نفسك .. كما لم تعرفها (7) .. ؟؟ … بقلم : جمال عمر

توقفنا سابقا عند حقيقة أننا جميعا من نوع واحد من النفوس التي خلقها الله ، ولا توجد أنواع مختلفة في النفس البشرية ، وأن النفس الإنسانية تمتلك نوازع (حالات) ثلاثة تتحرك فيما بينها في ممارستها لحركة حياتها ، وهذه النوازع هي التي تغير حالة النفس ما بين الفجور والاستدراك والسكينة ، وهي الأمر بالسوء ، واللوم ، والاطمئنان ، وهي التي عرفنا إيهاها الخالق العظيم بقوله .. { .. إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }يوسف53 ، وقوله تعالى .. {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ }القيامة2 ، ثم قوله تعالى .. {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ }الفجر27 ، وعلمنا أن الله قد ألهم كل نفس (فجورها وتقواها) ، وترك للنفس حرية الاختيار بينهما ، كما استعرضنا حقيقة أن النفوس لا تمتلك إلا النوايا ، وتلك التي يحاسبنا الله عليها ، ولذلك فكل نفس مرهونة بما تكسبه من النوايا .. {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }المدثر38 ، ولا يحاسب ابن آدم إلا على نواياه .. { إنما الأعمال بالنيات ولكل امريء ما نوى} ،  {لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة284 ، أما ما يجري من أحداث تجري على أيدي الناس فهي في الدنيا هي أقدار مقدورة بدقة ، ولا تملك نفس أن تفعل ما تريده أو تغير من أحداث الدنيا مطلقا .

وذلك أن الله لا يترك لمخلوق أن يفعل شيئا وفقا لأهوائه وإرادته ، بل نحن ممثلون يؤدي كل منا دوره بدقة متناهية في قصة الحياة حتى يوم القيامة ، ولا يملك مخلوقا تغيير شيء منه مطلقا ، حتى أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته ، لأن الله سبحانه وتعالى لو ترك الأمور لنوايا وأهواء البشر لفسدت السماوات والأرض ، فيقرر سبحانه ذلك بآيات محكمات يقول فيها .. {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ }المؤمنون71 ، فما يحدث وما سوف يحدث ليس أكثر من (ذكر) ، أي إعادة تمثيل لما سبق كتابته ، والذي أوجز الله قصته كاملة في آيات كتابه العزيز .. {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }الأنبياء10 ، ولكن غرور النفوس وجهلها يمنعها من تصديق ذلك ، رغم أنه سبحانه قد أعلن لنا حرفيا بآياته أن كل ما نستعجل حدوثه قد صدر فيه أمر الله من قبل بقوله تعالى .. {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }النحل1 .

ثم زادنا سبحانه وتعالى تفصيلا لمعنى (آتى أمر الله فلا تستعجلوه) بآية أخرى في سورة السجدة ، أوضح فيها أنه سبحانه يسير أفعال البشر في حركة الحياة كيفما شاء ، وفقا لقضاءه المكتوب من قبل حدوثه بمدة زمنية تساوي زمن نزوله من الإمام المبين إلى الأرض ، وهو قوله تعالى .. {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }السجدة5 ، فالأمر يدبره سبحانه ويكتبه في الإمام المبين الذي يوضحه بقوله تعالى .. {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ }يس12 ، وبعد تدبيره في الإمام المبين يبدأ نزوله حيا صورة وصوتا من الإمام المبين إلى مكان حدوثه على الأرض فيستغرق رحلة مدتها 500 عام من تقويم الأرض (مما تعدون) ، حتى يحدث على الأرض ، فيبدا رحلة العروج لإعادة التبليغ بتمام حدوثه ، فيصل إلى محل تسجيله في الإمام المبين مرة أخرى ، في رحلة مدتها 500 عام أخرى ، لتكتمل دورة تدبير الأمر بألف عام (مما تعدون) .

