لله .. في خلقه شئون ؟؟؟ … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
8 ديسمبر، 2024
اخبار عامة, اراء ومقالات, الترفيه والفن والرياضة, التنمية والمشروعات القومية, الشئون الامنية, الشئون الدينية, الشئون العسكرية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, سياسة, شئون, وزارات
283 زيارة

لا شك أن الفكر ومستوى الثقافة الشخصية لأي إنسان ، تشكل ملامح أساليب تعامله مع الحياة وعلى رأسها نفسه ثم المخلوقات الأخرى حوله ، وأهمها البشر أمثاله ، وتساهم البيئة والتربية في تشكيل الأساس الثابت للفكر والمعتقدات التي تتحكم في سلوكيات الإنسان ، مهما ارتقى المستوى الثقافي بتقدم العمر ، فالطفل الذي اعتاد رؤية أمه تكذب سوف يصبح الكذب من أهم ملامح شخصيته وهو لا يدري ، والطفل الذي اعتاد رؤية الميسح (إبن الإله) مصلوبا في الكنيسة ، من الصعب إقناعه بأن الله واحد أحد وفرد صمد ، أو يرى الله سبحانه بصورة غير ما اعتاد عليه ، واليهودي الذي تربى على احتقار كل من هو ليس يهوديا ، واعتبار غير اليهود مجرد حيوانات بشرية خلقها الله لخدمة اليهود ، من الصعب عليه أن يعود لصوابه ويرى البشر جميعا سواسية ، وطفلك الذي تلبي كل طلباته ، لن تستطع يوما أن تقنعه أن يتحمل حتى مسئولية نفسه ، فالإنسان رغم يقينه الداخلي بخطأ معتقداته ، إلا أنه يميل دوما لما اعتاد عليه ويوافق أهواءه وشهواته ورغباتها ، ولذلك فالتربية والنشأة الشاقة غالبا ما تكون تربية جيدة للنفوس ، ولذلك لن تجد نبيا أو رسولا قد رباه أباه وأمه معا ، بل جميعهم تربوا أيتاما وعانوا مرارة وقسوة الحياة مبكرا .

ولا شك أيضا أن اختلاف المفاهيم والمعتقدات بل والأذواق والميول هو ضرورة حتمية لاستمرار الحياة على الأرض ، لأن ناموس الحياة يقتضي الاختلاف ، انطلاقا من القانون الأزلي للدنيا المبني على حتمية النقص (الضعف) والاحتياج للتكامل ، ولولا ضعف النفوس وحاجتها للتكامل مع غيرها ، ما تزاوجت الكائنات على الأرض ، وما استمر الاستخلاف لبني آدم ، ولذلك نجد أنه من قمة الحماقة في دعاء البعض بقوله (اللهم لا تحوجني لبشر) ، وهنا حرفيا صاحب هذا الدعاء يطلب الموت من ربه سريعا ، وهو لا يدري حماقة دعائه ، ويمكن أن نقيس على هذا سلوكيات كثير من البشر في الدنيا ، كنتيجة منطقية لسوء استخدام صفة الإبداع (الرغبة في الإتيان بالجديد) ، والتي جعلها الله فطرة في نفوس البشر فقط ، من أجل حرص النفوس بفطرتها على إعمار الأرض ، لأن إعمار الأرض كخلفاء عليها هو مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها ، وبمعنى أكثر وضوحا ، فإعمار الأرض فقط هو العبادة الحقيقية ، ولذلك يسمي الله الكفرة من عباده بلقب (عبادي) .. فيقول سبحانه .. ( ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل .. )، ويؤكد عيسى ابن مريم لله تعالى بأن الكفرة من أتباعه هم عباد الله (إن تعذبهم فهم عبادك .. ) .

وهنا نتوقف قليلا عند مشيئة الله أن يكون البشر في الدنيا مختلفين ، منهم المؤمن ومنهم الكافر والمشرك والملحد ، والغني والفقير ، والشريف والحقير ، والغليظ والرقيق ، والأذكياء والحمقى ، وكلها دون استثناء هي معطيات اختباراتهم في الدنيا ، وكل منهم يحاسبه الله على قدر ما آتاهم (ليبلوكم فيما آتاكم) ، فلن يحاسب الله من ولد ملحدا على آيات القرآن العظيم ، فلكل إنسان حسابه على قدر ما شاء الله له أن يتعلم ويفهم ، ويبهرنا سبحانه بقراره بوضع حد أدنى لكل خلقه باختلافاتهم في قوله تعالى .. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة62 ، فالحد الأدنى لكل عباده (خلقه) هو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح (إعمار الأرض) ، وناهينا عن سوء الفهم لدى المفسرين ، فهي خطيئة بشرية مزمنة ، فكل أصحاب رسالة يرون أنفسهم فقط هم ابناء الله وأحباءه وعياله ، وهم الأولى برحمته وحمايته وجنته ، وذلك استمرارا أحمقا وساذجا لفطرة طفلك الصغير ، الذي يريد أن يكون وحده هو الأقرب لك دون إخوته ، والتي نادرا ما يتخلص منها بشر مهما طال عمره .. إلا من رحم ربي .

وانظر لنفسك في مرايا التقييم والحساب ، فأنت ترى نفسك أفضل من جارك وأخيك وأصحابك ، وزوجتك ترى نفسها أفضل نساء الكون ، وإن كانت صاحبة حظ سيء ، وولدك هو أذكى الأطفال وأشطرهم ، مهما كان معيوبا ومنقوصا ، ولكنه ولدك ونتاج حياتك ، ولا شك أن هذا الشعور الساذج هو من أخطر مشاعر البشر المسيطرة ، بل وهي سبب جميع الصراعات والمؤامرات والحروب عبر التاريخ ، بالرغم من أن فطرة الرغبة في التميز هو سبب التقدم والتطور للحياة على الأرض ، ولكن سوء استخدامها وتجاوزها للمراد منها ، هو ما يحولها من ميزة دافعة للتقدم إلى دافعا خطيرا لتدمير حياة البشر ، فالغيرة هي دفعت أخوة نبي الله يوسف أن يلقوه في البئر ، ويقسون على أبيهم نبي الله يعقوب ، فيحرمونه من طفله المحبوب ، ويدفعونه للحزن المزمن عقودا طويلة حتى ذهبت عيناه ، ولكن عجبا فلولا هذا الفعل المشين ، ما تحول (يوسف) من مجرد طفل مدلل ، إلى نبي ملك غير مسبوق في علمه وحكمته وقوته وسلطانه وإنجازاته ، التي أصبحت أساسا للأنبياء الملوك من ذرية إبراهيم على عرش مصر قرونا طويلة ، والتي انتهت بنبي الله الملك يحي أو (توت عنخ آمون) ، وهي أحدث الاكتشافات المتستر عليها في مصر ، بعد العثور على جسامين أربعة أنبياء ملوك في وادي الملوك الأول منذ أسابيع قليلة ، والخلاصة أن كل ما يحدث في الكون خاصة ما بين البشر على الأرض ، هو تدبير إلهي لحكمته التي لا يدرك أبعادها وحقيقتها سواه سبحانه ، وقد لا يدركها ابن آدم ولا يفهم مرادها إلا بعد حين .

فلله في خلقه شئون ، تماما مثل ما ترى طفلا تقتله سيارة أو تصعقه الكهرباء أو تقتله أمه ، وتكثر الأسئلة .. ما هو ذنبه الذي اقترفه ليموت قبل أن يعرف الدنيا ويحياها ، وتكثر الأقاويل والتخيلات والظنون ، فيقول لك رجال الدين بأن هؤلاء سوف يكونون غلمان الجنة ، ويقول لك آخرون أنهم قد أصبحوا ملائكة ، والحقيقة مختلفة تماما ، فهؤلاء جاءوا للدنيا لسداد ديون عليهم من حياة سابقة ، تماما مثلما تتعجب من شخص يتحمل استعباد وعذاب غيره له سنوات طويلة ، وهو يملك أن يفر من عذابه ، ولا تدري أنه مكتوب عليه أن يرد ديونا ارتكب مثلها في حياته السابقة ، وهو ما يوضحه سبحانه بقوله تعالى .. {فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }الواقعة86 ،87 ، فكل من يحيا اليوم في الدنيا هو يستكمل رحلات اختباراته ، ويسدد خلالها ديونا عليه قد ارتكبها في حياته السابقة ، وسوف تستمر رحلات اختبارات كل منا ، إلا في حالتين ، أولهما أن يرتكب ما يعتبره سبحانه كفرا وتحديا لله ، فيخرج من الدنيا ولا يعود لها حتى يوم القيامة ، وثانيهما أ، ينهي رحلة اختباره بامتياز ويصبح من (السابقون) وهم الصديقون والشهداء ، والذين يعودون للدنيا للراحة والتمتع بها دون اختبار إلى يوم القيامة ، وتلك هي الحقيقة المذكورة بآيات كريمة في كتابه العزيز ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

