لله .. في خلقه شئون ؟؟؟ … بقلم : جمال عمر

لا شك أن الفكر ومستوى الثقافة الشخصية لأي إنسان ، تشكل ملامح أساليب تعامله مع الحياة وعلى رأسها نفسه ثم المخلوقات الأخرى حوله ، وأهمها البشر أمثاله ، وتساهم البيئة والتربية في تشكيل الأساس الثابت للفكر والمعتقدات التي تتحكم في سلوكيات الإنسان ، مهما ارتقى المستوى الثقافي بتقدم العمر ، فالطفل الذي اعتاد رؤية أمه تكذب سوف يصبح الكذب من أهم ملامح شخصيته وهو لا يدري ، والطفل الذي اعتاد رؤية الميسح (إبن الإله) مصلوبا في الكنيسة ، من الصعب إقناعه بأن الله واحد أحد وفرد صمد ، أو يرى الله سبحانه بصورة غير ما اعتاد عليه ، واليهودي الذي تربى على احتقار كل من هو ليس يهوديا ، واعتبار غير اليهود مجرد حيوانات بشرية خلقها الله لخدمة اليهود ، من الصعب عليه أن يعود لصوابه ويرى البشر جميعا سواسية ، وطفلك الذي تلبي كل طلباته ، لن تستطع يوما أن تقنعه أن يتحمل حتى مسئولية نفسه ، فالإنسان رغم يقينه الداخلي بخطأ معتقداته ، إلا أنه يميل دوما لما اعتاد عليه ويوافق أهواءه وشهواته ورغباتها ، ولذلك فالتربية والنشأة الشاقة غالبا ما تكون تربية جيدة للنفوس ، ولذلك لن تجد نبيا أو رسولا قد رباه أباه وأمه معا ، بل جميعهم تربوا أيتاما وعانوا مرارة وقسوة الحياة مبكرا .

ولا شك أيضا أن اختلاف المفاهيم والمعتقدات بل والأذواق والميول هو ضرورة حتمية لاستمرار الحياة على الأرض ، لأن ناموس الحياة يقتضي الاختلاف ، انطلاقا من القانون الأزلي للدنيا المبني على حتمية النقص (الضعف) والاحتياج للتكامل ، ولولا ضعف النفوس وحاجتها للتكامل مع غيرها ، ما تزاوجت الكائنات على الأرض ، وما استمر الاستخلاف لبني آدم ، ولذلك نجد أنه من قمة الحماقة في دعاء البعض بقوله (اللهم لا تحوجني لبشر) ، وهنا حرفيا صاحب هذا الدعاء يطلب الموت من ربه سريعا ، وهو لا يدري حماقة دعائه ، ويمكن أن نقيس على هذا سلوكيات كثير من البشر في الدنيا ، كنتيجة منطقية لسوء استخدام صفة الإبداع (الرغبة في الإتيان بالجديد) ، والتي جعلها الله فطرة في نفوس البشر فقط ، من أجل حرص النفوس بفطرتها على إعمار الأرض ، لأن إعمار الأرض كخلفاء عليها هو مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها ، وبمعنى أكثر وضوحا ، فإعمار الأرض فقط هو العبادة الحقيقية ، ولذلك يسمي الله الكفرة من عباده بلقب (عبادي) .. فيقول سبحانه .. ( ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل .. )، ويؤكد عيسى ابن مريم لله تعالى بأن الكفرة من أتباعه هم عباد الله (إن تعذبهم فهم عبادك .. ) .

وهنا نتوقف قليلا عند مشيئة الله أن يكون البشر في الدنيا مختلفين ، منهم المؤمن ومنهم الكافر والمشرك والملحد ، والغني والفقير ، والشريف والحقير ، والغليظ والرقيق ، والأذكياء والحمقى ، وكلها دون استثناء هي معطيات اختباراتهم في الدنيا ، وكل منهم يحاسبه الله على قدر ما آتاهم (ليبلوكم فيما آتاكم) ، فلن يحاسب الله من ولد ملحدا على آيات القرآن العظيم ، فلكل إنسان حسابه على قدر ما شاء الله له أن يتعلم ويفهم ، ويبهرنا سبحانه بقراره بوضع حد أدنى لكل خلقه باختلافاتهم في قوله تعالى .. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة62 ، فالحد الأدنى لكل عباده (خلقه) هو الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح (إعمار الأرض) ، وناهينا عن سوء الفهم لدى المفسرين ، فهي خطيئة بشرية مزمنة ، فكل أصحاب رسالة يرون أنفسهم فقط هم ابناء الله وأحباءه وعياله ، وهم الأولى برحمته وحمايته وجنته ، وذلك استمرارا أحمقا وساذجا لفطرة طفلك الصغير ، الذي يريد أن يكون وحده هو الأقرب لك دون إخوته ، والتي نادرا ما يتخلص منها بشر مهما طال عمره .. إلا من رحم ربي .

وانظر لنفسك في مرايا التقييم والحساب ، فأنت ترى نفسك أفضل من جارك وأخيك وأصحابك ، وزوجتك ترى نفسها أفضل نساء الكون ، وإن كانت صاحبة حظ سيء ، وولدك هو أذكى الأطفال وأشطرهم ، مهما كان معيوبا ومنقوصا ، ولكنه ولدك ونتاج حياتك ، ولا شك أن هذا الشعور الساذج هو من أخطر مشاعر البشر المسيطرة ، بل وهي سبب جميع الصراعات والمؤامرات والحروب عبر التاريخ ، بالرغم من أن فطرة الرغبة في التميز هو سبب التقدم والتطور للحياة على الأرض ، ولكن سوء استخدامها وتجاوزها للمراد منها ، هو ما يحولها من ميزة دافعة للتقدم إلى دافعا خطيرا لتدمير حياة البشر ، فالغيرة هي دفعت أخوة نبي الله يوسف أن يلقوه في البئر ، ويقسون على أبيهم نبي الله يعقوب ، فيحرمونه من طفله المحبوب ، ويدفعونه للحزن المزمن عقودا طويلة حتى ذهبت عيناه ، ولكن عجبا فلولا هذا الفعل المشين ، ما تحول (يوسف) من مجرد طفل مدلل ، إلى نبي ملك غير مسبوق في علمه وحكمته وقوته وسلطانه وإنجازاته ، التي أصبحت أساسا للأنبياء الملوك من ذرية إبراهيم على عرش مصر قرونا طويلة ، والتي انتهت بنبي الله الملك يحي أو (توت عنخ آمون) ، وهي أحدث الاكتشافات المتستر عليها في مصر ، بعد العثور على جسامين أربعة أنبياء ملوك في وادي الملوك الأول منذ أسابيع قليلة ، والخلاصة أن كل ما يحدث في الكون خاصة ما بين البشر على الأرض ، هو تدبير إلهي لحكمته التي لا يدرك أبعادها وحقيقتها سواه سبحانه ، وقد لا يدركها ابن آدم ولا يفهم مرادها إلا بعد حين .

فلله في خلقه شئون ، تماما مثل ما ترى طفلا تقتله سيارة أو تصعقه الكهرباء أو تقتله أمه ، وتكثر الأسئلة .. ما هو ذنبه الذي اقترفه ليموت قبل أن يعرف الدنيا ويحياها ، وتكثر الأقاويل والتخيلات والظنون ، فيقول لك رجال الدين بأن هؤلاء سوف يكونون غلمان الجنة ، ويقول لك آخرون أنهم قد أصبحوا ملائكة ، والحقيقة مختلفة تماما ، فهؤلاء جاءوا للدنيا لسداد ديون عليهم من حياة سابقة ، تماما مثلما تتعجب من شخص يتحمل استعباد وعذاب غيره له سنوات طويلة ، وهو يملك أن يفر من عذابه ، ولا تدري أنه مكتوب عليه أن يرد ديونا ارتكب مثلها في حياته السابقة ، وهو ما يوضحه سبحانه بقوله تعالى .. {فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }الواقعة86 ،87 ، فكل من يحيا اليوم في الدنيا هو يستكمل رحلات اختباراته ، ويسدد خلالها ديونا عليه قد ارتكبها في حياته السابقة ، وسوف تستمر رحلات اختبارات كل منا ، إلا في حالتين ، أولهما أن يرتكب ما يعتبره سبحانه كفرا وتحديا لله ، فيخرج من الدنيا ولا يعود لها حتى يوم القيامة ، وثانيهما أ، ينهي رحلة اختباره بامتياز ويصبح من (السابقون) وهم الصديقون والشهداء ، والذين يعودون للدنيا للراحة والتمتع بها دون اختبار إلى يوم القيامة ، وتلك هي الحقيقة المذكورة بآيات كريمة في كتابه العزيز ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

وكذلك عجبا للمسلمين ، فبين أيديهم كتاب قال فيه سبحانه .. {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ }هود1 ، ولكنهم يصدقون جهل وظنون المفسرين ، ويكذبون آيات قرآن عظيم ، بل ويدعي بعضهم أن أقوال للرسول تنفي وتنسخ آيات محكمات ، فمثلا  يصف سبحانه ادعاءاتنا أننا نعيش الحياة مرة واحد فقط بأنه جهل وظنون كاذبة ، فيقول لنا .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 ، ورغم أننا نقرأ هذه الآية منذ أربعة عشرة قرنا وتحديدا (1446) سنة ، إلا أننا مصرون على جهلنا وظنوننا ، ونكذب قول الحق سبحانه ، ونؤكد أن حياتنا هي لمرة واحدة ، ونظل بعدها في انتظار يوم القيامة ، بل وداخل القبور ، والأعجب أن كل فئة من البشر ما زالت تؤكد أنهم أصحاب الجنة ، بل وبعضهم يؤكد أنه سيدخل الجنة مهما فعل لأنهم فقط من شعب الله المختار (لدى اليهود) ، أو من أتباع المخلص (لدى المسيحيين) ، أو قال لا إله إلا الله (لدى المسلمين) ، ويرد الله عليهم بقوله .. {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ، بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }البقرة 80 ، 81، .

ولا ننسى أننا لسنا مخولين ولا مسموح لنا أن نسخر أو نستهزيء بمعتقدات أحد ، وليس ذلك لأنه قد يكون على حق ، بل وحتى ونحن واثقين من ضلاله وكفره ، ولكن فقط لأن اختلافه هو قدر الله وقضاؤه في رحلة اختباره ، ووواجبنا أن نتجنب أن يكتب علينا سبحانه أن نكون مكانه يوما ما ، وترد علينا سخريتنا واستهزاءنا بالمثل ، فالديون مردودة كما شاء سبحانه ، كما أننا لا يجوز لنا ولا نملك رفاهية أن نعير بشرا بخطاياه مطلقا ، لأن ناموس الخالق قضى بأنك لو عيرت بشر بخطيئته فقد حكمت على نفسك أن تكون مكانه وتذوق معايرة غيرك لك كما عيرت بشرا يوما ما ، وبالتالي لسنا مخولين ولا مسموح لنا أن نفضح خطايا غيرنا مطلقا ، فمن فضح بشرا فضحه الله على رؤوس الخلائق يوما ما وبنفس تفاصيل الفضيحة ، ولذلك يأمرنا سبحانه بالستر على عباده ، لدرجة أنك لو رأيت فاحشة خاصة لو كانت حالة زنا ، فليس لك أن تعلنها مطلقا ، إلا لو طلب منك الشهادة وبشرط أن يكون معك أربعة شهود عدول يقسمون أنهم رأوا (المرود في المكحلة) ، وهو شرط مستحيل ، وقد شدده سبحانه وصعبه ، لأن الستر أولى وأفضل لمنع نشر الفواحش بين الناس ، فالنفوس تضعف وتقلد الفساد عند ضعفها لو اعتادت الحديث عنه ، ولكننا اليوم أصبحت أخبار الفضائح والفواحش من عادات الحديث والإعلام اليومية ، وهو ما يستوجب سخط الله وغضبه على من ينشره ويتفكه به ، وهو ما يوضح أسباب ضيق العيش وصعوبة الحياة التي نشكو منها .

أخيرا .. لله في خلقه شئون .. ليست حكمة صماء ، ولكنها حكمة ترسم ملامح حياتنا كما أرادها خالقنا العظيم ، وذلك لو علمنا حقائق خلقنا كنفوس تأتي للدنيا ليختبرها سبحانه من خلال تنفيذ مهمة إعمار الأرض كخلفاء عليها ، في إطار أوامر ونواهي الله سبحانه ، والمتوافقة مع طبيعة خلقنا ، والتي تعلمنا أنه من حسن إسلام المرء نفسه لله ، أن يترك ما لا يعنيه ، ويهتم بانتقاد ومحاسبة نفسه قبل غيره ، وأن يكون رحيما بخلق الله حوله ، لو شاء أن يرحمه ربه في الدنيا والآخرة ، ولا يعجبن لأحداث الدنيا مهما كانت ، لأنها تنفيذا لمراد الله في خلقه ، ولا نقول إلا ما أمرنا الله عندما نرى ما لا يتوافق مع ما نعلمه .. فقد أمرنا سبحانه أن نحمده لو رأينا لله عبرا وآيات .. {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }النمل93 ، وأمرنا سبحانه أن نحمده لو رأينا الجهل يكثر بين الناس .. { .. قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }لقمان25 ، وأمرنا سبحانه نحمده أيضا لو رأينا البشر لا يعقلون ما يقولون أو يفعلون  .. { .. قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ }العنكبوت63

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *