اعرف أعداءك .. لو شئت السعادة (1) … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
25 يونيو، 2022
اراء ومقالات, الشئون الدينية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, شئون
594 زيارة

خلق الله سبحانه الإنسان ، وكلفه بمهمة إعمار الأرض كخليفة عليها ، مثل من سبقوه ، فالإنسان ليس أول المستخلفين على الأرض ، وقد جاء الإنسان استبدلا لهم بعد انتهاء أجل استخلافهم عليها ، فاستبدلهم الله بخلق جديد هو الإنسان ، وهو ما يتوعدنا الله به في كتابه العزيز بقوله تعالى .. {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ }الأنعام133 ، فابن آدم جاء للدنيا خليفة مهمته إعمارها ، وبالتالي فحياته كاملة هي محل اختبار وتقييم ، ولذلك جعل الله له أعداء يعرقلون استمرار أو نجاح مهمته ، وناهينا عما يقوله الكثيرون أنهم سبعة أو خمسة ، ولكن الحقيقة أن أعداء الإنسان هم ثلاثة أنواع رئيسية تندرج تحتها كل أنواع الأعداء التي يستفيض في ذكرها العلماء ورجال الدين ، وهؤلاء الثلاثة هم { نفسه – إبليس – فتن الدنيا } ، وكل من هذه الأعداء يتفرع منها أعداء فرعيين لابد أن يعرفهم ابن آدم ويكون يقظا في التعامل معهم .

أول أعداء الإنسان هو النفس ، ونفس ابن آدم تكمن فيها آفات متعددة تجعل منها عدوا شرسا ، وماكرا وخطيرا ، بل إن نفسك هي أخطر أعداءك ، وآفات النفس البشرية اختصارا عددها سبعة كبار هي { الأمر بالسوء – الفجور – اللوم – الكبر – الجهل – سوء استخدام الإبداع – الضعف (هلوعا جزوعا منوعا ) } ، وأول آفات النفس المدمرة ، أنها تهوى الأمر بالسوء ، وهو ما ذكره سبحانه في سورة يوسف تحديدا { … إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }يوسف53 ، وثاني آفات النفس هو الفجور ، فكل نفس تريد أن تطلق العنان لرغباتها وشهواتها ، ولذلك يقول خالقها سبحانه .. {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ }القيامة5 ، كما أن النفس لوامة لقوله تعالى .. {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ }القيامة2 ، وبرغم أن اللوم يفيد النفس فتراجع أخطاءها ، إلا أنه كثيرا ما يتجاوز حدوده فينقلب ليصبح قاتلا للنفس والجسد ، خاصة عندما يخسر ابن آدم بيديه شيئا غاليا ، فتتحول النفس لمارد لوام لنفسه لا يرحمها حتى تدمر نفسها وجسدها ، ولذلك يأمرنا سبحانه بألا نحزن ولا تحبط مهما حدث .. {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }آل عمران139 .

ويعد الكبر والغرور من أخطر آفات النفس ، وهي ما يسميها علماء النفس بـ “الأنا” ، فكل نفس يكمن داخلها إحساس بأنها لابد أن تكون الأفضل ، وتهوى النفس التفاخر والخيلاء وهو ما يكرهه سبحانه وتعالى .. فيقول لابن آدم .. { .. إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً }النساء36 ، ولا يقع ابن آدم في الكبر إلا عندما يفرح بنفسه ، ولذلك يذكره ربه على لسان لقمان بقوله تعالى .. {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً }الإسراء37 ، والكبر هو خطيئة إبليس التي جلبت عليه لعنة الله وسخطه .. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ }البقرة34 ، وهو أيضا أهم أسباب خلود ابن آدم في النار لقوله تعالى .. {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }الأعراف36 ، ويقول سبحانه وتعالى في حديثه القدسي .. { العظمة إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني فيهما أهلكته (أدخلته النار) ولا أبالي } ، والعجيب في ابن آدم أنه يعرف ويوقن في حياته أن كل ما لديه في الدنيا هو من معطيات الله ، وأنها ليست معطيات استحقاق (لأنه يستحقها) دون غيره ، ولكنها معطيات له ليحاسبه الله عليها ، وكلما زادت معطيات الله كلما كان حساب الله له شديدا وعسيرا ، ولكنه يفرح ويطلب المزيد ، والأغرب أن حماقته تجعله يتفاخر ويتكبر بمعطيات ليس له فيها فضل بل وهي وبالا عليه .

ويبقى أخطر آفات النفس البشرية على الإطلاق .. وهو الجهل ، فكثير من الناس يحيا عمره وهو جاهل لكثير من مفاهيم ناموس الله في خلقه ، بل ويجهل لماذا خلقه الله وعلى ماذا سيحاسبه ربه ، بل وأخطر من هذا أنه يجهل حكمة ناموس الله في خلقه (قوانين الخلق) ، والتي تحكم حركة الحياة والهدف منها ، فعلى سبيل المثال … كل إنسان يعاني ويكافح ويشقى من أجل استمرار حياته وتحسينها ، وهذه المعاناة ليست من مستجدات زمن بعينه ولكنها قانون أبدي من ناموس الخالق في خلقه ، وقد اختصر الله هذا القانون الأزلي من ناموسه بقوله تعالة .. {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ }البلد4 ، وعفوا ربي وصفحا ، فكثير من الناس يفهم هذا القرار الإلهي فهما سطحيا مغلوطا ، مستسلما لفكرة مجردة مفادها “أن الإنسان قد جاء الله به في الدنيا ليشقى ويتعب ويعاني” ، ويذكرها عامة البشر عند التعرض لمصاعب أو متاعب ، وبالتالي تجد معظم الناس تقضي عمرها باحثة عن المتعة لعلها تنال بها السعادة ، وذلك بالسعي وراء الراحة والمتع في الدنيا ، وتلك هي الكارثة لأنه فهم سطحي للآية ، ولكنها ليست الحقيقة مطلقا ، ومن يصدق هذا يكون قد سقط في مستنقع الشقاء الدائم بلا توقف ، ، فالدنيا خلقها الله دارا زاخرة بالسعادة ، وممارسة حركة الحياة هي الوسيلة للسعادة ، ولكن لا ينالها ابن آدم إلا لو فهم وأدرك طبيعة خلقه كجزء من ناموس الخالق (قوانينه الأبدية) في خلق الإنسان ، وكيف يحقق لنفسه السعادة ببساطة ويسر ؟؟؟

ولا بد هنا أن نتذكر الفارق بين المتعة والسعادة ، فالمتعة هي فرحة النفس ونشوتها بالحصول على شيء يلبي شهوة بعينها ، كالطعام والجنس والسفر والراحة والمخدرات ، وهذه المتعة مرتبطة بإفراز الجسم لهرمونات محددة هي “الدوبامين والأندروفين” ، والتي يسميها كثير من العلماء كذبا أو جهلا بهرمونات السعادة ، ولكنها فقط هرمونات المتعة ، والتي ترتفع سريعا فتعطي الجسد نشوة تذوقها النفس ، ولكنها سرعان ما تنخفض لأقل مستوياتها ، فيصرخ الجسد وتتلهف النفس لجرعة أخرى جديدة أكبر من سابقتها ، واعتياد الجسم على تكرار الارتفاع والاتخفاض السريه لهرمونات المتعة (الدوبامين – الأندروفين) ، يدخل الجسد في حالة الإدمان ، والتي لا تظهر بشكلها المزعج والخطير إلا في الإدمانات المدمرة مثل إدمان الخمر والمخدرات ، ولكن جميع حالات الإدمان الأخرى لا تقل خطورة عن المخدرات ، فإدمان الجنس يؤدي لكوارث صحية واجتماعية ، وإدمان الطعام يهلك الجسد ، وإدمان الراحة يدمر النفس والجسد ، ولا حل للتخلص من حالات الإدمان إلا بتحويلها أو تحويل الغالبية العظمى منها من متعة إلى سعادة .

كيف تحول المتعة إلى سعادة ؟؟ ، وهنا نتوقف عند إعجاز خلق الله للنفس البشرية ، ثم إعجاز خلق الله للجسد الذي تستخدمه النفس خلال حياتها في الدنيا ، فمن إعجاز الله في النفس البشرية أنها لا تصل للسعادة والرضا عن نفسها إلا لو شعرت أنها ذات قيمة لمن حولها ، ولا تصل لنشوة الرضا إلا عندما تعطي أو تمنح أو تساعد أو تعول وتتحمل مسئولية غيرها ، فالسعادة هي نتيجة مباشرة لقيام الإنسان بالعطاء ، حيث لا يفرز أي جسد هرمونات السعادة إلا بالعطاء وهي “السيريتونين” والـ “أوكسيتوسين” ، وتلك الهرمونات تسبب انبساطة النفس وشعورها بالرضا والاكتفاء والهدوء ، ولفترات طويلة ، ولو اعتادتها النفس لكانت بديلا رائعا لنشوة المتع المدمرة ، فالسعادة لا تتحقق للنفس والجسد إلا بالعطاء للغير ، وهو ما اختصره سبحانه بقوله تعالى .. {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ }العاديات8 ، على عكس هرمونات المتعة التي يرتفع تركيزها فجائيا ثم ينخفض سريعا ، ليعلن للجسد أنه في حاجة لتكرار الشهوة مرارا وبمعدلات أعلى في كل مرة عن سابقتها ، وهو الإدمان الذي يدمر نفس وجسد الإنسان .

ولذلك يمكن تحويل كل متعة لسعادة ، بداية من الطعام ، بأن تشارك أحدا معك فيه ، أو تتولى مسئولية إطعام غيرك مما تحب من الطعام ، وهو ما يذكرنا به سبحانه بقوله .. {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ }آل عمران92 ، والبر هنا ليس الثواب فقط ، بل الأهم هو شعور نفسك بالسعادة ، لأنك حين تطعم غيرك مما تحب من الطعام ، فهذا يشعرك بأنك كبير بعطاءك ، ولله المثل الأعلى فسبحانه يكون مثلك الأعلى هو الحي القيوم سبحانه وتعالى ، والأخطر والأهم هو شهوة الجنس ، والتي لو ظلت مجرد متعة فقط ، لكانت مدمرة وسببا في فساد حياة البشر ، ولكن لو حرص الزوجان على أن يسعد كل منهما الآخر في العلاقة بينهما ، لتحولت متعتهما إلى سعادة مستمرة ومتواصلة ومتزايدة ، ولا يمنع هذا أن يختلفا ويتشاجرا ، ولكنهما أبدا لا يستطيعان الاستغناء عن بعضهما ، لأنهما ذاقا واستمتعا بمعنى حقيقي للسعادة ، بخلاف لو كانت العلاقات غير مستقرة ولا أمان ولا استمرار لها ، فلا يفرز الجسد سوى هرمونات المتعة ، التي تختفي سريعا فيطلب الجسد والنفس المزيد بلا اكتفاء ، وهو ما نعرفه بالإدمان المدمر ، الذي يتطور بفجور النفس للانحرافات والمحرمات والشذوذ .

ولاشك أن متعة العلم لا يوازيها متعة أخرى ، فمن الرائع أن تتعلم شيئا جديدا وتفهمه وتجيده أفضل من غيرك ، وهو ما يزيد نهمك للعلم حتى تبدع فيه ، ولكن هذه المتعة قد تتحول لإدمان يفسد العقل ويدمره أن لم تتطور لسعادة ، ولا تتحول متعة العلم إلى سعادة تملأ النفس بالرضا ، إلا لو حرص الإنسان على تعليم ما يتعلمه لغيره ، ولذلك سوف تجد كثيرا من كبار العلماء الحقيقيين أكثر حرصا على نقل علمه لغيره ، لأنهم ينتقلون من المتعة إلى سعادة العطاء للغير ، بينما تجد أنصاف المتعلمين يخفون ما تعلموه عن غيرهم ، وذلك لسوء فهمهم لحكمة الحياة وناموس الكون ، ولجهلهم الشديد بقدور السعادة التي تعود عليهم من مشاركة العلم مع غيرهم ، وتحمل مسئولية نشره بين الناس .

وعندما نعلم أن سعادة النفس تكمن في مشقة العطاء للغير ، وأنها فطرة الله في خلقه للنفوس وكذلك الأجساد التي تستخدمها النفوس للحياة بها ، فلابد وأن نتوقف لنصحح الفهم لقوله تعالى .. {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ }البلد4، فالله خلق الإنسان في سعادة لا ينالها إلا بالعطاء والسعي من أجل غيره ، لأن الله خلقنا جميعا بمهمة واحدة وهي التعاون في إعمار الأرض ، ولذلك جعل الله الأجساد متوافقة مع النفوس فلا تقوى ولا تشتد إلا بالتعب وبذل الجهد وتحمل المشاق ، ولولا الحركة والمشقة لترهلت الأجساد ومرضت ، وهو ما نراه في هواة الراحة ومدمني الاستمتاع من أبنائنا الذين أفسدنا نفوسهم وأجسادهم ، ودللناهم وجنبناهم كل ما يشق عليهم أو يتطلب جهدا وتعبا ، فنتج لنا كثير من أبنائنا ضعاف النفس والجسد ومحدودي القدرات ، احترفوا الكسل والراحة ، ولا قيمة لهم في الدنيا ولا يتحملون المسئولية مطلقا ، فكثرت حالات الطلاق وتشريد الأطفال وفساد البيوت والأسر ، بسبب أننا أشفقنا على أبنائنا من تحمل مشاق الحياة ، وأفسدناهم تدليلا وحماية ورعاية أكثر من حاجتهم .

وأخيرا .. لنتذكر أن أننا ما زلنا متوقفين عن “النفس” كأول أعداء الإنسان الثلاثة (نفسه – إبليس – فتن الدنيا) ، وما زلنا متوقفين عند آفات النفس { الأمر بالسوء – الفجور – اللوم – الكبر – الجهل – سوء استخدام الإبداع – الضعف (هلوعا جزوعا منوعا ) } ، واستعرضنا آفة الجهل وتوقفنا فقط عند أحد حالات الجهل وهي الجهل بحكمة ناموس الخالق في حركة حياة البشر (حقيقة الكبد) ، وعلمنا أن الجهل يعد خطيرا خاصة لو اقترن بآفة أخرى مثل ضعف الفهم (الغباء) ، والذي قد ينقلب لكارثة على النفس لو اقترن بالكبر ، فترفض النفس محاولة الفهم فيتحول الغباء إلى حماقة ، فكل داء له دواء إلا الحماقة أعيت من يداويها ، وما زال الحديث طويلا في آفات النفس التي تعد أخطر أعداء الإنسان وأشدها فتكا به ، ولذلك دوما ندعوه سبحانه قائلين .. “اللهم لا تكلنا لأنفسنا طرفة عين ، ونعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …
جمال عمر