عالم النفوس .. بين الحقيقة والخيال (4) …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
يوم واحد مضت
اراء ومقالات, الشئون الدينية, المقالات والرأي, متنوعات
106 زيارة

استعرضنا سابقا .. حقيقة سقوطنا جميعا كبشر في التصديق والإيمان بالأساطير والضلالات التي جعلنا ها مقدسة ، وكان على رأس هذه الضلالات هو ما نعرفه عن نفوسنا ، وباختصار عن تركيب الإنسان وأصله ، وكونه مجرد نفس ، والنفس هي موجود أثيري قادر على الدخول في أي جسد حي لاستخدامه والحياة بواسطته ، ولكن بشرط وحيد هو مشيئة خالقه ، فسبحانه وحده من يقرر له نوعية ومعطيات جسده ، وبالتالي مقدراته حياة تلك النفس بواسطة ذلك الجسد الحي ، وعرفنا أننا كنفوس لا علاقة لنا بالجسد الحي (فيه روح) ، إلا لمجرد استخدامه والممارسة الحياة بواسطته ، فإذا خرجت الروح من الجسد ، فإنه يموت ويتحول لتراب ، ويسترد الله سر الإحياء (الروح) ، ولكن تيقى النفس حية منتظرة مشيئة الله بدخولها لجسد جديد ، ويسمي الله عملية دخول النفس للجسد الجديد بــ (الإنشاء) ، ولذلك لا عجب عندما يصف الله مراحل تكوين جسد الإنسان كجنين ، ثم عند إنشاء النفس فيه بعد اكتماله ، يقول سبحانه (ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) .

وعرفنا حقيقة أن النفس لا تستقر في أي جسد مطلقا بل تغادره يوميا لساعات معينة ، يتم خلالها قيام الجسد بصيانة نفسه وأجهزته وخلاياه ، وتنطلق النفس خارج الجسد في رحلات غير محدودة ، ولكنها أساسا لتمارس الحياة بواسطة جسد آخر في بعد آخر في زمن مختلف بمعطيات مختلفة ، ثم تعود للجسد وهي محملة بمشاعر مختلفة ، وغالبا ما نشعر عند الاستيقاظ (العودة للجسد) بأننا سعداء أو غاضبين أو محبطين بلا سبب ، والحقيقة أننا قد عدنا محملين بمشاعر نتيجة أحداث وقعت مع الجسد الآخر في البعد الآخر ، أو في أبعاد زمنية أخرى ، ولكننا لا نتذكر التفاصيل ، ولن نتذكر شيئا حتى ينتهي الأجل مع هذا الجسد ، وعندها فقط سوف ترى النفس كثير من الحقائق الضادمة ، ويقول لنا سبحانه وتعالى حينها .. (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) ، وقد تتكلم ألسنتنا بكلام وأحاديث يسمعها من حولنا ونحن نغادر الجسد ، فيتعجبون مما نقول لأنهم لا يرون ما نرونه حينها .

كما عرفنا أن عملية الموت (الوفاة) كما نعرفها ليست مطلقا كما نتخيلها ، نهاية للحياة وبداية لانتظارنا لقيام الساعة داخل القبور كما صوروا لنا ما لم تراه عيون أو يقول به رب العالمين ، بل هي بداية لنشأة جديدة في جسد جديد بمعطيات مختلفة تتوقف على نتاج الحياة السابقة التي غادرناها ، فالوفاة هي بوابة نعبرها لعالم مختلف ، عالم فيه كثير من الحقائق التي أخفيت عنا ما دمنا أحياء ، وتلك هي قمة العدل من الخالق العظيم ، ليكون لابن آدم الحرية الكاملة في اتخاذ قراراته ومسئوليته عنها خلال ممارسته الحياة ، وبالتالي فابن آدم (النفس) عند خسارته للجسد الذي يتعامل به مع الحياة ، فهو لم يفنى ولكنه في الحقيقة يحيا بجسد آخر في بعد زمكاني آخر ، وهو يعرفه (كنفس) جيدا ، ومعتاد عليه وكان يرى كثير من تفاصيله خلال نومه قبل وفاته ، ولذلك لا يشعر بالفقد الكبير الذي نتخيله ، ولكنه هناك في البعد الآخر سوف يشعر أنه فقد شيئا كبيرا ولكنه لا يتذكر التفاصيل ، لأنه في غضون شهور قليلة من تاريخ وفاته في هذا البعد الزمكاني سوف يعود في جسد جديد ليبدأ حياة جديدة كطفل مولود ، ولكن بمعطيات مختلفة تبعا لما تبقى له من اختبارات في الدنيا .

وعرفنا أن هناك نوع واحد من النفوس لا تعود للدنيا حتى يوم القيامة وهم الكفرة الفجرة ، وهؤلاء ينامون دون أزعاج أو عذاب حتى يستقيظون من نومهم يوم القيامة فيفزعون من عودتهم ويقولون (يا ويلنا من أيقظنا من مرقدنا ، هذا من وعد الرحمن وصدق المرسلون) ، أما باقي النفوس فهي تعود للحياة بأجسد جديد ومعطيات مختلفة ، عدا فئة قليلة تعود للحياة للاستمتاع بها فقط دون اختبارات وهذه الفئة يسميها سبحانه وتعالى بــ (السابقون) ، وهم (المقربون) ، وهم (الصديقون والشهداء) ، وهؤلاء يعودون للراحة والاستمتاع بالدنيا دون اختبارات أو كبد إلى يوم القيامة ، ويقول الرحمن سبحانه وتعالى في وصف معطياتهم (روح وريحان وجنة نعيم) ، فالروح هدية ليحيوا بأجساد من اختيارهم ، والريحان هو الراحة التامة ، وجنة النعيم ليستمتعوا بالدنيا دون كبد ، ولا شك أن تفاصيل الحيوات الأخرى التي تحياها النفوس في مختلف الأبعاد الزمكانية ما زالت مجهولة ، وقد تتكشف حقائقها لاحقا بتفهم تفسير آيات بعينها ، فالقرآن العظيم يؤكد ذلك بقوله تعالى (كتاب فيه ذكركم) ، والذكر هنا معناه المسار الكامل والمكون من الماضي والحاضر والمستقبل لكل نفوس بني آدم ، ولكننا تغافلنا عن التدبر والتفكر ومحاولة الفهم .

والأعجب أننا ما زلنا مصرين على الضلالات المقدسة ، وخرافات الأساطير الموروثة ، ولا نريد أن نفعل أو نستخدم عقولنا التي أمرنا الله نستخدمها ، رغم أنه سبحانه لامنا أكثر من أربعين مرة في كتابه العزيز )أفلا تعقلون) ، (أفلا يعقولن) ، (أفلا يتدبرون) ، (أفلا يتفكرون) ، وأننا بالفعل هجرنا القرآن العظيم وما فيه من آيات العلوم ، رغم أننا في بيوتنا ومناسباتنا نقرأ القرآن ونسمعه أكثر من صحابة رسول الله ، ولكننا جعلناه حجابا وبركات فقط ، ولا يجرؤ مسلم أن يتحدث في فهم آية ، وسيجد آلاف المتربصين والمتهمين له بالهرطقة والفسق والزندقة وهدم الدين ، لأننا توارثنا الرعب والتخويف من محاولات الفهم والتدبر ، والتي نشرها بيننا من زوروا مفاهيم دين الله ، فهجرنا القرآن وشهد علينا ربنا بقوله تعالى .. {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30 ، وفي هذه الآية تحديدا نلاحظ أن الله يتحدث عن موقف قد حدث في الماضي ، فهل قال رسول الله ذلك بعدما توفاه الله ، أم أن حسبة الزمن التي نعرفها قد سقطت بوفاة رسول الله ، أم أن القيامة قد حدثت بالفعل ونحن نعيش في ماض ، دون أن ندرك حقيقته ، خاصة وأن كل الأحاديث لله مع رسله مذكورة بزمن الماضي ، أم أن حسبة الزمن خارج نطاق الأجساد التي نحيا بها هي حسبة مختلفة ، وبالتالي في حقيقتها هي ماض قد حدث ، وبالنسبة لأجسادنا هي ما زالت حاضر ومستقبل لما يأتي بعد في نطاقنا الزمكاني الذي نحيا فيه ؟؟

كثير من الأسئلة المنطقية والتي قد تعد صعبة وثقيلة حتى في فهم أبعادها تتردد وسوف تتردد حتى يكشف الله الغطاء لنفس فترى حقائق الأشياء ، خاصة وأن معظم الناس لا يفهم ولا يتسع عقله إلا لما تراه عيونه القاصرة أو يدركه بحواس جسده الضعيفة والمحدودة ، حتى أن الأوزة والكلب والحمار ترى بعيونها أضعاف الإنسان ، وتسمع كثير من الحيوانات والطيور أضعافه ، ولكن ابن آدم يفاجئه أحيانا قدرات نفسه في مواقف بعينها ، فيظن أنه يتعرض لمعجزات أو يملك قدرات خارقة ، والحقيقة أنها فقط قد استخدم بعضا قليلا من قدرات نفسه الغير محدودة ، والتي اعتاد إنكار وجودها ، أو استعذب الحياة بأقل قدر من الجهد والفهم ، ويكفينا أن نفهم أن حسبة الزمن في الكون ليست ثابتة ، فالزمن الذي نعيشه ويمر بنا منتظما هو جزء من منظومة الزمن التي خلقها سبحانه وتعالى ، وهذا الجزء يتميز بمواصفات متوافقة مع نمط حياة أجسادنا ، في هذا الحيز الضيق المسمى بالأرض التي نعيش عليها ، وهذه الأرض نفسها هي جزء من سبعة أراضي متماثلة ، ويفصلها عن بعضها البعض حواجز زمكانية ، نسميها بالأبعاد الموازية ، ولكل بعد نظامه الزمني المختلف ، بمعنى أنك لو نمت في بعدنا الزمني ساعتين فقط ، فقد تستطيع أن تتواجد في بعد آخر لمدة عشرين ساعة ، وتعود لتستيقظ بعد ساعتين بقياس البعد الزمني الذي نحيا فيه ، ولو مارست حياتك مستيقظا لمدة عشرين ساعة مثلا ، فأنت نائم لمدة ساعة واحدة في بعد آخر ، وذلك لأن تأثير منظومة الزمن متعلق بنسيج الزمكان للبعد الذي تتواجد فيه .

