عالم النفوس .. بين الحقيقة والخيال (2) … بقلم : جمال عمر

توقفنا سابقا عند الحركة الرئيسية للنفوس عند مغادرتها للجسد للنوم ، وقلنا أن .. الغرض من النوم لا يمكن أن يكون مجرد منح الجسد الفرصة ليعيد صيانة ما تلف منه نتيجة تواجد النفس فيه واستخدامها له ، وعرفنا كذلك أن نسيج الزمكان (الحيز المكاني المحدود بالزمن) يختلف من بعد لآخر ، بمعنى أنك على الأرض محدود بمكانك في إطار زمني محدد يتقدم بمعدل يكاد يكون ثابتا ومنتظما ، وأن الأرض مجرد واحدة من سبعة أراضي متماثلة (زماكنيا) ، ، بمعنى أن كل أرض لها زمنها الخاص المختلف عن غيرها ، بمعنى أن النفس عندما تترك الجسد لعدة ساعات محدودة على أرضنا ثم تدخل في بعد آخر مختلف عند النوم ، فإنها تستطيع أن تمارس الحياة في البعد اللآخر لعدة أيام وربما أسابيع ، ثم تعود لجسدها في البعد الأول لتستيقظ من النوم بعد ساعات قليلة ، ولذلك كثيرا ما نسمع بل وربما نتذكر أننا مارسنا حياة كاملة لأيام وربما أسابيع وذلك خلال نومنا ساعات قليلة .

الأحلام .. والرؤى المنامية - إسلام أون لاين

وقلنا أننا ننسى أحلامنا وما نراه أثناء نومنا سريعا ، لأننا لم نسجل ما رأيناه على خلايا التخزين في الدماغ الموجود في جسدنا ، ولو استطعنا تذكر تفاصيل بعض الأشياء بمجرد استيقاظنا ، فلن نكون قادرين على تذكر كل شيء ، خاصة وأننا دوما وخلال رحلات الانتقال اليومية من الجسد الحالي إلى جسد آخر في بعد زمكاني آخر ، سوف نقابل مشاهدات مختلفة ومتباينة تبعا لمسارات النفس في حركتها من بعد لآخر ، وقلنا أن الأبعاد الموازية أصبحت حقيقة علمية تثبتها ميكانيكا وفيزياء الكم ، وتثبتها تحليلات علوم الفلك والرياضيات ، وهو ما يفسر كثيرا من عجائب وغرائب بعض البشر ، مثلما تجد طفلتك الصغيرة قادرة على فهم أشياء والتعامل معها أكثر وأسرع منك ، لأنها لو كانت أمامك طفلة ، فهي في بعد آخر ربما تكون امرأة ناضجة وربما عجوز تقترب من نهاية عمرها ، خاصة لو كانت التكنولوجيا متقدمة في البعد الآخر عما لدينا ، وكذلك عندما تفاجئك طفلتك الصغيرة بفهمها لما يدور بينك وبين أمها من نظرات وتعاملات تحرص على إخفائها ، فيفجعك إدراك هذه الطفلة لكل ما يدور بينكما ، بل وربما تتفاعل معه أو وتحاول إيقافه .

الأحلام والرؤى… رسائل من الداخل أم من العوالم الخفية؟ ليس كل ما نراه أثناء  النوم مجرد “حلم”… هناك فرق عميق بين الحلم والرؤيا أولاً: الحلم (Dream)  وتحدث بموجة ثيتا - ناتج عن

فالغرض الأساسي من النوم ليس هو صيانه الجسد ، ولكنه قطعا ممارسة الحياة في أبعاد أخرى ، وبالتالي فكثير مما نراه خلال نومنا قد يكون نتاج حيوات أخرى بأجساد ومعطيات أخرى في أزمنة مختلفة ، ويتبقى لنا فقط الآثار النفسية من هذه الرؤى التي نتعرض لها خلال رحلات الانتقال اليومية ما بين الأبعاد ، دون تفاصيل للأحداث وتلك رحمة من الله حتى لا تدفع الإنسان للجنون باختلاط الأحداث ، ولعل أبرز ما يميز قدرات النفس في هذه الرحلات هو سرعة الانتقال ما بين الأبعاد ، والتي ربما لا نلاحظ قدور سرعتها ، لأنها بالنسبة لنا أسرع من لمح البصر ، فالنفوس قادرة على الانتقال بسرعات تفوق جميع خيالات البشر ، لدرجة أن الأم ترى ابنها وهو يتعرض لحادث على بعد آلاف الأميال في نفس اللحظة ، وعمر ابن الخطاب نادى على قائد جيوشه وأمره أن يتحصن بالجبل قائلا (الجبل الجبل يا سارية) ، وسمعه (سارية) في نفس اللحظة ، وانتصر في المعركة نتيجة تحصنه بالجبل ، وأرسل يشكر خليفة رسول الله على نجدته له ، ناهينا عن تجارب أكاديمية لعمليات التخاطر المبهرة بين البشر ، والتي أجراها بعض علماء الماورائيات في عصرنا الحديث ، ولا عجب ، فتلك حالات نقول عنها أنها شفافية وقدرات النفوس راقية ، والحقيقة أنها قدرات عادية للنفس .

ثورة الوعي في زمن الحرب - التنويري

ولا شك أننا خلال رحلة الانتقال من بعد لآخر نشاهد الكثير مما قد نتذكره ، وأضعافه مما لا نتذكره مطلقا سواءا كان السبب هو عدم وجود مماثل له في حياتنا ، فنعجز عن وصفه ، أو لعدم أهميته لنا كنفوس ، ويعد أبرز وأهم ما تراه النفوس في رحلتها هو الرؤية الصادقة ، والتي نراها في مساراتنا بين الأبعاد ، فنرى فيها بعض الأحداث سواءا المستقبلية منها قبل حدوثها في مسار نزولها ، أو الماضية بعد حدوثها في مسار عروجها ، حيث يتنزل الأمر دوما ما بين الأبعاد الزمكانية المختلفة للسماوات والأرض وهو ما نجده في قوله تعالى .. {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً }الطلاق12 ، فالرؤية الصادقة تراها النفس بإذن من الله تعالى ، عندما يشاء الله لهذه النفس أن ترى حدثا بعينه ، ويكون هذا الحدث في طريق نزوله من (الإمام المبين) إلى الدنيا ، وهو ما نجده في قوله الله تعالى في سورة (يس) ،  {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ }يس12 .

إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ

ولابد أن نتذكر أن كل ما يحدث على الأرض وما سوف يحدث يقدره الله قبل موعد حدوثه بـ (500) خمسمائة سنة ، وتلك هي الفترة الزمنية التي يستغرقها الأمر للنزول من الإمام المبين في رحلة نزوله ، حتى يحدث على الأرض واقعا وحقيقة ، فيكون عند حدوثه قد مضى على صدور الأمر به (500) خمسمائة سنة من لحظة تدبير الله له ، ثم يعاد تبليغ تمام حدوثه في رحلة عروج للسماء تستغرق (خمسمائة سنة أخرى) ، فتكون رحلة الأمر من لحظة صدور الأمر من الإمام المبين ، وحتى وصول تمام التبليغ بحدوثه في الإمام المبين مرة أخرى ، قد استغرقت ألف سنة بتقديرنا على الأرض ، وهو أوضحه سبحانه في قوله تعالى .. {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }السجدة5 ، وغالبا ما تشاء رحمة الله لأي نفس أن ترى ما قدر لها من أحداث مستقبلية خلال رحلة نزوله للأرض ، وذلك أثناء النوم ، وذلك رحمة بالنفوس لتكون مستعدة لتقبله ، ولذلك يقول لنا سبحانه وتعالى .. {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }النحل1 ، ثم يؤكد علينا أن نتأثر بالأحداث فيقول لنا .. {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }الحديد23.

الأولى - أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ  وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١﴾ [سورة النحل - الآية 1] | Facebook 

وأحيانا يرى النائم في مساره بين الأبعاد رؤية تزعجه أو تفرحه ولكنه لا يفهم منها شيئا ، وتحتاج لمن يأولها أو يفسر معانيها ، وتلك الرؤية لو كانت عن المستقبل فهي ممائلة للرؤية الصادقة ، ولكن النفس قد تراها من وراء حجاب ، فتكون تفاصيل الرؤية لها دلالات معينة ، فمثلا .. من رأى شخصا يؤذن للصلاة فذلك معناه واحدة من اثنين لا ثالث لهما ، لو كان هذا الشخص صالحا فتلك بشارة له بالحج أو العمرة ، ولو كان غير ذلك فتلك إشارة أنه سارق ، وتفسير الرؤى أو الأحلام يحتاج لهبة من الله في فهم المعاني ، وكذلك خبرة بعادات ومفاهيم العلاقات الإنسانية في البيئة التي يحيا فيها صاحب الرؤية ، وقد منح الله لنبيه يوسف قدرة على تفسير الرؤى والأحلام ، فكان أشهر معبري ومفسري الرؤى والأحلام في التاريخ الإنساني ، وفي الرؤى تحديدا هناك دوما تحذير بألا يقص الإنسان الرؤى السيئة والمخيفة على أحد ، لأنه بذلك يفتح لها أبواب التحقق ، وتلك وصية خاتم المرسلين صلوات ربي وسلامه عليه .

كيف نتجنب مشاهدة الاحلام المزعجة

أما الرؤى التي نسميها رؤى الشهوات أو (رؤى الجعان لسوق الخبز) ، فهي نوعيات من الرؤى ينفث الإنسان عن مكبوتات نفسه فيها ، لينال نفسيا بعض رغباته التي لا يستطيع تحقيقها وهو مستيقظ (موجود في جسده) ، وتلك رؤى كثيرة ومتفرقة وتحدث كثيرا للصبية والبنات وبعض النساء ، أو لبعض الذين يعانون الظلم والقهر ، وأخيرا تبقى رؤية تفاصيل حياة مستمرة ، ومتكررة ولها نتائج مثل الرؤية التي استعرضناها في المرة السابقة للفتاة (كاليليا) ، التي عاشت خلال غيبوبتها لأسابيع حياة كاملة لسنوات وتزوجت وأنجبت ثلاثة تواءم وربتهم حتى بلغوا الثالثة من العمر ، وتلك الحالة ليست غريبة بل تحدث لكل نفس ، وهي من أهم وأبرز ما يجهله الإنسان في رحلة حياته ، رغم أنها الأخطر في حياته على الإطلاق ، لأنه ببساطة عندما يغادر جسده للموت هنا في بعدنا الحالي ، فربما يكون له جسد آخر يمارس بواسطته الحياة ، ولا تشعر النفس وهي في الجسد الآخر سوى بحالة من الحزن الغير مبرر ، ولكنه إحساس بفقد شيء مهم ، تماما مثلما تستيقظ وداخلك حزن كبير كأنك فقد شيئا عزيزا لا يمكن تعويضه ، والحقيقة أنك فقد جسدا كنت تحيا به في بعد آخر بمعتطيات مختلفة ، وكل ما تتعامل معه في مختلف الأبعاد ما هو رحلات اختبار في الدنيا ، وتسجل جميعها في كتابك ، والذي ستقرأه بنفسك يوم القيامة ، وحينها لن يكون لديك رغبة في السؤال عمن كنت تحيا معهم في أي بعد أو أرض ، وذلك أحد أسباب قوله تعالى .. {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ }المؤمنون101 ، فعن من سوف تسأل ممن عرفتهم في مختلف الأبعاد ، خاصة وأن يوم القيامة لن تكون أنت بتلك النفس الناقصة ، بل سوف تكون قد زوجت كل النفوس الناقصة وعادت لمستقرها نفسا كاملة ، واختفت الأنساب تماما .

قرآن كريم ~ آية ~ فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم

أخيرا .. لابد نتوقف طويلا أمام تلك الحقائق التي قد لا يصدقها ابن آدم ، لأن كثير من البشر يفضل أن يعيش على ضلالات وأساطير البشر المتوارثة ، حتى ولو كانت تخالف كتاب الله وآياته ، فقط لأن عقله قادر على قبولها ، ولكونها أصبحت محفوظة ومقدسة بالتوارث وتوافقت مع عقله الضعيف ، وفهمه المتواضع ، على عكس الحقائق الكونية التي تفتح أمام عقله عوالم أكبر من حدود قدرته على الإدراك ، وتفجر في نفسه ملايين الأسئلة التي يعجز عن الإجابة عليها ، لو لم ينفذ أوامر خالقه بالتدبر في آيات كتابه العزيز ، والبحث والدراسة بالعلم والعمل الجاد ، وكفاه دعوة الله لابن آدم بالتفكر في (11) أحد عشرة آية مختلفة ، مثل أمر الله تعالى .. {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 ، وقوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الرعد3 ، وقوله تعالى .. {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الروم21 ، وقوله تعالى .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، ولذلك سوف نتوقف كثيرا عند حيوات وحركات النفوس ، ولماذا يعيد الله الخلق للنفوس في حيوات متكررة على الأرضين السبع ، وما هو مصير النفوس بعد الوفاة تبعا لأعمالها ؟؟ ، ولماذا سقطنا في أكذوبة عذاب القبر ، ومالذي نراه خارج أجسادنا من أنواع للرؤى والأحلام .. وكيف نفهمها … وذلك ما سوف نستعرضه من كتاب الله لاحقا .. 

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

مرحبا في .. عصور المفرمة …. بقلم : جمال عمر

لا شك أن كثير منا قد عرف مفهوم التعذيب وأساليبه الغريبة والرهيبة ، ولكن هل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *