الاتزان الكوني والشفرة الإلهية (11) …. بقلم : جمال عمر

توقفنا سابقا عند .. اتفاقنا على أن الاتزان الكوني المحفوظ بالشفرة الإلهية في خلقه تعالى ، ليست فرضية أو نظرية ولكنها حقيقة تفرض نفسها بقوة خاصة كلما تقدمنا علميا وتكنولوجيا ، ولكن بقدر تقدمنا العلمي الذي تسارع في العقود الأخيرة ، إلا أننا كلما تقدمنا كلما اشتدت حاجة البشرية للالتزام بناموس الله في خلقه ، لأن الانحرافات أصبحت نتائجها السلبية أكثر حدة وخطورة على مستقبل واستقرار ، بل وعلى الوجود البشري كله ، وهو ما يفرض علينا أن نتوقف عند قوانين ناموس الخالق العظيم لضبط حركة حياة البشر ، فقوانين ناموس الله لتنظيم حركة الحياة وتحقيق التوازن الإلهي هي قوانين ثلاثة ، أولها .. بيد الله لا خيار للبشر فيه ، والاثنان الآخران .. تركهما الله للبشر ليضعوهم بما يتناسب مع ظروف حياتهم الزمكانية ، فخالق السماوات والأرض علمنا أن لحركة الحياة على الأرض ثلاثة قوانين تنظم حركة الحياة عليها .. لا رابع لهم … الأول وهو ما جعله الله بيده وحده … وهو ما أسماه سبحانه وتعالى (حدود الله) ، وحدوده هذه قال فيها .. (تلك حدود الله فلا تقربوها) …

تِلْكَ حُدُودُ الله" : ٣ مرات فى القرآن : فى البقرة مرتان، وفي النساء

أما القانون الثاني فهو العرف (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) .. فالعرف هو ما تعارف عليه الناس وتوارثوه شفهيا غير مكتوب … والأعراف تختلف من بيئة لبيئة ومن بلدة لبلدة .. بل أحيانا من عائلة لأخرى … وتلك الأعراف هي قوانين شفوية تحكم علاقات البشر … والأعراف تكون أكثر قوة وتأثيرا واحتراما في البيئات البعيدة عن المدن الكبيرة .. وذلك في كل مكان على الأرض … وبأمر من الله لا يجوز لأحد أن يحاول تغيير أية أعراف على أصحابها .. ولكن يأمرنا سبحانه أن نلتزم بها بل نأمر بها .. لأن فيه صلاح أمور الناس طبقا لمفاهيمهم وبيئاتهم … ومنها المجالس العرفية .. والتي ما زالت تحل 80% من مشكلات كثيرا من ولايات أمريكا وأيرلندا وأمريكا اللاتينية وشمال إيطاليا والصعيد في مصر … بكفاءة واستقرار …

خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (99)  الأعراف – اجمل واروع الصور الاسلامية والدينية 2025

أما القانون الثالث .. فهو المعروف … (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) .. والمعروف هنا ليس ما يتبادر للذهن .. أنه بما يتراضى به الناس … ولكن المعروف .. هو ما تعارف وتوافق عليه الناس من قوانين وقواعد تنظم حياتهم وكتبوه فأصبح قوانين تنظم حركة الحياة .. مثل جميع القوانين (الجنائي – المدني – المرور – الإسكان – الأحوال الشخصية – …. ) .. وهو ما لم يفهمه كثير من علماؤنا الأفاضل … ومخالفة تلك القوانين تعد خطيئة من الكبائر لو ترتب عليها تهديد حياة أو أعراض وأموال الناس … ولكننا نجهل ذلك ونظن أنها قوانين مدنية لا علاقة لها بدين الله … ولذلك .. بلاد الغرب هي أرض إسلام بلا مسلمين … وبالتالي فإن قوانين حركة الحياة الثلاثة هي  (الحدود – العرف – المعروف) … والعرف باختلافاته هو همزة الوصل التي تصلح ولا تفسد وتداوي عوار النفوس باختلاف بيئاتها .

 

ولعلنا ندرك لماذا استأثر الله بالقانون الأول وهي حدوده ، فحدود الله التي وضعها سبحانه هي الضوابظ التي تحافظ على حياة الإنسان والغرض من خلقه ، وهي تحكم علاقة الإنسان بربه فلا يجوز له أن يعبد أو يطيع أحدا سوى ربه ، ثم علاقته بنفسه فلا يجوز له أن يهلك أو يضر بنفسه ، ثم علاقته بالآخرين من جنسه أو من غير جنسه ، وهنا ينظم سبحانه علاقات ابن آدم كاملة ويضع لها حدودها ، والتي لو تعداها ابن آدم فسوف يخسر نفسه وجسده ، لأن الله خلقهما ضمن منظومة كونية ، وأبسطها علاقات الجنس بين البشر ، فلا يجوز أن تكون علاقة مفتوحة يحكمها الأهواء والشهوات ، وإلا فسوف يمرض جسده ويهلك ولا علاج له ، وسوف تعتل نفسه ولا دواء لها إلا بالاستقامة على حدود الله ، وأعقدها علاقات التعامل بين الناس والتي حرم الله فيها البغي والعدوان والحقد والحسد والتباغض والتنمر والاحتقار والتأله على الآخرين ، فكل البشر سواء عند الله ، ولا تمييز لبشر إلا بالتقوى وحب الآخرين ، وبالتالي فحدود الله هي التي تحافظ على توافق الإنسان مع الكون ومع المهمة التي خلقه الله من أجلها .

Mourad Aly د. مراد علي on X: "قد يسهل على المسلم أن يتلو القرآن، أو يلتزم  المساجد في الصلوات، لكنّ الفتنةَ تأتي حين تغريه الدنيا ويخاف على الرزق  والمستقبل. هنا يُختبر القلب:

أما العرف .. وهو القانون الثاني .. فقد جعله الله في يد البشر .. وأعطى للأسرة ، ثم العائلة ، ثم القبيلة ، ثم البلدة ، ثم المدينة والبيئة الواحدة وضع أعرافها ، التي تتناسب مع موروثاتها ثم بيئتها التي تعيش فيها ثم مستجدات العادات والتقاليد تبعا لظروف الزمان والمكان والتقدم التكنولوجي ، فالبيئة الصحراوية تختلف عن البيئة الزراعية وكذلك الصناعية أو البيئة السواحلية ، في كل شيء بداية من الطعام والشراب وعاداتها وتأثيراتها على الجسم والنفس ، ومرورا بصعوبات الحياة ومشاكلها وأساليب حلها ، وانتهاءا بالمعتقدات والثقافة المتوارثة ، وهو ما لا يجوز العبث فيه أو محاولة تغييره إلا عند الضرورة ، فمثلا عادات الزواج في الريف المصري تقتضي الزواج المبكر ، وهي موروث تاريخي يحفظ استقرار الحياة في البيئات الريفية والصحراوية ، ويسهم في تحقيق أقصى نتاج اقتصادي للشباب ، بخلاف طبيعة حياة المدن التي يتأخر فيها النضوج الجسدي والنفسي للأطفال ، ولا يطالبون بالعمل والإسهام الاقتصادي إلا عند ضعف عمر البنت والولد في الريف والبوادي والصعيد ، ولذلك فمن الحماقة محاولة تغيير سن الزواج ، ولن يستجيب له أحد حتى ولو فرضت القوانين ، فسوف يتم الزواج عرفيا ، ولا يجوز محاسبتهم أو فرض هذا الفكر الغبي عليهم ، لأنه سوف يفسد حياتهم .

كنتم خير أمة · شبكة خير أمة

أما المعروف … فقد أسأنا كثيرا فهم معناه ، واعتبرناه معناه التعامل بين الناس بالود والتفضل في المعاملة بالأحسن بين الناس ، في حين أن الله سبحانه أوضح أن المعروف هو (القوانين) ، وهو ما تستقيم به الحياة ، بل وسمى من يلتزمون به ويأمرون به هم (خير أمة أخرجت للناس ، تأمرون بالمعروف) ، لأن المعروف .. هو بمعناه الحرفي ، هو القوانين التي تعارف عليها الناس واتفقوا على جعلها أسسا لحياتهم ، ووصلوا إلى كتابتها وجعلها حدودا للتعاملات بينهم لتنظيم حركة الحياة ، ولا عجب أننا نرى الدول الملتزمة بقوانينها حتى لوكانت ملحدة وكافرة بالله ، هي دولا متقدمة ومتطورة ونظيفة ومستقرة ، على عكس الدول التي لا تلتزم شعوبها بالقوانين ، فتجد بلادهم عشوائية وقذرة ومتخلفة رغم أنهم مسلمين ، ولكنهم ورثوا الإسلام ولا علاقة لهم به ، وتم تزوير مفاهيمهم فصوروا الإسلام على أنه مناسك وفروض التقرب إلى الله ، ولا علاقة لإسلامهم بتنظيم حركة حياتهم ، رغم أنهم يعلمون ويرددون دوما أن الله يحب المؤمن القوي الملتزم المطيع لله ورسوله وأولي الأمر منهم ، ولكنهم يرددون ما لا يفهمونه وما لا يعملون به ، وتجدهم دوما يتعصبون لكونهم مسلمين ، جاهلين بأن كل بني آدم هم خلق الله وعباده مثلهم ، بل وأفضل مهم لأنهم يلتزمون بـ (المعروف) ، ويأمرون به ، ولا ينقصهم سوى الإيمان بالله ، والله أعلم بما في صدور العالمين .

دعاء - {وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} |  فيسبوك

ولا شك أنه لو صدقت ضلالاتنا المقدسة ، وادعاؤنا أننا أولياء الله ، وادعاءتنا بأننا أصحاب الجنة وأن الدنيا لهؤلاء الكفرة والمشركين المتقدمين تكنولوجيا ، لكان ذلك قمة الظلم للبشر على الأرض ، فكيف ببشر يعيشون كالأنعام متخلفين وعشوائيين يكون لهم الجنة لمجرد أنهم يمارسون طقوسا دينية قوامها الكلام والأقوال في الدنيا ، كيف بهم يميزهم الله في الدنيا والآخرة ويجعلهم الوارثين للجنة والأرض ، ويحرم منها من عمر الأرض وكانت حياته مثالا للنظام والرقي والنزاهة رغم كفره أو إلحاده ، والذي لم يكن باختياره لأنه ولد في بيئة كافرة أو مشركة أو ملحدة ، بدليل أن يسهل الله له قراءة كتاب الله ومحاولة فهمه ، يعلن اسلامه عن قناعة وإيمان ، بل وجميعهم يؤكد أنه إسلامه قد تأخر لأنه رأي المسلمين وهم أبعد ما يكون عن الإسلام ، ولو علمنا الحقيقة لاختلفت نظرتنا لكل البشر ، تلك الحقيقة التي تقول أن وجودنا على الأرض اليوم هي أحد الرحلات لكل منا بمعطياتها المتباينة ، ليحاسب عليها ، وأن كل نفس سوف تختبر في الدنيا بمختلف أشكال الاختبارات (مؤمن ومشرك وملحد وغني وفقير وشريف وحقير وقوي وضعيف بل وذكر وأنثى … ) ولكن في رحلات حياة متتالية إلى يوم القيامة ، وبالتالي فمعطيات كل إنسان ليست محل تقييم من البشر ولا تميز ولا تباهي ، وليتهم كل إنسان بمعطياته ، أو كما نقول لأبناءنا في امتحاناتهم (بص في ورقتك) ، حتى لا تنشغل بورقة غيرك فتخسر وقتك وتخطيء في إجاباتك فترسب ، ولا تلومن إلا نفسك (وما ظلمناهم ولكنهم كانوا أنفسهم يظلمون) ، وصدق رسولنا الكريم (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) .

الاتزان الكوني والشفرة الإلهية (8) …. بقلم : جمال عمر – اقلام مصرية

أخيرا .. لا تزال الشفرة الإلهية الحافظة للتزان الكوني هي صاحبة الكلمة الأخيرة في حياة كل مخلوقات الله ، رغم أننا لا نرى من تلك المخلوقات إلا النذر القليل ، بل إننا لا نكاد نرى من مخلوقات الله على قدر حواسنا الضعيفة جدا ، والمحدودة على قدر ما نحتاجه لتنفيذ مهمة الإعمار للأرض والتي خلقنا الله من أجلها ، ولكن ذلك لا يمنع أن يكون لدينا قدرة على الانفتاح الفكري لفهم حقائق خلق الكون وما فيه من مخلوقات ، ولكن باعتبارت قدرة الله وليس باعتبارات قدرة خيالنا على تصوره ، وهو ما يساعدنا فيه الله سبحانه وتعالى بآيات كتابه العزيز ، والتي أهملناها وتجاهلنا فهم معانيها ، وصدقنا تخاريف وخيالات البشر ، واستدرجتنا شهواتنا ورغباتنا فعميت علينا الحقائق ، خاصة حقيقة أن كل أرزاق الله لمخلوقاته مقدرة ومكتوبة ولا حيلة فيها ، وذلك تبعا لأسرار خلق الله للنفس التي تغافلنا عنها فضللنا كثيرا ، وهو ما سوف نتعرض له لاحقا …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

ماذ ينتظرنا .. بعد الموت (1) ؟؟؟ … بقلم : جمال عمر

بعيدا عن الحروب والصراعات ، وأوهام وأخبار وإشاعات البشر .. وحيرة البعض .. ما بين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *