العالم .. إلى أين ؟؟ (4) … بقلم : جمال عمر
الكاتب : جمال عمر
29 مايو، 2022
اراء ومقالات, الشئون الامنية, الفكر والثقافة والعلوم, المقالات والرأي, سياسة داخلية وبرلمان, متنوعات
800 زيارة

استعرضنا سابقا المواقف العالمية والدولية والإقليمية ، واكتشفنا أن الماسونية والمتمثلة في رأس الأفعى بريطانيا والبلطجي االعالمي أمريكا قد نجحوا في استدراج روسيا للمستنقع الأوكراني لتكرار هدم القوى الروسية وإنهاكها ، كما تم هدم الاتحاد السوفيتي من قبل بعد توريطه في أفغانستان ، وتماما كما تم هدم القوى النازية وأوروبا بإنهاكها في الحرب العالمية الأولى والثانية وخرجت أمريكا منهما دون أن تتورط كالعادة لتحصي الغنائم فقط ، ولكن هذه المرة كل العالم وعلى رأسها روسيا والصين يحفظون السيناريوهات السابقة جيدا ، ولذلك جاءت كل النتائج عكس حسابات الماسونية ، وفاجئت روسيا العالم بفشل تأثير العقوبات الاقتصادية عليها .

ولذلك اكتشفت أمريكا والغرب أن روسيا تتعمد إطالة أمد العملية العسكرية وتضغط على اقتصاد أوروبا وأمريكا بمنتهى القسوة والحرفية ، رغم ادعائاتهم أن روسيا فاشلة وتعاني الهزيمة والخسائر ، ولكن الغريب حقا أن أوروبا وقادة الماسونية في العالم قد تورطوا بالفعل في إعادة الحسابات قبل فوات الآوان ، خاصة وأن الاقتصاد الماسوني المعتمد على الدولار قد خسر هيبته وسيطرته إلى غير رجعة ، بعدما نجحت روسيا في إجبارهم على التعامل بعملتها وتجرأت السعودية والصين والهند على استخدام عملات للتجارة غير الدولار الأمريكي ، وهو ما شجع باقي دول العالم لإعادة حساباتهم تجاه التعامل بالدولار ، وحتمية استخدام عملات أخرى مستقبلا ، وهو ما سوف يدمر اقتصاد الماسونية عامة والدولار على وجه الخصوص .

ولذلك لا عجب أن يفاجئنا عراب الماسونية العجوز “هنري كيسنجر” بتحذير خطير للغرب وأمريكا ، ومن بعده خبيث الماسونية جورج سورس ، وذلك خلال منتدى دافوس الاقتصادي العالمي بسويسرا منذ أيام قليلة ، وأوصوا بضرورة الحرص على عدم استمرار الحرب الأوكرانية أكثر من شهرين قادمين كحد أقصى ، وأضاف كيسنجر في تحول استراتيجي خطير بقوله ” أن من حق روسيا الدفاع عن أمنها القومي والحرص على حياد أوكرانيا طبقا للاتفاقات الدولية السابقة ، وعلى أوكرانيا التنازل عما احتله بوتين من أراضيها” ، ثم أضاف كيسنجر .. ” أننا لابد وأن نقبل بالواقع وهو أن روسيا تنتمي لأوروبا شئنا أو أبينا ، ولا داعي أن نغضب بوتين أو نحاول إذلاله ، فنخسر كل شيء في النظام العالمي الذي بنيناه ، ولا ننسى أنه ليس من الحكمة ، بل من قمة الغباء أن ندفع كل من روسيا والصين للتقارب المتصاعد حاليا ، ووضعهما في جبهة واحدة ضد الغرب وأمريكا ، ولابد أن تتجنب واشنطن المواجهة مع الصين بشأن تايوان ” .

ولا شك أن ما قاله هنري كيسنجر يعد قمة العقل والحكمة ، ولو كان يعنيه حقيقة فالنظام العالمي الماسوني ينهار ويعاني بشدة ، وربما تكون هذه التصريحات هي تمهيد ماسوني للتفاوض مع روسيا وإنهاء الحرب في غضون أسابيع ، ولكن أيضا هناك احتمالات واردة بأن تصريحاته ليست أكثر من مناورة ماسونية لكسب الوقت ، وتخفيف التصعيد الروسي والصيني ، خاصة بعدما قامت القوات المسلحة الروسية بمناورات مشتركة مع الصين فوق المحيط الهادي وقريبا من بحر اليابان وكوريا الجنوبية ، متزامنا مع تجارب باليستية صينية ، وأعقبها أيضا تجارب نووية لكوريا الشمالية ، في بحر اليابان خلال زيارة بايدن لكوريا الجنوبية ، في رسالات جادة وخطيرة للغرب ، مفادها أنهم مستعدون للحرب حتى لو كانت نووية ، وهو ما يهدد النظام العالمي الماسوني القائم في الصميم ، رغم أنهم هم من أشعلوا الحرب ، ولكن يبدو أنهم أخطأوا في حساباتهم كثيرا عندما استدرجوا بوتين للحرب ، و لو كانت أمريكا تحقق نجاحا على الساحة الأوكرانية لاختلفت اللهجة تماما ، خاصة وأنهم دفعوا بإيطاليا (عضو الناتو) لتقديم مبادرة سلام لإنهاء الحرب لروسيا وليس لأوكرانيا التي يدعون إعلاميا أنها منتصرة .

ولا تقتصر الجبهات الساخنة المفتوحة حاليا على الساحة الأوكرانية والبحر الصيني ودول آسيا فقط ، بل هناك ساحات حرب باردة قابلة للاشتعال وتستعد لتصبح مسارح عمليات متفجرة ، بل وربما تكون هذه البقعة أكثر سخونة وخطورة من كل المسارح الأخرى وهو مسرح العمليات في القطب الشمالي ، والذي تسيطر عليه روسيا بأكبر قاعدة عسكرية منذ أكثر من عشر سنوات ، وأمريكا تعمل سرا ورفعت إنفاقها العسكري على قاعدة جزيرة جرين لاند التابعة للدانمارك في بحر الشمال على حافة القطب الشمالي ، وهو ما فضحته الدانمارك لاعتراضها على توسيع القاعدة دون استئذان منها كمالكة للجزيرة ، حيث اعلنت الدنمارك عن تحركات عسكرية امريكية بقاعدة ثول في جرين لاند بالقطب الشمالي استعداداً لصد هجوم نووي روسي على الولايات المتحدة .

ولكن على الجانب الآخر فأمريكا وبريطانيا وهما يمثلان رأس الحربة للنظام االعالمي الماسوني الجديد ، يريان طبقا لتصريحات جونسون وهرتلات بايدن ، بأن روسيا لابد وأن تدفع الثمن غاليا حتى لا تكون ذلك دافعا للصين لدخول تايوان رغم أنف أمريكا والغرب ، خاصة وأن أمريكا تريد أن تعتمد على تايوان ودول المحيط الهادي ليكونوا بديلا اقتصاديا وصناعيا للصين ، ولذلك تصعد أمريكا الحرب الأوكرانية بإرسال صواريخ هجومية مثل الهاربون والكروز لأوكرانيا ، وهم يعلمون أنه تصعيد خطير يهدد بمواجهة مباشرة مع روسيا ، وكان الرد عاجلا باستخدام روسيا لأسلحة الليزر التي تدمر المسيرات والأقمار الصناعية التي تدير مراكز القيادة الأوكرانية ، وهم يعلمون أن روسيا لن تسمح بوصول هذه الصفقات لأوكرانيا .

ولا شك أن بايدن ليس معتوها ولا مخرفا كما يريد قادة الماسونية أن يظهروه ، ولكنها اللعبة الأمريكية المعتادة لتوصيل الرسائل ، وتحقيق الأهداف بدفع أمثال بايدن لتنفيذ المخططات ، ليكون لها العذر فيما بعد ، وتستطيع التهرب من المسئولية أو المحاسبة ، بتقديم كبشا للفداء في أسوأ السيناريوهات مستقبلا ، ولا عجب أن يتراجع بايدن عن تصريحاته الغير محسوبة ، فهو قد أدى مهمة توجيه الرسائل بوضوح ، ولا يهم مظهره كمخرف أو فاقد السيطرة على نفسه ، ولكن ما يحذر منه هنري كيسنجر أيضا هو الأخطر ، وهو أن أمريكا وبريطانيا قد وحدوا أعدائهم (الصين وروسيا) ضدهم ، خاصة وأنهما مجتمعان يمثلان أكبر قوة عسكرية على الكوكب لاتستطيع أمريكا وأوروبا مواجهتهم مهما كانت قدرات الدول المتحالفة معهم .

ومن المعروف والمسلم به عالميا أن الصين في انتظار انتهاء الحرب الأوكرانية ، ولن تتوانى عن دخول تايوان باعتبارها سياسيا وتاريخيا جزء لا يتجزأ من الصين وهو ما قد يشعل حربا عالمية نووية صريحة ، فأمريكا الغرب يرعبهم فكرة استيلاء الصين على تايوان ، ولذلك تحاول بكل الوسائل الساياسية والاقتصادية والعسكرية عمل التحالفات مع اليابان وكوريا الشمالية واستراليا لتجد حلفاء يحاربون معها الجيش الصيني ، وذلك من خلال الجولة التي ينفذها بايدن حاليا لدول المحيط الهادي وبحر اليابان ، إلا أن كوريا الشمالية أعلنت عن تنفيذها تجرة نووية في بحر اليابان في توقيت زيارة بايدن لكوريا الشمالية ، وهو ما ينذر بإمكانية اندلاع الحرب واشتعال الموقف في أية لحظة دون انتظار انتهاء حرب أوكرانيا .

ونعود للمارد النائم الذي استيقظ فجأة ، وهذا هو التعبير الذي جاء بتقارير مخابراتية أمريكية عن مصر ، وتزامن هذا التقرير مع استغاثات إسرائيل التي بعثتها للمرة العاشرة ربما ، والتي اطلقتها منذ عام 2006م ، وكررتها مرار في الأعوام السبعة السابقة ، حيث صرحت استغاثات إسرائيل أن مصر لا يعرف عنها العالم سوى أقل من 15% من قدراتها العسكرية الحقيقية ، بل قال أحد التقاير أن مصر تمتلك أسلحة سرية تستطيع محو مدينة كاملة في أقل من ثلاثة ثوان ، وربما يرى البعض أنها مبالغات كبيرة ، وادعاءات بلا دليل ، ولكن المشكلة تكمن فيما يحدث حولنا ونراه واقعا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا في مصر ويراقبه كثير من أجهزة المخابرات في العالم ، وتثير كثيرا من الأسئلة دون التوصل إلى إجابات واضحة ، على رأس هذه الأسئلة .. “لماذ تحصل مصر على كل ما تطلبه من أية دولة في العالم سواء من نظم التسليح أو التكنولوجيا المتقدمة ؟؟” ، “ولماذا كل هذا الثقل السياسي لمصر وهي دولة ليست عظمى اقتصاديا ولا عسكريا ؟؟” ، ولماذا لا تستطيع أمريكا ولا الغرب معاداة مصر ، بل على العكس يتحسن وضعها الاستراتيجي الدولي يوما بعد يوم ؟؟” ، وأخيرا .. “من أين تحصل مصر على كل الأموال التي تستخدمها في إعادة بناء الدولة الجديدة ، خاصة وأن ديونها تساوي أقل من 10% مما تنفقه سنويا ؟؟” .

ولذلك لا تكف الماسونية العالمية عن محاولاتها الباردة مع مصر ، فبخلاف تمويل ودفع الإرهابيين في سيناء ، والحرص على بقاء سد النهضة كتهديد دائم لمصر ، وتحريض أثيوبيا لاستفزاز مصر دوما لعلها تضرب السد الفاشل ، وتفجير الوضع السوداني في الجنوب ، وبخلاف إشعال الوضع الليبي في الغرب ، فمنذ أيام أيقظت إسرائيل وأمريكا موضوع تسليم جزر تيران وصنافير للسعودية وسط رفض إسرائيلي ورغبة أمريكية في الدخول مع مصر في حوار سياسي بأي وسيلة ، ثم يفاجئنا رئيس وزراء بريطانيا بطلب تدخل الأسطول المصري لحماية ممر تجاري في البحر الأسود من الموانئ الأوكرانية ، ومن قبلها طلبات أمريكية بتسليم الطائرات الروسية المصرية لأوكرانيا ، في مقابل طائرات أمريكية ، لعلهم يستنفذون وينهكون مصر مجددا ، أو تتورط مصر في الحرب ضد روسيا .

لا شك .. أن هناك واقعا جديدا يفرض نفسه على العالم كنتاج للحرب الروسية سريعا ، ويعد نقاطا فاصلة لا يمكن التغاضي عنها أو الرجوع فيها ، وأولها بداية سقوط الدولار ، بتجرأ الدول على التعامل بعملات أخرى غيره ، وهو ما يعني انهيار اقتصاد النظام العالمي الماسوني اقتصاديا ، وهو ما يعني انهيار حتمي وتتفكك للولايات المتحدة الأمريكية لكيانات مستقلة ، وسقوط الحماية الماسونيةلإسرائيل ، وثانيا .. وهو أمر خطير حيث أحدثت الحرب الروسية خللا جوهريا في هيبة أمريكا والغرب كممثلين للماسونية ، وحركت نوايا الكثير من الدول للتخلص من الهيمنة الغربية الماسونية على مقدرات كثير من شعوبها ، والتي بدأت بالتحالف المصري الخليجي الذي أهان الهيبة الأمريكية والغربية بمنتهى القسوة والجرأة ، وتبعتها مالي التي طردت فرنسا من أراضيها ، وأيرلندا الشمالية كشرت عن أنيابها للاستقلال عن التاج البريطاني ، وبعض دول إفريقيا مثل جنوب إفريقيا وبعض دول الغرب التي تتحين الفرصة للتخلص من السيطرة الغربية منذ عقود طويلة مضت ، ناهيك عن دول أمريكا الوسطى والجنوبية التي تعاني من الغطرسة الأمريكية ، إضافة لبعض الدول الأعضاء في حلف الناتو نفسه ، وهو ما يعني حرفيا إعادة تشكيل خريطة العالم السياسية والاقتصادية والعسكرية .

أخيرا .. تفرض الأحداث الدولية المتناقضة والمتشابكة والسريعة التواتر تأثيراتها على مصر ، وهو ما يفرض علينا ضرورة التحلي بكثير من ضبط النفس والحسم في نفس الوقت ، وإدارة الأمور بميزان دقيق من الحكمة ، خاصة وأن مصر أصبحت دولة فاعلة وقوية ، وأعداؤها يتزايدون ويتربصون من الخارج والداخل ، والأعباء الاقتصادية والسياسية والأمنية تتزايد يوما بعد يوم ، وهو ما يفرض على المصريين ضرورة الوعي ومساندة الدولة في المراحل القادم بقوة وصبر وجلد ، ولا يعرف أحد ماذا تخبئ الأقدار لنا ولكل شعوب الأرض ، ولكن .. وسوف تجيب الأيام القادمة عن كل الأسئلة التي تراود شعوب العالم ، وتبقى قوانين ناموس الله في خلقه أبدية ، { .. وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }البقرة251 ، وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21 ، إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً }الطلاق3 ..
جمال عمر