أعلم جيدا أن فهم عمل منظومة الزمن مع المكان مختلفة بين الأبعاد المختلفة ، ولكن يكفي أن نعلم أن حدود خلق الله تعالى ليست محدودة بقدراتنا جميعا على الفهم ، ولذلك كان سبحانه وتعالى واضحا في قوله تعالى (ويخلق ما لا تعلمون) ، فما خلقه الله خارج قدرات الإدراك في عقولنا المحدودة والضعيفة ، وذلك رحمة من الله بعباده ، لأنه جعل حدود الإدراك لدينا تكفي فقط لتنفيذ التكليف الذي خلقنا من أجله ، ولذلك يجب أن نتوقف عند إبداع الله في خلقه ، ونقول بقلوبنا وألسنتنا وكل حواسنا (سبحان الله) ، ونتذكر دوما أن ما نحياه في دنيانا ليس إلا رحلة قطار، نختبر فيها ثم نغادر القطار والرحلة ، ليس لننتظر في القبور مع أجساد بالية من تراب ، ولكن لنبدأ رحلة آخرى بمعطيات مختلفة واختبارات أخرى ، وتتوقف تلك المعطيات على مدى نجاحنا في رحلة الاختبار التي سبقتها ، وذلك مستمر إلى يوم القيامة فسبحانه (يبدأ الخلق ثم يعيده) ، من أجل تدقيق العدل في محاسبة ابن آدم (بالقسط) ، وأنه دوما يخرج نفس ابن آدم من نشأة (جسد) ، ليدخله في (نشأة أخرى) ، لا يعلم عنها شيئا حتى يدخلها (وننشئكم فيما لا تعلمون) ، وأن ما نراه في نومنا ما هو بعضا مما لا نعلم عنه شيئا ، وذلك تنبيه من الخالق لخلقه بأن ما يحيون فيه ليس هو كل شيء ، وأن حياته هذه المرة ليست هي كل ما لديه ، بل لديه حيوات أخرى مختلفة ، وأن جميع رحلات حيواته في الدنيا ليست إلا حالات مؤقتة ، سوف تمضي ولا يذكر منها إلا نتائجها المسجلة في كتاب صحائف حيواته على الأرض ، وأنه سوف يقرأه بنفسه ، وصدق الله في قوله … كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا … .

أخيرا .. وقبل أن نسترسل في حيوات الأبعاد الموازية ، لابد وأن نكشف عن بعض ما يسبب تشتت البشر وسقوطهم في الغي والضلال بسبب تداخل تأثيرات مخلوقات أخرى لا يراها الإنسان ، ولكنها تراه وتحاول أحيانا التدخل في حركة حياته ، سواءا بسبب تعديها لحدودها أو ضعف حماية الإنسان ، وهو لا يدري وبالتالي يخلط ما بين الحقائق والأوهام ، ويعد الجن من أشهر ما حذرنا الله ورسوله من التواصل معهم ومن شرورهم وأذاهم ، فالجن هو نوع سبقنا من فئة العمار التي نتبع لها من فئات خلق الله المختلفة ، وقد كان الجن مستخلفين على الأرض قبل الإنس ، ففسقوا فيها وفسدوا وسفكوا الدماء ، فاستبدلهم الله بالإنس ، وتتابعت سلالات الإنس حتى وصلت لآخر سلالاته وهم بني آدم ، والتي نتبعها ، ولا تنسى الجن أننا من تم استبدالهم بنا على الأرض ، وأنهم يحيون معنا عليها ويحتكون بنا ليل نهار ، ويقع كثير منا في براثنهم دون أن يدري ، وبالتالي وجب أن نعلم عنهم ما يكفينا لتجنب شرورهم ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا …
جمال عمر