأصبح وحيدا تماما ، فجيرانه في السكن لا يعرفون أسماء بعضهم ، ولا يعنيهم ذلك ، وانقلبت حياته من شخص اجتماعي محبوب وودود إلى ماكينة بشرية مكتئبة تكرر ما تفعله يوميا دون مجرد ابتسامة ، فالبشر حوله لا يبتسمون إلا نادرا وفي ظروف خاصة جدا ، وبالتالي هو يحتاج لعلاج نفسي وجسدي وسرعة تأقلم قد تكون فوق طاقته ، ومن المحتمل أنه قد لا يتحمل هذه الحياة كثيرا ، أو سوف يتحول لمسخ بشري في محاولة لانقاذ نفسه من الهلاك ، وربما اللجوء للانتحار مثل كثير من سكان هذه المدن ، صاحبة أعلى معدلات انتحار في العالم .

الانتحار.. العلامات التحذيرية وكيف نمنعه | صحة | الجزيرة نت

وهنا نتوقف عند أبرز عوامل الحفاظ على الاتزان الكوني في حياة الإنسان ، وهو حتمية وجود مشكلات حياة تعطي للإنسان الأمل في التغلب عليها ، وتحرك قدرات نفسه وجسده لتحقيق الأمال ، فتحفظ له اتزانه الجسدي والنفسي ، ولذلك فالأغنياء والمترفين وأصحاب أعلى معدلات دخل في العالم هم أصحاب الصدارة في معدلات الانتحار ، وهو ما نراه واضحا في ارتفاع معدلات الاكتئاب والانتحار كلما ارتفعت مستويات المعيشة والرفاهية ، فأعلى معدلات الاكتئاب والانتحار عالميا هي في اليابان وفنلندا والنرويج والسويد والدانمارك وهولندا ، بينما أقل المعدلات عالميا سوف تجدها في الدول المسلمة الفقيرة (تحديدا) ، وهنا نتوقف لنتعلم أو لنتذكر حكمة الخالق في خلقه ، والتي نقولها في مجالسنا كسؤال ساخر ، (بماذا تضحي لتأخذ) ، فلا يوجد شيء في الحياة بلا ثمن ، وأبسطها أنه كلما زاد ثراؤك (الغنى المادي) ، كلما فقدت جزءا من راحة بالك ، أقلها أنك ستكون مشغولا في طرق الحفاظ على ما تملك ، واستثماره وحمايته من النهب والسرقة والنصب ، وإذا تزوجت ملكة جمال فسوف تكون مشغولا بحمايتها من الطامعين والمتلصصين والمتربصين ، ولذلك فإن حكمة الدنيا لتحقيق الاتزان المريح لقلبك وعقلك تكمن في قناعاتك ورضاك بما يكفيك فقط ، أو بالأحرى رضاك بما قدره الله لك ، وشقاؤك يكمن في تطلعك الدائم لما هو في يد غيرك وليس في يديك ، وليس معنى هذا هو كسلك وتوقفك عن الطموح ، ولكن ليكن هدفك من الطموح هو ما تستطيع أن تقدمه للدنيا والناس في حياتك وبقدراتك ، لأن في ذلك ما يضمن لك أن ترضيك الدنيا (بإذن الله) بما لم تتخيله ، إضافة لراحة النفس والتي تكفيك للعبور من الدنيا سليما وراضيا ومرتاح البال .

مقارنة بين دماغ الأنثى و الذكر - علومي

ولابد هنا أن نذكر أنفسنا أننا لم يكن لنا اختيار في كل معطياتنا من الدنيا بداية من الوالدين والنوع (ذكر – أنثى) ومرورا بمواصفات الجسد ويوم الميلاد والبيئة التي ننشأ فيها والأحداث والدرجات للإنسان في الحياة ونهاية بلحظة الوفاة ، فكلها معطيات يقول عنها الخالق العظيم أنه منحنا إياها ليختبرنا فيها وبها ، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165 ، فلا يوجد بشر يستحق ما منحه الله إياه ، لأن الدنيا ليست دار استحقاق ولكتها دار اختبار ، وإن لم يكن إيمانك بالله كافيا لإقناعك بذلك ، فتذكر أن أكثر الناس التصاقا بأسرته هم الفقراء ، وأكثر الناس استمتاعا بحياة اجتماعية قوية ومترابطة هم الفقراء ، لأنهم لا يملكون ما يشغلهم عن علاقاتهم سويا ، بل يجدون في قوة علاقاتهم تعويضا رائعا لضعف مستوياتهم المادية ، وسوف تلاحظ ذلك في علاقات الزواج ، فالعروس التي تتزوج ولديها كل الكماليات ، تبدأ مشاكلها سريعا لأنها ليس لديها ما يشغلها ، بل وتبدأ في تكرار سؤال الوسواس الخناس منذ أول يوم في زواجها (هل اختيارها كان صحيحا أم كان هناك من هو أفضل من زوجها) ، فهي اعتادت أن تأخذ كمالياتها وأحلامها ، كما أنها لا يوجد في عقلها آمالا تريد أن تحققها ، بينما (الزواج) بالحد الأدنى من الاحتياجات سوف يجعل (الزوج والزوجة) حريصان على التمسك الزواج ، وينشغلا بما يحلمان بتحقيقه سويا واستكمال ما ، في بيت ودود وممتع سرعان ما يملأه الأطفال بهجة وسعادة على قدر ما يستطيعون . وتلك حكمة الاتزان النفسي والمادي في الدنيا الناتجة عن الشفرة الإلهية .

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات – اجمل واروع الصور الاسلامية والدينية 2025

ولعلنا في عالمنا المعاصر قد رأينا الفارق بين قدرات الشباب التعليمية حاليا وبين أجيال سبقتهم ، لم يكن لديهم إنترنت ولا منصة تعليمية ولا حتى دروس خصوصية والتي كانت عيبا كبيرا في حق أي طالب ، ومع ذلك كانوا متفوقين ومنهم عباقرة ، لأنهم كانوا مضطرين لاستخدام قدراتهم الذهنية ، وقد أثبتت دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية الياباني أن معدل افراز العلماء والعباقرة بين الأطفال قد انخفض انخفاضا حادا بظهور التكنولوجيا ، وذلك من معدل (3 في الألف) ، إلى (2 في المليون) وذلك بين عامي (1970م  : عام 2020م) ، ولذلك بدأت كثير من المدارس اليابانية والألمانية والفرنسية تنفيذ مبادرة إعادة التعليم الورقي التقليدي مرة أخرى ، وتنمية المهارات العقلية الذاتية للطلبة من جديد ، ففي أجيال ماضية كانت المنافسات في الفصول فيمن يحفظ جداول الضرب البسيطة والكبيرة ، واليوم ولدك في الجامعة يجمع أية أرقام بسيطة بواسطة الحاسب أو المحمول ، وتلك كارثة بكل المقاييس ، لأنها تعني أنها قد أغلق عقله تماما ، ولو وقع في أي مشكلة فسوف يسأل جوجل ، لدرجة أن أحد الشباب سأل جوجل ليحل له مشكلته مع زوجته وهو في شهر العسل ، وذلك هو الاتزان المفقود نتيجة الاعتماد على التكنولوجيا ، وقد رأيتها مرة أخرى في أحد المصانع ، عندما حضرت نقاشا عن أسلوب إصلاح أحدى المعدات ، فالمهندس الشاب مشغول بسؤال جوجل والذكاء الاصطناعي ، ولا يجد حلا للمشكلة حتى تدخل رئيسه (كبير السن والمقام) ، واكتشف سببب العطل بمراجعة سريعة لدورات التشغيل ، ووضع احتمالات العطل وأجرى بعض الاختبارات السريعة ، فاكتشف العطل وقام بإصلاحه ، وما زال مهندسنا الشاب يسأل الذكاء الاصطناعي .

مشاهد من داخل مصنع الروبوتات البشرية المرعب فى الصين.. صور - اليوم السابع

أخيرا .. لابد أن نعلم أن التوازن هو العنصر الأساسي في خلق الكون وما فيه من مخلوقات وموجودات ، وهو العامل المؤثر على استقرار واستمرار الحياة على كوكب الأرض ، بل وعلى الأرضين السبعة التي لم تراها عيوننا ولكننا نعلم بوجودها ، نتيجة كثيرا من الأبحاث العلمية في ميكانيكا الكم ، ونتيجة أيضا لخبرتنا مع كثير من الحوادث الغريبة والتي لم يستطع الإنسان وضع تفسيرا منطقيا لها سوى حدوث عملية تماس لحظي بين الأبعاد نتيجة خلل معين ، وهو ما أحدث ثورة في الفكر الإنساني ، بل وتقوم كثير من الدول بأبحاثها السرية حول هذا الموضوع وكيفية التعامل معه ، بل ووصلت بعض الوكالات السرية لما يفوق قدرات التخيل ، ولكنها تتكتم على نتائجها ، وتستغلها لتحقيق تقدم في العلوم الدقيقة والفوق عقلية ، وهو ما سوف نتناوله لاحقا …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

مرحبا في .. عصور المفرمة …. بقلم : جمال عمر

لا شك أن كثير منا قد عرف مفهوم التعذيب وأساليبه الغريبة والرهيبة ، ولكن هل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *