الاتزان الكوني والشفرة الإلهية (10) … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
2 نوفمبر، 2025
اراء ومقالات, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي
369 زيارة

توقفنا سابقا عند .. حقيقة أن الشفرة الإلهية هي شفرة معجزة وشاملة في السكون والحركة ، وفي الموت والحياة ، والصورة والأصل ، وبالتالي فهي عنصر التوازن في كل علوم الله للبشر ، بداية من علوم الكلام الأدبية ومرورا بعلوم الفيزياء والطب والكيمياء والفلك والهندسة وحتى علوم السحر وخوارق الطبيعة ، فكل العلوم التي علمنا الله إياها لنعمر بها الأرض والتي ذكرها في كتابه العزيز ، هي علوم تحكمها الشفرة الإلهية بدقة متناهية ، بل ومرتبطة ببعضها ارتباطا دقيقا ورائعا في تراتيبه ونتائجه ، ونلاحظ ذلك جليا في الأعداد التي علمنا الله إياها .. وقال لنا .. (لتعلموا عدد السنين والحساب) ، ولذلك كان قسم الله بـــ (الصفر) و (الواحد) هو قسما عظيما له اعتباره وقدسيته ، في قوله تعالى في سورة الفجر { وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر ِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ، هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ } ، فالوتر هو (الواحد) ، والشفع هو (الصفر) ، الذي يشفع كل الأرقام وينقلها للمستويات التي تليها ، وهو ما اكتشف أسراره الخوارزمي وصنع من (1 & 0) مصفوفاته الخوارزمية ، والتي هي أساس كل الحواسب والمحمول حتى اليوم ، بل وألف اللوغاريتمات كاملة منذ أكثر من (12) إثنى عشرة قرنا من الزمان .

وبداية وقبل الوقوف عن معجزات القرآن العظيم الكبرى ، لا يمكن أن ننسى أن القرآن العظيم هو أعظم معجزة رقمية حية على الأرض ، لدرجة أن ذكر عنصر الحديد في سورة الحديد جاء بمعجزات رقمية مذهلة ، فالحديد عدده الذري هو (26) ، وعجبا سوف تجد أ، عدد كلمات سورة الحديد = ( 26 × 26) ، بل ورقم آية الحديد في السورة هو (26) ، ولو بحثت عن كلمة حديد في القرآن فستجد أنها تكررت ستة مرات ، ولو عددنا الحروف التي تكونت منها الآيات الستة سوف نجدها (26) حرف الآيات 29 آية ، وهو أيضا الرقم الذري للحديد ، والأعجب أن ترتيب سورة الحديد بين سور القرآن هو (57) ، وهو الوزن الذري للحديد ، وليس هذا فحسب فما ذكر الله شيئا في كتابه إلا وربطه رقميا يقيمته وقدره في الحياة ، حتى ترتيب السور نفسها ، لدرجة أن الإعجاز العددي في القرآن أصبح علما متشعبا له علماء متخصصون ، ولا عجب فالحروف والأعداد كما تعلمنا صغارا لها أسرارها العظيمة ، وهو ما يستخدمه العالمين بالأسرار ، ويسيء استخدامه السحرة والدجالين ، ورحم الله الإمام الحسين القائل ، (بعض الكلمات هي النور ، وبعض الكلمات قبور) .

وبالطبع ليس عجيبا أن نكتشف في كل يوم معجزات جديدة في كتاب الله ، فمنزل الكتاب هو الخالق العظيم ، ولابد أن يكون كتابه محكم ومفصل ودقيق ومعجز ، وهو الكتاب الوحيد الذي لم يستطع بشرا أن يحرف فيه حرفا ، وذلك لقرار الله سبحانه بحفظه .. {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9 ، ولذلك فهو محتفظ بشفرته الإلهية المذهلة إلى يوم القيامة ، ويكفي أن نعرف أن ترتيب حروفه وكلماته له ريتمه (نغمته) الخاصة ، بمعنى آخر فإن ذبذباته الخاصة مرتبة في سيموفونية ربانية مذهلة ، فما سمعته أذن ووصل لعقل وقلب مخلوق حتى ولو كان حيوانا أو نباتا ، مهما كانت إلا وأسرته وأصلحت ما بداخله ، ولذلك يحذر كثير من أصحاب الملل المختلفة أبناءهم من الاستماع للقرآن مرتلا أو مجودا ، ويقولون عنه أنه سحر يسلب الإنسان عقله وقلبه ، وهكذا كان الكافرون به يقولون وما زالوا يخشونه ويرعبهم سماع ترتيله ، ولو كانوا يملكون قدرا من الحكمة والذكاء لاكتشفوا أنهم مخدوعون ومضللون ، فالنفوس السوية القوية من ابن آدم لا يتملكها ولا يأسرها إلا ما كان هو الحق المبين والمنزل من الخالق العظيم ، ولذلك تشير التقديرات إلى أن حوالي 1.3 مليون شخص يعتنقون الإسلام سنويًا، مما يجعل الإسلام الدين الأسرع نموًا وانتشارا في العالم على الإطلاق .

ولم يتوقف الأمر عند العامة ولكنه تجاوزه للعلماء والمفكرين من الغرب فيصف المستشرق فون هامرالقرآن بقوله ” إنه ذروة البيان العربي” وأن أسلوبه المدهش يشهد على أنه وحي من الله، وأن سلطانه انتشر بمعجز الخطاب ، ويقول الفيلسوف الفرنسي جوزيفر رنان:.. { أنه يلجأ للقرآن عندما يشعر بالإجهاد ، لأنه يفتح له أبواب المعاني والكمالات دون أن يشعر بالتعب أو الملل ، ورأى أنه لو أراد أحد الاعتقاد بكتاب نزل من السماء، “فإن ذلك الكتاب هو القرآن” ، وقال الجراح الفرنسي وأستاذ علوم الأديان موريس بوكاي.. { إنه قرأ القرآن بمعانٍ ووجد أنه الكتاب الوحيد الذي يجعل المثقف المنصف بالعلوم العصرية يؤمن بأنه “من الله، لا يزيد حرفًا ولا ينقص” ، وقال مدير مرصد طوكيو البروفيسور يوشيودي كوزان.. { القرآن يصف الكون “من أعلى نقطة في الوجود”، وأن “الذي قال هذا القرآن يرى كل شيء في هذا الكون، وكل شيء مكشوف أمامه” ، وقال عنه عالم النفس التطبيقي مارسيل بوازار.. “القرآن يخاطب الإنسان بكليته” من منظور علم النفس التطبيقي ، وقال عنه الفيلسوف جورج برنارد شو.. {إن “الإسلام هو الدين الذي نجد فيه حسنات الأديان كلها” ، وقال العالم الأمريكي مايكل هارث عن رسول الله وصاحب القرآن .. { أن محمدًا كان “الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والدنيوي”، واعتبره “أعظم شخصية ذات تأثير في تاريخ البشرية”.

ولدينا بعض أمثلة من آلاف المستشرقين الذين وصفوا القرآن بحيادية ومنطقية ، فيقول المستشرق آرثر آربري : “عندما أستمع إلى القرآن يتلى بالعربية، فكأنما أستمع إلى نبضات قلبي” ويقول غوته : “إن أسلوب القرآن محكم سام مثير للدهشة … فالقرآن كتاب الكتب، وإني أعتقد هذا كما يعتقده كل مسلم … وأنا كلما قرأت القرآن شعرت أن روحي تهتز داخل جسمي ، ولما بلغ غوته السبعين من عمره أعلن على الملأ أنه يعتزم أن يحتفل في خشوع بليلة القدر التي أنزل فيها القرآن على النبي محمد.. وفي يومٍ أبصر غوته ريشة طاووس بين صفحات القرآن فهتف : “مرحباً بك في هذا المكان المقدس، أغلى كنز في الأرض” وفي ديوانه (الديوان الشرقي للشاعر الغربي ) يقول غوته : “هاجر إلى الشرق في طهره وصفائه، حيث الطهر والصدق والنقاء، ولتتلقى كلمة الحق منزلة من الله بلسان أهل الأرض“. ، القرآن ليس كلام البشر، فإذا أنكرنا كونه من الله، فمعناه أننا اعتبرنا محمداً هو الإله ، وتقول المستشرقة الألمانية أنا ماريا شميل، في مقدمتها لكتاب (الإسلام كبديل) لمراد هوفمان: “القرآن هو كلمة الله، موحاة بلسان عربي مبين، وترجمته لن تتجاوز المستوى السطحي، فمن ذا الذي يستطيع تصوير جمال كلمة الله بأي لغة؟ ، ويقول الباحث الأمريكي مايكل هارت في كتابه المعروف أعظم مائة في التاريخ “لا يوجد في تاريخ الرسالات كتاب بقي بحروفه كاملاً دون تحوير سوى القرآن ، فبين أيدينا كتاب فريد في أصالته وفي سلامته، لم يُشكّ في صحته كما أُنزل، وهذا الكتاب هو القرآن”، ويقول المستشرق بارتلمي هيلر :”لما وعد الله رسوله بالحفظ بقوله: {والله يعصمك من الناس}، صرف النبي حرّاسه، والمرء لا يكذب على نفسه، فلو كان لهذا القرآن مصدر غير السماء لأبقى محمد على حراسته، ويقول المستشرق (فون هامر) في مقدمة ترجمته للقرآن :”القرآن ليس دستور الإسلام فحسب، وإنما هو ذروة البيان العربي، وأسلوب القرآن المدهش يشهد على أن القرآن هو وحي من الله، وأن محمداً قد نشر سلطانه بإعجاز الخطاب، فالكلمة لم يكن من الممكن أن تكون ثمرة قريحة بشرية“. ، فالقرآن وحي من الله ، لا يحده زمان ، ومتضمن للحقيقة المركزة .

ولعل كثير من الناس يعلم جيدا أن القرآن العظيم والموجود بين أيدينا ، يعد الدستور الإلهي لمساعدة ابن آدم على فهم طبيعة الحياة والتوافق مع الشفرة الإلهية التي تحفظ سلامة الإنسان واتساقه مع الاتزان الكوني ، وتجنبه الهلاك بين تروس حركة الحياة ، ولكن للأسف يتعمد المسلمون هجره وتجاهل معانيه ومفاهيمه ، ويغلقون عقولهم وقلوبهم متحجرين عند تفاسير وفهم علماء توفاهم الله منذ أكثر من عشرة قرون ، رغم ترديد المسلمين لآيات كريمة وأحاديث رسول الله التي تخبرنا أن القرآن العظيم سيظل يفصح عن أسراره ومفاهيمه حتى يوم الدين ، ولأن القرآن العظيم هو دستور حياة بني آدم ، فإن الخالق العظيم قد أبدع في تنويع وتفصيل آياته لتشمل كل مناحي الحياة للبشر ، ونبه سبحانه عباده أنه قد ذكر في كتابه العزيز (كل شيء عن كل شيء) خلقه .. وذلك بقوله تعالى .. {… مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ }الأنعام38 ، ولذلك سوف تجد ف يكتاب الله الشامل والكامل جزأين رئيسيين ، هما { القرآن العظيم – الفرقان } ، وقال لرسوله .. {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ }الحجر87 ، ثم قال لنا .. {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً }الفرقان1، والفارق بينهما أن آيات الفرقان هي الآيات التي تفرق ما بين الحق والباطل في حركة حياة البشر ، وهذا الجزء يحتوي على علوم أربعة هي (الحدود والفروض – المعاملات والأخلاق – الترهيب والترغيب – القصص القرآني) ، ويبنى علم الفقه على آيات (الفروض والحدود والمعاملات) وهو ما يمثل 3% من آيات الكتاب .

وآيات الفرقان قد نزلت من قبل على نبي الله موسى ، ولكنها لم تنزل كاملة ونهائية وهو ما نجده في قول الله تعالى .. {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }البقرة53 ، وقوله تعالى .. {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ }الأنبياء48 ، وفرقان موسى نزلت فيه أحكام في الحدود والفروض والمعاملات ، ولكن سبحانه وتعالى نسخ منها آيات وعدل آيات منها ، وأنزل آياته الأخيرة والمعدلة في كتابه العزيز على آخر رسله ، فنسخ بها آيات فرقان موسى ، وأوضح ذلك بقوله .. {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة106 ، وبالتالي فلا ناسخ ولا منسوخ في كتاب الله ، ومن قال بذلك فهو إما كافر يريد الفتنة في دين الله أو جاهل لم يفهم آيات الله ويفرق بين تكرار نول الفرقان يد موسى ثم محمد (عليهما الصلاة والسلام) ، أما القرآن العظيم فآيات تبلغ أكثر من 60% من كتاب الله ، وهي آيات لم ينزل سبحانه من قبل على بشر ، وآيات القرآن العظيم تنقسم لثلاثة أنواع من العلوم ، هي (علوم التوحيد والعقيدة – علوم الغيب والحكمة – علوم الخلق والعلوم البحتة) ، وفي علوم الخلق أنزل سبحانه أكثر من ألف ومائة آية في خلق الإنسان ، منهم (424) آية في خلق نفس الإنسان وأحوالها وأمراضها وعلاجها ، بخلاف آيات في خلق كل شيء على الأرض وقوانينه العلمية الثابتة .

ولأن حياة الإنسان ليست فصولا مقسمة لعلوم ، بل إن حركة جسم الإنسان نفسها عبارة عن تضافر أنواع كثيرة من العلوم سويا ، فلمة تقولها بلسانك قد بدأت بنيتك أن تقول ، والتي تترجمت إلى إشارات عصبية ، فإفرازت هرمونية إلى تفاعلات عصبية تحرك أوتارا تربط عظام الحلق بالأحبال الصوتية ، متوافقة مع حركة الفك واللسان لنطق الحرف ثم الكلمة ، مع حركة لسان المزمار لينظم التنفس أثناء الكلام متزامنا مع عضلات وجهك وحركات يديك وجسدك المعبرة عما تقول ، فالكمة تقولها تحتاج إلى تفاعلات علوم الكيمياء والميكانيكا والكهرباء والمغناطيسية والنفسية في جزء من الثانية ، وبالتالي فقد أنزل سبحانه آيات كتابه مندمجة ببعضها البعض بإعجاز مذهل ، فتجد آيات كثيرة تحتوي داخلها على أنواع متعددة من العلوم ، مثل قوله تعالى مثلا .. {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }الأنعام13 ، فكلمة (وله) هي من علوم التوحيد والعقيدة ، وفيها غيب وحكمة لكونك لا تعلم كيف يكون (له) ، ثم كلمة (سكن في الليل) مفهومها أن الله قد جعل الليل للسكون والنوم ، وقوله (والنهار) .. أن من الممكن أن تجد من ينام بالنهار لأي سبب استثنائي عم القاعدة ، ثم (وهو السميع العليم) هي من علوم التوحيد والعقيدة ، وهكذا معظ آيات كتاب الله تحتوي على أكثر من نوع من العلوم ، ولذلك فآيات كتاب الله تحتاج للتدبر والتعقل والتفكر ، وهو ما أمرنا سبحانه وعاتبنا لتقيرنا في الفهم والتدبر مرارا في كتابه العزيز ، أشهرها قوله تعالى .. {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }محمد24 .

أخيرا .. فإن الاتزان الكوني المحفوظ بالشفرة الإلهية في خلقه تعالى ، لا تعد فرضية أو نظرية ولكنها حقيقة تفرض نفسها بقوة خاصة كلما تقدمنا علميا وتكنولوجيا ، ولكن بقدر تقدمنا العلمي الذي تسارع في العقود الأخيرة ، إلا أننا كلما تقدمنا كلما اشتدت حاجة البشرية للالتزام بناموس الله في خلقه ، لأن الانحراف أصبحت نتائجه السلبية أكثر حدة وخطورة على مستقبل واستقرار بل وعلى الوجود البشري كله ، وهو ما يفرض علينا أن نتوقف عند قوانين ناموس الخالق العظيم لضبط حركة حياة البشر ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..
جمال عمر