
استعرضنا من قبل … وتوقفنا طويلا أمام تلك الحقائق التي قد لا يصدقها ابن آدم ، لأن كثير من البشر يفضل أن يعيش على ضلالات وأساطير البشر المتوارثة ، حتى ولو كانت تخالف كتاب الله وآياته ، فقط لأن عقله أصبح معتادا على قبولها ، ولكونها أصبحت محفوظة ومقدسة بالتوارث وتوافقت مع عقله الضعيف ، وفهمه المتواضع ، على عكس الحقائق الكونية التي تفتح أمام عقله عوالم أكبر من حدود قدرته على الإدراك ، وتفجر في نفسه ملايين الأسئلة التي يعجز عن الإجابة عليها ، لو لم ينفذ أوامر خالقه بالتدبر في آيات كتابه العزيز ، والبحث والدراسة بالعلم والعمل الجاد ، وكفاه دعوة الله لابن آدم بالتفكر في (11) أحد عشرة آية مختلفة ، مثل أمر الله تعالى .. {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 ، وقوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الرعد3 ، وقوله تعالى .. {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الروم21 ، وقوله تعالى .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 .

ولذلك سوف نتوقف كثيرا عند حيوات وحركات النفوس ، ولماذا يعيد الله الخلق للنفوس في حيوات متكررة على الأرضين السبع ، وما هو مصير النفوس بعد الوفاة تبعا لأعمالها ؟؟ ، ولماذا سقطنا في أكذوبة عذاب القبر ، ومالذي نراه خارج أجسادنا من أنواع للرؤى والأحلام .. وكيف نفهمها … وبداية لابد وأن نفهم ونعي جيدا أننا لم نأتي للحياة عبثا ، وأننا لسنا فئران تجارب نحيا لمرة واحدة ، وتنتهي حياتنا لننتظر الحساب في القبور كما ندعي كذبا وزورا ، لأنه سبحانه نبهنا لذلك بل وسفه أقوالنا بذلك بقوله تعالى .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 ، وهنا يصف سبحانه مقولة أننا نحيا لمرة واحدة يهلكنا الدهر فيها بأنها جهل بالحقائق وهي مجرد ظنون للجهلاء ، ثم يخبرنا سبحانه عند سرده للحظة الوفاة بأخطر أسراره عن مستقبل النفس بعد مغادرتها للحياة ، فيقول في الواقعة .. في وصف تلك اللحظة .. {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} .

وفي هذه الآية .. وبتفصيل بديع يصف الله المرحلة التالية للوفاة ، وذلك بأن النفس التي غادرت للتو جسدها لانتهاء الأجل سوف يعاد إنشائها في جسد جديد ، لتبدأ حياة جديدة (وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) ، فهي نشأة جديدة لا نعلم عنها شيئا ما دمنا أحياء ، وتلك النشأة مماثلة للنشأة الأولى التي نعرفها جيدا لو تذكرنا كيف تكون النشأة ، ولذلك يعقب الله على قوله (وننشئكم فيما لا تعلمون) بقوله تعالى .. (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ) ، ليوضح لنا أن تلك النشأة الجديدة هي مماثلة لتلك النشأة الأولى التي ذكرها سبحانه في سورة المؤمنون بقوله تعالى .. {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14، وهي الآية التي وصف فيها سبحانه كيف يأتي الإنسان للحياة ، بداية من تكوين الجنين وتطور مراحل خلقه ، حتى إذا اكتمل الجسد ، أنشأ الله النفس داخله ، فيتحول الخلق (الجنين) إلى خلقا آخر ، (فتبارك الله أحسن الخالقين) ، وهل معنى ذلك أننا سوف نأتي الدنيا مرة أخرى بعد الموت ، وسوف نولد أطفالا في أجساد جديدة بمعطيات مختلفة ؟ ، نعم هذا تحديدا ما يحدث ، وهل معنى ذلك أن الله يعيد الخلق ؟ ، نعم يعيد الخلق وهو ما أشار له سبحانه وتعالى في ستة مواضع بستة آيات مختلفة ، أبرزها قوله تعالى .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4 .

وهنا نتوقف قليلا لنتذكر ما توارثه البشر من أسطورة مشوهة عن هذه الحقيقة ، فأسموها .. (تناسخ الأرواح) ، وأطلق عليها البعض بالبعث في حياة البرزخ ، وبعض البشر يضعون الملابس والمعدات مع الميت في تابوت خشبي لتساعده عنما يستقيظ في العالم الآخر ، وكلها خرافات حول حقيقة واحدة ، وهي إعادة إنشاء النفس (أصل الإنسان) في جسد جديد بمعطيات مختلفة ، ولذلك يثبت الله لنا صدق هذه الحقيقة على ألسنة كثير من البشر ، وهم يفاجئوننا بقصص عن حياتهم من قبل في أجساد وبيئات وبلدان وديانات ومعطيات مختلفة ، وغالبا من يكون أبطال تلك الحالات هم من الأطفال ، والذين يصرون أنهم كانوا أحياء وكان لهم حياة في أسر وعائلات وبلدان مختلفة ، ويصفون أسرارا لا يعلمها إلا الشخص الذي يدعون أنهم كانوا يعيشون حياته ، وتلك الحالات ليست إلا إثبات من الخالق لنا على حقائق نحاول طمسها بأساطيرنا وخرافاتنا ، خاصة وأننا خلطنا بين (النفس) وبين سر إحياء الجماد وهي الروح ، والتي وظيفتها فقط هي إحياء الجسد، ليكون مستعدا لدخولنا فيه واستخدامه ، فالنفوس لا تستطيع دخول جسد إلا لو كان حيا فيه روح ، ولا تستطيع دخول أي جسد حي إلا بإذن خالقها ، وبتكويد فائق الدقة يحافظ دوما على الوصلة الفوتونية الدقيقة ما بين النفس والجسد الذي تم إنشائها عند دخول النفس في المرة الأولى.

وقد أوضح سبحانه وتعالى سبب إعادة الخلق ، وذلك .. لتحقيق العدل (بالقسط) ، أي العدل المقسط على عدة اختبارات في عدة حيوات متتالية ، حتى تمر كل نفس بكل اختبارات الله الأساسية على الأرض ، وذلك حتى تأتي كل نفس يوم القيامة وليس لها على الله حجة ، فلا تستط نفس أن تقول لربها لو خلقتني كذا لفعلت كذا ، ولذلك صدق الله العظيم عندما يقول سبحانه لكل إنسان .. {اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }الإسراء14 ، وبالتالي فمستقبل النفوس الطبيعي بعد الوفاة هو العودة للحياة لاستكمال رحلة الاختبارات بمرحلة جديدة بمعطيات مختلفة ، وذلك لعامة البشر ، إلا أن يكون قد خرج من الدنيا في المرة الأخيرة بصورة قصوى ، وتلك حالتان لا ثالث لهما ، الحالة الأولى أن يتوفى الله النفس وهي من (السابقون) ، أي من النبيين والصديقين والشهداء ، والحالة الثانية أن يتوفى الله النفس وهي كافرة فاجرة مفسدة في الأرض ، أما الحالة الأولى وهم السابقون المقربون … فروح وريحان وجنة نعيم .. وهؤلاء قد نجحوا في أحد اختباراتهم بامتياز ، وضحوا بنفوسهم لوجه الله ، فيعودون للحياة للاستمتاع بها دون معاناة أو ألم حتى يوم القيامة ، يمنحهم الله روحا يضعونها في أي جسد يختارونه ، بشرط ألا يعودوا في جسد دخلوه من قبل ، ولهم رزقهم حتى يوم القيامة ، وفي راحة تامة في جنة نعيم ، وأما الحالة الثانية .. فهم الكفرة الفجرة ، فهؤلاء لا عودة لهم مطلقا للدنيا ولا عذاب ولا سؤال ، بل ينامون حتى يوم القيامة دون تصوير ، حتى يفاجئهم يوم القيامة عند النفخ في الصور .. فيحييهم الله بأجساد جديدة وعندها لا يملكون إلا قول ما قاله سبحانه .. {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ }يس52.

وبهذا الشرح القرآني لما ينتظر النفوس بعد الوفاة ، لابد أن نكتشف حجم الضلالات التي عشنا نؤمن بها ، وحجم البهتان الذي تخيلناه حول الموت وما بعده ، لأننا تجاهلنا وصف الخالق العظيم وصدقنا خرافات البشر ، بل وجعلناها ضلالات مقدسة ، وادعينا أحاديث تكذب آيات الله وتصف عذاب ونعيم القبور ، وكأن النفس التي هي أصل الإنسان قد كتب الله عليها أن تكون أسيرة جسد متحلل إلى تراب في قاع القبور ، وجعلوا القبور إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من الجحيم ، واستعادوا الثعبان الأقرع الشجاع من أسطورة عشتاروت البابلية ، وجعلوه عقابا لتارك الصلاة ، واستعاروا زبانية العذاب من أساطير الرومان لتضرب ابن آدم على رأسه فيهوي في الأرض سبعين خريفا ، وبذلك سقطنا في أسرى ادعاءات إبليس عن رب العزة بأنه يحب تعذيب البشر ، فهو يعذبهم بمتاعب الدنيا ، ويعذبهم عند الموت بسكرات الموت ، ويعذبهم بالسؤال عند الموت ، ثم يعذبهم في قبورهم ، حتى ولو كانوا لا يستبرأون من بولهم ، ثم يعذبهم سبحانه بالوقوف في انتظار الحساب 50 ألف سنة ، حتى يتمنى المؤمن لو يصرفه الله إلى جهنم ، ثم أخير يمر على الصراط الملتهب فوق جهنم تتخطفه الكلاليب ، وأخيرا .. كل البشر واردة إلى جنهم ، وينجي الله ما يشاء ويترك البقية من البشر في النار .

وذلك تحديدا ما يتشدق به الدعاة على المنابر فيرعبون البشر ويرهبونهم ، ويصيبونهم بالاحباط واليأس ، ويدعي كثير من الدعاة أن الجنة لمن يتبعه ، فانقسم الملسمون لبضع وسبعين فرقة وجماعة وكل منها يدعي أنهم الحق وأنهم الناجون من العذاب ، فعادوا بالمسلمين لعصور الكهانة تحت مسميات المشايخ والأولياء والمرشدين وآيات الله والأمراء وغيرها من مسميات زعماء الفرق والجماعات ، والتي وصفها سبحانه وتعالى بالشرك صراحة ونهى عنها في قوله تعالى .. { .. وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ{31} مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ{32} ، ورغم ذلك سوف تجد علماء ومشايخ من الأزهر منتمين للصوفية والشيعة والسنة بفرقها وجماعاتها ، وكأنهم بلا عقول ولا يفهمون ما يحفظونه من كتاب الله ، كما يقول فيهم رب العزة .. {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }الأعراف179 ، ويتناسى هؤلاء الدعاة أن الله أرحم بعباده من الأم برضيعها ، ويتناسون قوله تعالى .. { .. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ .. }الأعراف156 ، وقوله تعالى .. {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }الأنفال33 .

أخيرا .. لابد وأن نعلم أن النفوس ومسارها في الحياة وما بعد الحياة قد فصلها الخالق العظيم ، وبين رحلتها لنا في قرآنه العظيم ، ولكننا مصرين على الضلالات المقدسة ، ولا نريد أن نفعل أو نستخدم عقولنا التي أمرنا الله نستخدمها ، حتى أنه سبحانه لامنا أكثر من أربعين مرة في كتابه العزيز )أفلا تعقلون) ، (أفلا يعقولن) ، (أفلا يتدبرون) ، (أفلا يتفكرون) ، وأننا بالفعل هجرنا القرآن العظيم وما فيه من آيات العلوم ، رغم أننا في بيوتنا ومناسباتنا نقرأ القرآن ونسمعه أكثر من صحابة رسول الله ، ولكننا جعلناه حجابا وبركات فقط ، ولا يجرؤ مسلم أن يتحدث في فهم آية ، لأننا توارثنا الرعب والتخويف من محاولات الفهم والتدبر ، والتي نشرها بيننا من زوروا مفاهيم دين الله ، فهجرنا القرآن وشهد علينا ربنا بقوله تعالى .. {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30 ، وفي هذه الآية تحديدا نلاحظ أن الله يتحدث عن موقف يوم القيامة (كما أفهمنا) ، وبالتالي فهو لم يحدث بعد ، فكيف يكون الكلام في زمن الماضي ، وهذا ما سوف نتعرض له لاحقا ..
جمال عمر
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر