الاتزان الكوني والشفرة الإلهية (4) …. بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
14 سبتمبر، 2025
اراء ومقالات, التعليم والبحث العلمي, الشئون الدينية, المقالات والرأي, متنوعات
571 زيارة

استعرضنا سابقا بعضا من دلائل الشفرة الإلهية والتوازن الكوني الذي تفرضه في لمحات من حياة البشر ، ولكننا لم نقترب حقيقة من مفهوم الشفرة الإلهية الحقيقي ، لأنها تحتاج أن نكون مدركين معنى الاتزان الكوني الناتج عن الشفرة الإلهية في الخلق وحركة حياتهم ليس على الأرض التي نعرفها فقط ، ولكن اتزانا مع العوالم الموازية ، نعم هناك عوالم موازية ، وإضافة لما يقوله العلم حديثا عن وجود عوالم موازية ، فإن لدينا حديثا عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى .. “الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ”، حيث قال: “سبع أراضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيم ، وعيسى كعيسى“. رواه الحاكم والبيهقي ، وبالتالي فقمة الغباء أن ننكر وجود العوالم الموازية ، أو نظن أننا نعلم كل شيء عن خلق الله ، وأن نظن أن ما خلقه الله هو محصور فقط في حدود ما تستطيع قدراتنا الضعيفة جدا أن تدركه ، فالإنسان لا يرى إلا في حدود (400 : 700) نانومتر وهي لا تمثل أكثر من (1%) من حدود الترددات حوله ، ولا يسمع إلا أقل من في (1%) من الترددات حوله ، ولكنه كثيرا ما يشعر أن حوله الكثير مما لا يراه ولا يسمعه ، فيسميه (ما وراء الطبيعة) ، والحقيقة أنه باقي موجودات الطبيعة والخلق ، ولكننا لا ندرك منها إلا أقل القليل ، وذلك رحمة من الله لعدم قدرتنا الفطرية على الإحاطة بأكثر مما هو مسموح لنا.
ولنا دوما سؤالا بسيطا ، إذا كنت تؤمن بوجود الروح في جسدك ، وكذلك في كل جسد حي ، فهل رأيتها أو سمعت لها صوتا ، وهل تستطيع التعامل معها ، وإذا كنت تعلم أن لك (نفسا) هي المتحكمة في جسدك ، فما الفارق بينها وبين الروح التي تحيي لك جسدك ، وهل تعرف مما خلقت نفسك ، وما هي مواصفاتها الفطرية بخلاف مواصفات جسدك المادية ، والمخلوقة من أرقى درجات طين الأرض ، وذلك ببساطة ما أشار له الخالق العظيم .. لك ولي ولكل إنسان .. {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ }الذاريات21 ، فإذا كنت لا تدرك ولا تعي ولا تفهم ما في نفسك ، فكيف تدعي فهمك لما هو خارجها ، ونحمد الله كثيرا أنه فصل لنا كيف خلقنا ، وعلمنا الفصل بين النفس (أصل الإنسان ولبه) ، وبين الجسد المادي الحي (الطين + الروح) ، وأوضح لنا أن ذلك الجسد الحي ما هو إلا (مطية) تمتطيه (تحتله) النفس لتمارس به حركة الحياة ، فقط ما دام الجسد حيا ، فهو وسيلة تعامل النفس (أصل الإنسان) مع الحياة على الأرض ، وعلمنا سبحانه أن النفس تغادر الجسد يوميا للنوم ، حتى يستطيع الجسد إعادة صيانة خلايا أعضائه وأجهزته ومكوناته والتي يفسدها استخدام النفس الجسد خلال ساعات تواجدها داخله (الاستيقاظ) ، وعرفنا كيف أبدع الخالق العظيم التوازن ما بين النفس وبين الجسد الحي ، والذي لو اختل فسوف نرى جسدا يدمر نفسه ، نتيجة أوامر تدمير ذاتي من النفس ، وهو ما نراه في أسباب وفاة بعض الناس الذين فقدوا أحبابهم فجأة ، أو بعض من يأسوا من الحياة .

ولا شك أن التوازن ما بين النفس والجسد هو أهم ما يجب الحفاظ على وجوده وكفاءته ، فبدونه تختل موازين حياة الإنسان ، وتؤثر النفس سلبا على الجسد ، فتصيبه الأمراض بل وربما يصل به السوء للتدمير الذاتي للجسد ، ولعل من أهم أسباب اختلال التوازن بين النفس الجسد الحي ، هو الخلل في توازن النفس (ذاتها) ، أو الخلل في توازن الجسد (ذاته) ، ولو توقفنا عند التوازن الجسدي فسوف نرى عجبا في ابداع التوازن الفيزيائي للجسد الحي ، وليس هذا فقط ، بل لابد وأن يكون هناك اتزان ما بين جسد الإنسان وبين بيئته التي يحيا فيها ، ولتوضيح ذلك لابد أن نتذكر مثلا .. ، أنك لو نشأت في بيئة زراعية فجسدك ونفسك اعتاد هذه البيئة وتوافق معها ، ولكنك سوف تفقد هذا التوافق لو انتقلت فجأة لبيئة صحراوية أو صناعية ، وتزداد المشكلة تعقيدا لو انتقلت لبيئة ذات طقس مختلف اختلافا حادا ، تماما مثل صديقنا المحترم الذي انتقل من عزبة براشيم في المنوفية أو أو الخريانة في الفيوم إلى مدينة هيلنسكي في فنلندا ، أو مدينة أوسلو في النرويج ، فاختلت صحته النفسية والجسدية خلال أقل من شهر ، فهو لم يرى الشمس منذ قدومه ، وتغير غذائه (180 درجة) ، بل وأصبح وحيدا تماما ، فجيرانه في السكن لا يعرفون أسماء بعضهم ، ولا يعنيهم ذلك ، وانقلبت حياته من شخص اجتماعي محبوب وودود إلى ماكينة بشرية مكتئبة تكرر ما تفعله يوميا دون مجرد ابتسامة ، فالبشر حوله لا يبتسمون إلا نادرا وفي ظروف خاصة جدا ، وبالتالي هو يحتاج لعلاج نفسي وجسدي وسرعة تأقلم قد تكون فوق طاقته ، ومن المحتمل أنه قد لا يتحمل هذه الحياة كثيرا ، أو سوف يتحول لمسخ بشري في محاولة لانقاذ نفسه من الهلاك ، وربما اللجوء للانتحار مثل كثير من سكان هذه المدن ، صاحبة أعلى معدلات انتحار في العالم .

وهنا نتوقف عند أبرز عوامل الحفاظ على الاتزان الكوني في حياة الإنسان ، وهو حتمية وجود مشكلات حياة تعطي للإنسان الأمل في التغلب عليها ، وتحرك قدرات نفسه وجسده لتحقيق الأمال ، فتحفظ له اتزانه الجسدي والنفسي ، ولذلك فالأغنياء والمترفين وأصحاب أعلى معدلات دخل في العالم هم أصحاب الصدارة في معدلات الانتحار ، وهو ما نراه واضحا في ارتفاع معدلات الاكتئاب والانتحار كلما ارتفعت مستويات المعيشة والرفاهية ، فأعلى معدلات الاكتئاب والانتحار عالميا هي في اليابان وفنلندا والنرويج والسويد والدانمارك وهولندا ، بينما أقل المعدلات عالميا سوف تجدها في الدول المسلمة الفقيرة (تحديدا) ، وهنا نتوقف لنتعلم أو لنتذكر حكمة الخالق في خلقه ، والتي نقولها في مجالسنا كسؤال ساخر ، (بماذا تضحي لتأخذ) ، فلا يوجد شيء في الحياة بلا ثمن ، وأبسطها أنه كلما زاد ثراؤك (الغنى المادي) ، كلما فقدت جزءا من راحة بالك ، أقلها أنك ستكون مشغولا في طرق الحفاظ على ما تملك ، واستثماره وحمايته من النهب والسرقة والنصب ، وإذا تزوجت ملكة جمال فسوف تكون مشغولا بحمايتها من الطامعين والمتلصصين والمتربصين ، ولذلك فإن حكمة الدنيا لتحقيق الاتزان المريح لقلبك وعقلك تكمن في قناعاتك ورضاك بما يكفيك فقط ، أو بالأحرى رضاك بما قدره الله لك ، وشقاؤك يكمن في تطلعك الدائم لما هو في يد غيرك وليس في يديك ، وليس معنى هذا هو كسلك وتوقفك عن الطموح ، ولكن ليكن هدفك من الطموح هو ما تستطيع أن تقدمه للدنيا والناس في حياتك وبقدراتك ، لأن في ذلك ما يضمن لك أن ترضيك الدنيا (بإذن الله) بما لم تتخيله ، إضافة لراحة النفس والتي تكفيك للعبور من الدنيا سليما وراضيا ومرتاح البال .

ولابد هنا أن نذكر أنفسنا أننا لم يكن لنا اختيار في كل معطياتنا من الدنيا بداية من الوالدين والنوع (ذكر – أنثى) ومرورا بمواصفات الجسد ويوم الميلاد والبيئة التي ننشأ فيها والأحداث والدرجات للإنسان في الحياة ونهاية بلحظة الوفاة ، فكلها معطيات يقول عنها الخالق العظيم أنه منحنا إياها ليختبرنا فيها وبها ، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165 ، فلا يوجد بشر يستحق ما منحه الله إياه ، لأن الدنيا ليست دار استحقاق ولكتها دار اختبار ، وإن لم يكن إيمانك بالله كافيا لإقناعك بذلك ، فتذكر أن أكثر الناس التصاقا بأسرته هم الفقراء ، وأكثر الناس استمتاعا بحياة اجتماعية قوية ومترابطة هم الفقراء ، لأنهم لا يملكون ما يشغلهم عن علاقاتهم سويا ، بل يجدون في قوة علاقاتهم تعويضا رائعا لضعف مستوياتهم المادية ، وسوف تلاحظ ذلك في علاقات الزواج ، فالعروس التي تتزوج ولديها كل الكماليات ، تبدأ مشاكلها سريعا لأنها ليس لديها ما يشغلها ، بل وتبدأ في تكرار سؤال الوسواس الخناس منذ أول يوم في زواجها (هل اختيارها كان صحيحا أم كان هناك من هو أفضل من زوجها) ، فهي اعتادت أن تأخذ كمالياتها وأحلامها ، كما أنها لا يوجد في عقلها آمالا تريد أن تحققها ، بينما (الزواج) بالحد الأدنى من الاحتياجات سوف يجعل (الزوج والزوجة) حريصان على التمسك الزواج ، وينشغلا بما يحلمان بتحقيقه سويا واستكمال ما ، في بيت ودود وممتع سرعان ما يملأه الأطفال بهجة وسعادة على قدر ما يستطيعون . وتلك حكمة الاتزان النفسي والمادي في الدنيا الناتجة عن الشفرة الإلهية .

ولعلنا في عالمنا المعاصر قد رأينا الفارق بين قدرات الشباب التعليمية حاليا وبين أجيال سبقتهم ، لم يكن لديهم إنترنت ولا منصة تعليمية ولا حتى دروس خصوصية والتي كانت عيبا كبيرا في حق أي طالب ، ومع ذلك كانوا متفوقين ومنهم عباقرة ، لأنهم كانوا مضطرين لاستخدام قدراتهم الذهنية ، وقد أثبتت دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية الياباني أن معدل افراز العلماء والعباقرة بين الأطفال قد انخفض انخفاضا حادا بظهور التكنولوجيا ، وذلك من معدل (3 في الألف) ، إلى (2 في المليون) وذلك بين عامي (1970م : عام 2020م) ، ولذلك بدأت كثير من المدارس اليابانية والألمانية والفرنسية تنفيذ مبادرة إعادة التعليم الورقي التقليدي مرة أخرى ، وتنمية المهارات العقلية الذاتية للطلبة من جديد ، ففي أجيال ماضية كانت المنافسات في الفصول فيمن يحفظ جداول الضرب البسيطة والكبيرة ، واليوم ولدك في الجامعة يجمع أية أرقام بسيطة بواسطة الحاسب أو المحمول ، وتلك كارثة بكل المقاييس ، لأنها تعني أنها قد أغلق عقله تماما ، ولو وقع في أي مشكلة فسوف يسأل جوجل ، لدرجة أن أحد الشباب سأل جوجل ليحل له مشكلته مع زوجته وهو في شهر العسل ، وذلك هو الاتزان المفقود نتيجة الاعتماد على التكنولوجيا ، وقد رأيتها مرة أخرى في أحد المصانع ، عندما حضرت نقاشا عن أسلوب إصلاح أحدى المعدات ، فالمهندس الشاب مشغول بسؤال جوجل والذكاء الاصطناعي ، ولا يجد حلا للمشكلة حتى تدخل رئيسه (كبير السن والمقام) ، واكتشف سببب العطل بمراجعة سريعة لدورات التشغيل ، ووضع احتمالات العطل وأجرى بعض الاختبارات السريعة ، فاكتشف العطل وقام بإصلاحه ، وما زال مهندسنا الشاب يسأل الذكاء الاصطناعي .

أخيرا .. لابد أن نعلم أن التوازن هو العنصر الأساسي في خلق الكون وما فيه من مخلوقات وموجودات ، وهو العامل المؤثر على استقرار واستمرار الحياة على كوكب الأرض ، بل وعلى الأرضين السبعة التي لم تراها عيوننا ولكننا نعلم بوجودها ، نتيجة كثيرا من الأبحاث العلمية في ميكانيكا الكم ، ونتيجة أيضا لخبرتنا مع كثير من الحوادث الغريبة والتي لم يستطع الإنسان وضع تفسيرا منطقيا لها سوى حدوث عملية تماس لحظي بين الأبعاد نتيجة خلل معين ، وهو ما أحدث ثورة في الفكر الإنساني ، بل وتقوم كثير من الدول بأبحاثها السرية حول هذا الموضوع وكيفية التعامل معه ، بل ووصلت بعض الوكالات السرية لما يفوق قدرات التخيل ، ولكنها تتكتم على نتائجها ، وتستغلها لتحقيق تقدم في العلوم الدقيقة والفوق عقلية ، وهو ما سوف نتناوله لاحقا …
جمال عمر