في زخم ما نعاني منه من صراعات وتهديدات وعالم على حافة الهاوية ، ونبوءات وتوقعات ومؤامرات أتذكر دوما عبارة .. (سلمها لله تسلم يا ولدي) … وهي عبارة بسيطة اعتادت أمي رحمها الله على ترديدها كثيرا ، خاصة في المواقف التي تبدو وكأنها لا حل لها ، ولا أنكر أن نفس العبارة انتقلت لمخزوني النفسي وأصبحت من أكثر العبارات ترديدا على لساني سواءا لنفسي أو لأي إنسان يعاني أو يشكو من متاعب الحياة ، ولعلي لم اتوقف عند مفهوم هذه العبارة كثيرا إلا عندما دخلت مراحل سنية متقدمة ، والتي عندها كثيرا ما يتوقف الإنسان ليراجع كثيرا من قناعاته وقيمه وأفكاره بل وضلالاته المقدسة التي ورثها من بيئته وأهله ، بل ومن دينه أحيانا ، والعبارة فيها توصية بتسليم الأمور لله إذا ضاقت السبل واشتدت متاعب الحياة ، وهذا التسليم لا يجوز قولا باللسان دون فعل ، فما دمت قد سلمت الأمر لصاحب الأمر ، فالأولى أولا أن تستبشر بالخير ، لأنك سلمت الأمر لمن يقول للشيء كن فيكون ، بل وهو سبحانه الكريم والرحيم والغني الودود والقريب المجيب ، وهو السميع البصير ، وهو الحنان والمنان ، وهو علام الغيووب وبالتالي فهو يسمعك ويراك ويعلم ما لا تعلمه ، ويعلم ما ينفعك وما يضرك ورحيم بك وكريم في عطاءه لك ومجيب لمن دعاه ، فكيف تحزن بعدما سملت أمرك للله وتوكلت عليه لينقذك مما تشكو منه .
ولكن عملية التسليم لله ليست عشوائية ، ولكي تنجح فإن لها شروط أساسية ، أولها أن لا يكون في نفسك ذرة شك في أن الله سوف يستجيب ، فالله لا يقبل الشك فيه ، ولا يقبل فكرة أن تجربه ، فالله لا يجرب ، فلا تقولن سأسلمها لله وسوف انتظر النتيجة ، وثانيها أن الله لا يقبل سوء الظن به ، وهو ما يقع فيه كثير من الناس لضعف إيمانهم ، وأكثرهم من يرون أنهم مذنبون وأن الله سوف يعاقبهم على ذنوبهم بعدم الاستجابة ، وذلك هو قمة سوء الظن بالله ، لأنهم يقيسون صفات ربهم على نفوسهم وينسون أن الله سبحانه ليس كمثله شيء ، ولا يتصرف مثلما يتصرف الإنسان الضعيف الجزوع والهلوع العجول ، بل سبحانه قوي عزيز كريم رحيم ، لدرجة أنه يقول عن نفسه (أجيب دعوة الداع إذا دعان) ، فهو لم يقل أجيب دعوة المؤمن أو المسلم ، بل قال (الداع) ، إي إنسان أو حتى مخلوق ، (كفاه أنه عرف أن له ربا يدعوه) ، فسوف يستجيب له سبحانه ، وتلك هي أفعال الربوبية المطلقة لله على خلقه ، وثالثا .. فالتسليم يستلزم أيضا أن لا تسأل غيره بعده ، ولا أن تشكو من حالك لغير الله ، لأن الله لا يقبل شريكا له فيك ، فإذا خلصت بنفسك لله واسلمت نفسك وما أنت فيه لله ، فالله كافيك ومراضيك لا محالة .

ولست أدعي أنني ولي لله ولا نبي يوحى إليه ، ولا من الذين لا يخطئون ولا يقعون في في الذنوب ، فكثيرا ما يراودني أفكار ووساوس شياطين مثل أي إنسان ، ولكن الله يعينني وينقذني ويطمئن قلبي بذكره فاتخلص منها ، ونحن على وعده وعهده ما استطعنا ، وقد أثبتت تجارب الحياة ، أن ما يثبت الإنسان على قرب الله والثقة فيه سبحانه هو القرب من المساكين والضعفاء واليتامى والفقراء ، فكلما كان الإنسان قريب ومعين للفقراء والمساكين واليتامى والضعفاء ، كلما كانت رحمة الله قريبة منه ، فالله يقول .. { .. إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ }الأعراف56 ، لأن كل خلق الله على أرضه هم عياله ورعاياه ويحبهم جميعا سواسية ، ولكنه سبحانه يكون أقرب للضعيف والفقير والمسكين واليتيم ومن ليس له من يعينه سوى الله ، تماما مثل الأم تعتني دوما بالضعيف من عيالها ، ولله المثل الأعلى ، ولذلك كلما كان الإنسان متكبرا مغرورا وقاسيا على الضعفاء ، كلما كان أبعد عن الله ورحمته ، وكلما كان عقاب الله له شديدا أليما في الدنيا والآخرة إن لم يتب ويعود لربه مستغفرا ومصلحا ما أفسده .

ولا شك أن البيوت المؤلفة من بشر هي أيضا تصلح بصلاح أهلها ، بل ويقرن الله بين قرب رحمته من الأبناء بصلاح الوالدين ، فالأم الصالحة يراضيها ربها في أبنائها ، والأب الصالح يراعي الله أبنائه حتى بعد وفاته ، وهو ما ذكرنا به سبحانه في قوله في سورة الكهف .. {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً }الكهف82 ، فاستقامتك ليست تذهب هباءا بل يستمر ريعها وفائدتها إلى أبنائك من بعدك ، ولسنا نعني هنا أن يكون الإنسان ملائكيا لا يخطيء ، ولكن الصلاح هنا مرهون بالتوبة والاستغفار دوما ، فابن آدم في صراع مستمر مع الخطايا والذنوب ووسوسة الشياطين وفتن الدنيا ، وبالتالي فالله قريب من عبده الذي لا ييأس ولا يقنط من رحمة ربه ، وقريب من عبده المحسن الظن بالله ، والواثق في قدرة الله ووحدانيته ، والمحسن لعباده قولا وفعلا ، والشاكر لنعم ربه بالفعل وليس بالقول فقط ، فالله علمنا أن الشكر لابد وأن يكون فعلا وليس قولا فقط ، فقال لآل داوود عليهم السلام ، اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ }سبأ13 ، فشكر النعمة أن تتصدق منها ، سواءا كانت علما أو قوة أو مالا أو جاها أو حتى جمالا وصحة ، فلابد وأن تفيد من حولك مما رزقك الله به .
فالعبارة (سلمها لله تسلم) هي عبارة عامة بسيطة ، ولكنها تحمل مفهوم (الإسلام) الحقيقي وهو دين الله ، فالإسلام الحقيقي ليس هو الدين الخاص ويمتلكه أتباع خاتم الرسل (محمد) الملقبون بالمسلمين ، ولكنه دين الله الواحد ، وهو الذي أسلم به كل أنبياء ورسله على الأرض منذ بدء الخليقة ، وآخرهم من نعرفهم بداية من آدم وإدريس ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، فكل الرسل والأنبياء كانوا مسلمين من قبل أن يروا أو يعرفوا بأن خاتم الرسل سيكون (محمد) ، وبالتالي فمن آمن بوحدانية الله فهو مسلم ، دون أن يقول (محمد رسول الله) ، وبالتالي فإن قول بعض الفرق المتعصبة بأن مفتاح الجنة هو (محمد رسول الله) هو قول باطل ومتعصب ، وما يدعونه هو مجرد استمرارا لتعصب بني آدم ومحاولاتهم الدائمة للاسئثار بالقرب من الله والفوز بجنته دون غيرهم ، تقليدا لمن سبقهم من الأمم والملل المختلفة كاليهود والنصارى (المسيحيين) ، فالكل يستأثر كذبا بالله ويدعي أنه وحده على الحق ، وغيرهم كفرة ولن يدخلوا الجنة ، وهؤلاء يتألهون على الله ويشاركونه في ربوبيته لخلقه ، ولا عجب فقد ادعوا أن لله ولدا ، بل وقال اليهود على الله صفات تستحي الحروف كتابتها ، وتلك عادة البشر في ابتداع الضلالات ثم تقديسها واعتبارها جزءا من الدين .

ولا أدعي محاسبة من ضلوا وادعوا على الله في دينه الأكاذيب ، وحللوا وحرموا ما لم يأذن به الله ، وكأنهم أعلم من الله بدينه ، حتى لامهم سبحانه بقوله .. {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }الحجرات16 ، فابن آدم يقع في الشرك بالله دوما وهو يظن أنه يحسن عملا ، ولذلك نبأنا الله بأفعالهم في قوله تعالى في سورة الكهف .. { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً{103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً{104} ، ثم قضى الله في أمرهم عقابه المستحق بقوله تعالى .. { أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً{105} ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً{106} ، ولا عجب أن ينكر اليهود بعثة عيسى ، ويدعون أنهم في انتظاره ، وفي انتظار محمد من بعده ، وينكر المسيحيون بعثة محمد من الأساس ، وبعضهم يدعي أنه سوف يأتي بعد عودة عيسى في نهاية الزمان ، والعجيب أن جميع البشر بمختلف مللهم ينتظرون نزول المخلص ، أو المسيح ، أو المنقذ أو المختار ، وهي نفس فكرة السوبر هيرو الخرافية الذي ينتظره المستضعفين والمكذبين في العالم لينصرهم في آخر الزمان ، حتى الزارادشت وأتباع بوذا والسيخ والهندوس ناهيك عن الشيعة وأهل السنة في المسلمين ومن قبلهم اليهود والنصارى .

والعجيب أن عودة نبي أو رسول في آخر الزمان هي محض افتراء لا صحة له ، واستمرارا للأساطير والضلالات المقدسة ، ويكذبهم كتاب الله بين أيدي المسلمين ، فلا عودة لنبي ولا رسول مرة أخرى ، وخاصة وأن الله أنبأنا أن (محمد) هو خاتم المرسلين ، وكتابه المنزل معه هو رحمة الله ونذيره للناس ، لكل البشر إلى يوم الدين ، والأعجب أنهم لم يكتفوا بالادعاءات الكاذبة بعودة أو ظهور السوبر هيرو المنقذ والمخلص ، بل ألفوا أساطير ونبوءات ولها أحداث وتفاصيل ترتبط بعلامات اقتراب القيامة ، ومعظم البشر يصدق هذه الهراءات والنبوءات ويروج لها ، بل ويصنعون العرافين والعرافات ليروجوا ويثبتوا صحة أكاذيب أساطيرهم وخرافات الملل والمذاهب ، والله بريء من كل ما يدعون ، فالله خالق الكون ومنزل العلوم لعباده بقدر ما يصلح حالهم ، والقيامة سوف تأتي في ظل تراتيب علمية منطقية متتالية عبر الزمن ، ولا محل لكل البنوءات والإساطير والخرافات التي نلهث وراءها بحثا عن معرفة المستقبل والغيب ، والفارق بينهما كبير ، فالغيب هو مستقبل بعيد مخفي عن المخلوقات ، بينما المستقبل هي أحداث مستقبلية صدر الأمر بها ، ويمكن أن يدركها بعض خلق الله ، ولكنها مخفية عن الغالبية العظمى منهم .
اقلام مصرية موقع ووردبريس عربي آخر