وكذلك عجبا للمسلمين ، فبين أيديهم كتاب قال فيه سبحانه .. {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ }هود1 ، ولكنهم يصدقون جهل وظنون المفسرين ، ويكذبون آيات قرآن عظيم ، بل ويدعي بعضهم أن أقوال للرسول تنفي وتنسخ آيات محكمات ، فمثلا يصف سبحانه ادعاءاتنا أننا نعيش الحياة مرة واحد فقط بأنه جهل وظنون كاذبة ، فيقول لنا .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 ، ورغم أننا نقرأ هذه الآية منذ أربعة عشرة قرنا وتحديدا (1446) سنة ، إلا أننا مصرون على جهلنا وظنوننا ، ونكذب قول الحق سبحانه ، ونؤكد أن حياتنا هي لمرة واحدة ، ونظل بعدها في انتظار يوم القيامة ، بل وداخل القبور ، والأعجب أن كل فئة من البشر ما زالت تؤكد أنهم أصحاب الجنة ، بل وبعضهم يؤكد أنه سيدخل الجنة مهما فعل لأنهم فقط من شعب الله المختار (لدى اليهود) ، أو من أتباع المخلص (لدى المسيحيين) ، أو قال لا إله إلا الله (لدى المسلمين) ، ويرد الله عليهم بقوله .. {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ، بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }البقرة 80 ، 81، .

ولا ننسى أننا لسنا مخولين ولا مسموح لنا أن نسخر أو نستهزيء بمعتقدات أحد ، وليس ذلك لأنه قد يكون على حق ، بل وحتى ونحن واثقين من ضلاله وكفره ، ولكن فقط لأن اختلافه هو قدر الله وقضاؤه في رحلة اختباره ، ووواجبنا أن نتجنب أن يكتب علينا سبحانه أن نكون مكانه يوما ما ، وترد علينا سخريتنا واستهزاءنا بالمثل ، فالديون مردودة كما شاء سبحانه ، كما أننا لا يجوز لنا ولا نملك رفاهية أن نعير بشرا بخطاياه مطلقا ، لأن ناموس الخالق قضى بأنك لو عيرت بشر بخطيئته فقد حكمت على نفسك أن تكون مكانه وتذوق معايرة غيرك لك كما عيرت بشرا يوما ما ، وبالتالي لسنا مخولين ولا مسموح لنا أن نفضح خطايا غيرنا مطلقا ، فمن فضح بشرا فضحه الله على رؤوس الخلائق يوما ما وبنفس تفاصيل الفضيحة ، ولذلك يأمرنا سبحانه بالستر على عباده ، لدرجة أنك لو رأيت فاحشة خاصة لو كانت حالة زنا ، فليس لك أن تعلنها مطلقا ، إلا لو طلب منك الشهادة وبشرط أن يكون معك أربعة شهود عدول يقسمون أنهم رأوا (المرود في المكحلة) ، وهو شرط مستحيل ، وقد شدده سبحانه وصعبه ، لأن الستر أولى وأفضل لمنع نشر الفواحش بين الناس ، فالنفوس تضعف وتقلد الفساد عند ضعفها لو اعتادت الحديث عنه ، ولكننا اليوم أصبحت أخبار الفضائح والفواحش من عادات الحديث والإعلام اليومية ، وهو ما يستوجب سخط الله وغضبه على من ينشره ويتفكه به ، وهو ما يوضح أسباب ضيق العيش وصعوبة الحياة التي نشكو منها .

أخيرا .. لله في خلقه شئون .. ليست حكمة صماء ، ولكنها حكمة ترسم ملامح حياتنا كما أرادها خالقنا العظيم ، وذلك لو علمنا حقائق خلقنا كنفوس تأتي للدنيا ليختبرها سبحانه من خلال تنفيذ مهمة إعمار الأرض كخلفاء عليها ، في إطار أوامر ونواهي الله سبحانه ، والمتوافقة مع طبيعة خلقنا ، والتي تعلمنا أنه من حسن إسلام المرء نفسه لله ، أن يترك ما لا يعنيه ، ويهتم بانتقاد ومحاسبة نفسه قبل غيره ، وأن يكون رحيما بخلق الله حوله ، لو شاء أن يرحمه ربه في الدنيا والآخرة ، ولا يعجبن لأحداث الدنيا مهما كانت ، لأنها تنفيذا لمراد الله في خلقه ، ولا نقول إلا ما أمرنا الله عندما نرى ما لا يتوافق مع ما نعلمه .. فقد أمرنا سبحانه أن نحمده لو رأينا لله عبرا وآيات .. {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }النمل93 ، وأمرنا سبحانه أن نحمده لو رأينا الجهل يكثر بين الناس .. { .. قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }لقمان25 ، وأمرنا سبحانه نحمده أيضا لو رأينا البشر لا يعقلون ما يقولون أو يفعلون .. { .. قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ }العنكبوت63
جمال عمر