ولذلك .. يرى كثير من الناس رؤى (أحلام) وربما ينسونها ، ثم تفاجئهم أحداث الحياة بتكرار تلك المواقف والمشاهد التي رآوها من قبل في منامهم ، ولا يستطيع أحد أن يغير شيئا منها أثناء حدوثها ولا حتى أقواله وأفعاله فيها ، فيحياها كما رآها في أحلامه ، ويظن أن ذلك شيئا غريبا أو معجزا ، والحقيقة أبسط من ذلك ، وهي أنه قد رأي ذلك الحدث في أحد رحلات نومه ، حيث يسمح الله لكثير من النفوس أن ترى الأحداث خلال رحلة نزولها إلى الأرض قبل حدوثها ، وأحيانا في رحلة عروجها بعد حدوثها ، وذلك رحمة من الله بعباده ليربط على قلوبهم ، وكذلك ليضرب لهم الأمثال ويذكرهم أنه وحده صاحب الأمر والمدبر الأمور ، وما هم إلا ممثلون على مسرح الحياة ، يؤدون أدوارهم المكتوبة لهم وعليهم بدقة متناهية ، ولا يملك مخلوقا تغيير سكنة أو ذرة منها ، ويسمي رسول الله هذا الحلم بـ  (الرؤيا الصادقة) ، ويقول عنها أنها جزء من ستة وأربعون جزءا من النبوة ، ومما لا شك فيه أن هذه الرؤى يراها المؤمن والملحد والكافر ، ولا علاقة لها بالإيمان أو الكفر أو الصلاح والفسوق ، فهي لمحات من رحمة الله التي وسعت كل شيء ، خاصة وأن الكفر والإيمان في الدنيا هي معطيات فرضها الله كمتطلبات اختبارات لعباده ، وهو ما أوضحه سبحانه بقوله تعالى .. { .. لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48 .

ونلاحظ أنه سبحانه جمع كل حركة حياة البشر في الآية البليغة .. {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ }يس12 ، بداية من إحياء النفوس في أجساد ثم كتابة أفعالهم كاملة ، وكذلك تأثيراتها وآثارها في الحياة على الأرض ، وذلك في إحصاء دقيق لها ، وكل ذلك يسجل بدقة في (الإمام المبين) قبل حدوثه بخمسمائة عام ، فلحظة ميلادك على الأرض بكل تفاصيلها حتى النظرة والهمسة ، قد تم سطرها وتدبيرها من قبل حدوثها بخمسمائة عام ، بل إن إنسان يحيا على الأرض اليوم ، وقد كتبت حياته كاملة بما فيها مماته ، من قبل أن يولد ، وليس هذا شيئا عجيبا ، فإذا كنا ونحن بشر ضعيف لا نقبل ولا نعطي الحق لأي ماكينة أو معدة نصنعها بأيدينا أن يكون لها إرادة أن تفعل شيئا غير الذي صنعناها من أجله ، فكيف نظن أو تصور لنا عقولنا فنتخيل أو نعتقد أن صنعة الله (مخلوقاته ونحن منهم) تستطيع أن تفعل في ملكه شيئا لا يريده أو لم يقدره لها أن تفعله ، فمن المنطقي أن لا تستطيع نفس أن تفعل شيئا إلا ما قدره الله وكتبه لها أو عليها .

وهنا نعيد التذكرة بالإجابة على السؤال الملح على نفوسنا ، وهو لماذا يحاسبنا الله إذا كان كل فعل قد كتبه سبحانه علينا أن نفعله حتى النظرة والهمسة ، والإجابة بسيطة ، فابن آدم وكل مخلوقات الله المكلفة قد منحها الله الحرية في اختيار نواياها ، وتلك هي الأمانة التي تحملناها ، أن نحسن الاختيار بما يرضي الله ، وهي التي يحاسبنا الله عليها ، ولا يحاسبنا سبحانه وتعالى على فعل أو حدث مطلقا ، لأن أعمالنا المحاسبون عليها هي أختيارات نفوسنا فقط ، والتي لا يعلمها إلا الله وحده ، وأما عن الفساد في الأرض ، فهو مهما كثر وزاد فهو ليس إلا بعضا قليلا من سيئات نفوسنا ، يجريها الله على أيدينا ليذقنا بعضا من فداحة ومرارة هذه السيئات ، لعلنا نرتدع ونعود ونستقيم وهو ما يؤكده سبحانه بقوله .. {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الروم41 ، ولو دققنا الفهم في قوله تعالى (بما كسبت أيدي الناس) ، لعلمنا أن ما كسبته أيدي الناس ، قد حدث بإرادة أخرى وهي ليست بإرادة النفوس ، وليست بإرادة الأيدي التي لا إرداة لها ، ولكنها إرادة الله وحده ، ولكنها في الأصل كانت بعضا من سيئات نوايا النفوس ، وليست كلها ، ولابد أن نكون على يقين من ذلك ، حتى نتذكر دوما نهي الله تعالى في سورة الكهف {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً ، إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً}{23،24} .

وهنا يجب أن نتوقف ونراجع حقائق نفوسنا ، فأولا .. نحن مجرد نفوس أصلها نفس واحدة متكاملة .. (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) الزمر6 ، خلقها الله على صورته ، وثانيا .. قد كتب الله عليها مهمة إعمار الأرض ، وثالثا .. أن الله اقتطع من كل نفس شطرها الذي يكملها (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) الزمر6 ، وقد شاء الله أن يكون كل شطر من النفس ناقصا يحتاج للتكامل ، وسواء أحيا الله الشطر في جسد ذكر أو أو جسد أنثى ، فيكون كل منهم محتاجا للتكامل مع الآخر ، فإذا تكاملا نتج عنهما جيلا جديدا فيستمر الاستخلاف على الأرض ، وذلك هو ناموس الحياة على الأرض (ما بين ضعف النفوس وحاجتها للتكامل) ، رابعا .. أن حالة النفس الناقصة هي حالة استقرار مؤقتة يسميها سبحانه بـ (مستودع) ، والتي تمتد حتى نهاية الحياة على الأرض (يوم القيامة) ، وببداية أحداث يوم القيامة تتزاوج النفوس .. {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ }التكوير7 ، فتكتمل كل نفس ناقصة مرة أخرى ، وتعود إلى حالة (المستقر) .. {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }الأنعام98 .

خامسا .. أن النفس لكي تحيا على الأرض ، يمنح الله كل نفس جسدا من طين الأرض لتحيا به الأرض لتعمرها ، وأن الجسد هو مجرد (مطية) مستخدمة ، ويجعل الله هذا الجسد حيا بإدخال الروح (سر الإحياء) فيه من لحظة تكونه حيوانا منويا وبويضة ، ليكون جاهزا لاستخدام النفس له بعد اكتماله ، سادسا .. لا علاقة لنا كنفوس بالروح سوى أنها تحيي لنا الجسد لنستخدمه ، وكذلك لا علاقة لنا بالجسد سوى أننا نستخدمه في رحلة حياة ، وتنتهي العلاقة بيننا كـ (نفوس) وبين أجسادنا الحية (الجسد + الروح) بمجرد موت هذه الأجساد بخروج الروح منها ، سابعا .. أننا كنفوس نمر برحلات اختبار متعددة على الأرض ، وليست رحلة واحدة كما ندعي كذبا .. {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24 ، وكل رحلة نمر بها هي في الحقيقة مرحلة من مراحل الاختبارات المتتالية ، وتتميز كل مرحلة بمعطياتها المختلفة تبعا لنوعية الاختبارات ، ثامنا .. أننا لا نملك سوى النوايا لأن الأفعال مقدرة ومكتوبة ، ونوايانا هي اختياراتنا وهي الأمانات التي يحاسبنا الله عليها .

ومعنى ذلك أننا كنفوس نسوق أجسادنا ونسيطر عليها ونستخدمها في رحلة الحياة ، فالجسد لا قرار له ولا قدرة له دون وجود النفس صاحبة القرار ، وهو ما تراه جليا في حالة النوم ، فعند النوم لا يوجد إنسان بل هو مجرد جسد حي ، قد غادرته النفس صاحبته ، ولا حول ولا قوة له ، ولو طال غياب النفس لأصبح وجود الجسد عالة وعبئا وبلا فائدة ، ولا شك أن النفس تسيطر على الجسد من مركز قيادته (القلب) ، وتدير جميع عملياته باستخدام مركز العمليات الدائم وهو (المخ) ، فالمخ مجرد آلة حاسبة (كومبيوتر عملاق) ، يحتوي على مليارات الخلايا العصبية المقسمة إلى أنواع لها آلاف الوظائف ، ولا عجب أن يكون القلب هو مسكن النفس ومحل إقامتها الدائم ومركز القيادة للجسد وصاحب الـ 400 ألف خلية عاقلة ، وبالتالي فهو يسيطر على كامل الجسد بواسطة المخ بشبكته العصبية الجبارة ، وهو ما نلاحظه عند الاستيقاظ من النوم أو عند الدوار ، فأنت مدرك لما حولك ولكنك تفقد قدرتك على التعامل معه ، لأن الإشارات الكهرومغناطيسية من مركز القيادة (القلب) ، ومركز العمليات (المخ) ، تكون معطلة أو بطيئة ، ويستدل عليها فعليا بقياسات تدفق الدم من القلب إلى المخ .

ولا شك أننا عند ممارسة حركة الحياة مستيقظين ، نستخدم وسائل الاستقبال والإرسال (الإدخال والإخراج) الجسدية ، وهي الحواس الخمس المعروفة ، النظر والسمع والحس والشم والتذوق ، والتي بواسطتها نستقبل ما يحدث ونترجمه مرئيات ومدركات على شاشات المخ ، والذي يعرض على الخلايا العاقلة في القلب ، والتي تستخدمها النفس للفهم والإدراك واتخاذ القرارات لردود الأفعال والتي تبدأ بالنوايا ، التي تصدر بها أوامر من النفس وتترجمها بواسطة القلب لإشارات كهرومغناطيسية إلى المخ ، والذي يترجمها كذلك إلى مختلف الغدد والأعضاء ، لتتحول لإشارات كهروكيميائية من خلال الهرمونات ، تساهم في حركة الأعضاء واستجابتها ،

كما أن للنفس قدرات أخرى خارج الحيز المحيط بالجسد لا تستخدم فيها المخ إلا مؤخرا ، حيث تستطيع النفس الخروج بجزء منها لمتابعة ما يحدث بعيدا عنها ، والعودة سريعا فتسجل ما رأته على خلايا الذاكرة في المخ ، ولا شك أن القلب في هذه الحالة ، يكون هو أول ما يعي ويستجيب لما تحمله النفس من أخبار وأحداث من خارج الجسد ، وذلك من قبل أن تسجله النفس على خلايا الذاكرة ، وبالتالي من قبل ظهوره على شاشة المخ كمعلومات أو بيانات ، وذلك سر انفعال القلب والشعور بالخوف أو الانزعاج أو حتى الفرح بلا مبرر ، حيث تكون النفس قد رأت شيئا خارج حدود الجسد ، وتأثر به مركز (قيادة) إقامة النفس وهو القلب ، من قبل فهم وإدراك حقيقته ، فترى الأم تشعر بأحوال أولادها وهم بعيدا عنها ، وهو أبرز أمثلة أحد قدرات النفس خارج حدود الجسد ، ويستخدم بعض الناس هذه القدرات وينميها ويطور قدراتها ويسميها البعض بـ (التخاطر) ، كما يرى البعض الرؤى وتتحقق فيسميها البعض (ديفاجو) ، وبعض القدرات ، ويسخر بعضهم قدرته النفسية ليفسد حياة آخرين ، فنسميه حسدا ، وغيرها الكثير من القدرات الغير طبيعية والتي نعتبرها غريبة ولكنها في الحقيقة مجرد قدرات للنفس ، يجيدها البعض ويجهلها الكثيرون .

أخيرا .. نتوقف عند إعجاز تفاعلات سيطرة النفس على الجسد والتي تحتاج لمجلدات لوصفها بدقة ، حيث يعد تكوين الإنسان من (نفس + جسد حي) مخلوقا معجزا بل هو من أعقد وأبرع مخلوقات الله على أرضه ، من حيث الروعة والتوافق والتعقيد والمزامنة ودقة العمل والتفاعل ، وهو ما ينبهنا له سبحانه بقوله .. {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ }الذاريات21 ، وهي الآية التي يجب أن نتوقف عندها طويلا قبل أن نخوض في أحوال النفس وتداعياتها ، والأمراض التي تعتريها وأساليب علاجها .. وهو ما سوف نستعرضه لاحقا …

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

إنه زمن الدجال .. يا سادة (4) …. بقلم : جمال عمر

استكمالا لمسلسل زمن الدجال على أرض الواقع ، يشهد الشرق الأوسط حاليا ، واحدة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *