المكتوب .. ما بين الأرزاق والهبات (4) … بقلم : جمال عمر

استعرضنا سابقا حقائق كثيرة ومتشعبة ولكنها مترابطة وتحدد حقائق حياة الإنسان التي شابها الكثير من الضلالات والبهتان ، ولذلك اختلطت علينا المفاهيم ، وتشوهت الحقائق حتى أصبحنا نمارس حياتنا في زمرة القطيع ، نقلد من يفعله غيرنا ، ونحن لا ندري أن هناك شياطين الإنس والجن توجهنا وتتحكم في حياتنا واختياراتنا وقناعاتنا ومعتقداتنا ، فكان أهم ما اختلط علينا هو معنى الرزق واعتبرنا أن كل ما يأتينا في الدنيا هو من الأرزاق ، رغم أن لله معطيات أخرى ليست من الأرزاق ، ولكنها أنواع أخرى أعلى درجة من الرزق ، مثل ما يسميها الله بـ الهبة ، وتلك التي يهبها الله لبعض عباده ، لأسباب ولحكمة لا يعلمها سواه ، ولكنه سبحانه يعلم عباده ما لم يعلموا ، وهو ما ذكره في كتابه العزيز بقوله تعالى .. {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }الأنبياء10 .

 

وعلمنا أن من إعجاز ناموس الله (قوانينه) لخلقه .. أن من يتقن إعمار الأرض حتى لو كان كافرا يكون سيدا عليها ، وكذلك يكون سيدا على من لا يتقن إعمارها حتى ولو كان مسلما ، لأنه إسلامه لم يرتقي للإيمان .. {.. قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ .. }الحجرات14 ، ولو كان مؤمنا حقا ما خلط بين مناسك العبودية المفروضة للاستقامة ، وبين مهمة العبودية (العبادة الحقيقية) التي خلقنا من أجلها ، ولو كان مؤمنا ما زور العبادة الحقيقية ، وادعى كذبا وزورا أنها في مناسك الخضوع والاستقامة (الصلاة – الزكاة – الصيام – الحج – ذكر الله) كما فعلنا ، والتي لم يخلقه الله من أجلها مطلقا ، ولو كان مؤمنا ما أهمل تدبر القرآن العظيم ، وما ادعى كذبا وبهتانا أن كتاب الله هو نفسه “القرآن العظيم” وهو نفسه “الفرقان” ، رغم وضوح كلام الله أنه أنزل الكتاب (لا ريب فيه هدى للمتقين) ، وفيه آيات الفرقان (الفروض والحدود والمعاملات والقصص) ، مقرونة بآيات القرآن العظيم الذي لم يسبق نزولها من قبل وفيها { كل حدود العلوم البحتة وعلوم الخلق لتعين ابن آدم على إعمار الأرض ، وكذلك والغيب والحكمة ، ثم أعظم آيات التوحيد والعقيدة } .

واستعرضنا حقيقة أن الإنسان مسير في كل ما يحدث في حياته ، ولكنه مخير فقط في نواياه وهي التي يحاسبه الله عليها ، فحياة البشر على الأرض ما هي سيناريو متقن من الله ، مقدر ومكتوب من قبل حدوثه بخمسمائة سنة مما نعد .. لقوله تعالى .. {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }السجدة5 وما نحن إلا منفذين له بلا إرادة أو مشيئة ، ولذلك يحاسبنا الله على النوايا في كل شيء يحدث “إنما الأعمال بالنيات .. ولكل امريء ما نوى” ، لأن ابن آدم لا يملك إلا النوايا ، فيكفي ابن آدم أن يغير نواياه فيما يتعامل معه في حركة حياته ، ويؤكد لنفسه في كل فعل أنه يفعله طاعة لله ، حتى طعامه وشرابه وملبسه وزواجه وتربيته لأولاده لقوله تعالى .. {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الأنعام162 ، فمن يغير ويصحح نواياه ويقومها ، { .. إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ .. }الرعد11 ، ويوقن أنه يحيا ليعمر الأرض بالعلم والعمل ليرضى ربه ، فقد أحسن النوايا ،  وسوف يجد الله توابا كريما غفورا رحيما ، فيسعده الله في الدنيا والآخرة ، ولعلم أن الله قدر له معطيات في حياته ، تعينه على تنفيذ مهمته بإتقان ، وقسم هذه المعطيات لفئات ، وجعل في كل فئة أنواع عدة .

وأول فئات معطيات الله لخلقه وعلى رأسهم ابن آدم المستخلف ، هو الرزق .. وهو أنواع كثيرة نسميها بالأرزاق ، والأرزاق حقوق مكفولة من الله للمستخلفين الذي استخلفهم ، لتعينهم على إعمار الأرض دون أن ينشغلوا بتدبيرها ، فهم لم يأتوا للدنيا ليبحثوا عن أرزاقهم ، فمهمتهم التي خلقهم سبحانه من أجلها ، هي إعمار الأرض ، وتلك هي العبادة الحقيقية ، ولذلك جعل الله الإعمار فطرة في كل النفوس ، { ولذلك يسمي الله الكفرة من خلقه بلقب “عبادي” صراحة } ، فالجميع مكلف ومدفوع بفطرته لإعمار الأرض ، ولذلك .. عين الرحمة والكرم من الله ، أن يقدر لهم أرزاقهم ويكفلها لهم ، فلا تملك نفسا أن تزيد أو تنقص من رزقها المكتوب ، ولا قدرة ولا مسئولية لمخلوق أو بشر للسعي من أجل الأرزاق ، فنحن لا نسعى على الأرزاق مطلقا ، ولكنها خديعة إبليس وشياطين الإنس والجن ، وخطأ العلماء الذين قسموا الرزق لنوعين ، نوع يأتيك دون سعي ، ونوع يأتيك فقط بالسعي ، والحقيقة الثابتة بكتاب الله وواقع الحياة ، أن الرزق مقدر ومكتوب ولا سعي فيه ، بل هو حق مكفول لكل مخلوق على الأرض .. {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }هود6 ، ولكن من يتقن إعمار الأرض لوجه الله ، يفتح عليه بركات من السماء والأرض ، فيسعده ويرضيه الله برزقه ، ويحقق له بالقليل ما لا تحققه كنوز الأرض ، وهو قوله تعالى .. {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }الأعراف96 .

والرزق جعله الله مكفولا ، لأن ابن آدم قد جاء للدنيا وهو مكلف فقط بإعمار الأرض كخليفة لله عليها ، ولذلك جعل الله الرزق حقا مكفولا له ، ولكنه سبحانه جعل الأرزاق مشروطة بالعدل لا بالمساواة ، فالله وحده صاحب الأمر فيها ، ولا يعطي البشر بالتساوي مطلقا ، لأن التساوي هو قمة الظلم للبشر ، ولكنه سبحانه يبسط الأرزاق ويقدرها تبعا للشرط الوحيد الذي وضعه سبحانه وتعالى لضمان العدل والخير للبشر في الدنيا والآخرة  ، وهو شرط صلاح الحال ، فالله الذي خلق النفوس ومنحها الحياة “صورها” في أجساد ، ومنح الإنسان كل ظروف حياته المؤثرة على نفسه ، هو وحده الذي يعلم ما يصلح أحوال النفوس من قدور الأرزاق ، وما يفسدها ، ، ولذلك فسبحانه وحده من يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر له ، ولذلك يقول سبحانه في حديثه القدسي “إن من عبادي من إن أغنيته لصلح حاله ، وإن منهم من إن أفقرته لصلح حاله ، فخلوا بيني وبين عبادي” ، ويقول أيضا .. {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ }الشورى27 ، ثم يقول سبحانه لعباده .. {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14 ، فغناك وفقرك ليست دليل محبة أو بغض من الله ، بل كل ما يأتيك من الأرزاق على قدر ما يصلح حالك هو في حقيقته اختبارات من الله وهو قوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165 .

وأنواع الأرزاق كثيرة ومتعددة ومتداخلة ، تبدأ بالوالدين والأسرة والأهل والمجتمع والوطن ، وكلها لا اختيار لبشر فيها ، فأنت تولد من امرأة ورجل لم تخترهما ، وفي مكان وزمان وأرض لم تختر أيا منهم ، وبالتالي كل المعطيات الأيدولوجية ، فأنت لم تخير في اللغة والدين والعادات التي نشأت عليها ، وبالتالي لم تخير في قدور غناك أو فقرك أنت وأهلك ومجتمعك ، وتلك من الأرزاق ، وكذلك درجة ذكاءك وصحتك وقدراتك الجسدية والعقلية ، فكلها أرزاق تتناسب مع طبيعة نفسك ونوعية اختباراتك المقدرة لك في حياتك ، فأنت في حياتك لا تتعرض لكل أنواع الاختبارات المقررة على كل البشر ، فلو خلقك فقيرا فقد جنبك أشد أنواع الاختبارات في الغنى ، فحساب الغنى شديد وعسير عن كل ما رزقه الله به من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، ولا يقتصر “الغنى” على المال ، فلو ولدت مسلما فسوف يحاسبك على كل حرف في كتابه العزيز ، فصاحب العلم أغناه الله بالعلم ، فهل اتقن تعلمه وعمل به ، وهل علمه لغيره ، أم كتمه واستأثر به لنفسه ، أم زوره وكذب وادعى بهتانا وضلالا ، ليكسب مالا أو جاها أو منصبا ، فيجر سخط الله عليه ، فيعاقبه ربه بخزي في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة ، وكذلك صاحب القوة والصحة ، وغيرها من الأرزاق .

الفئة الثانية من معطيات الله .. هي “الهبات” وهي ليست حقا لبشر ، ولكن يعطيها سبحانه لبعض خلقه ، وهي أرقى من الأرزاق كثيرا ، ومن أبرز أنواعها المذكورة في كتابه العزيز بقوله تعالى (يهب) هي نعمة إنجاب الأبناء ، جعلها الله “هبة” وليست حقا لأي بشر ، ولا مشيئة لبشر أو مخلوق فيها ، ولكن الله يهبها سبحانه وتعالى لمن يشاء فقط ، فيقول سبحانه .. {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ }الشورى 49 ،50 ، فلا يملك بشرا أن يدعي أنه سينجب ما يشاء ، ولذلك يقول سبحانه للرجال في مباشرة النساء { .. فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ .. }البقرة187 ، فأنت فقط تبتغي أي تتمنى وترجو من الله ، والله يؤتيك ما كتبه فقط ، وليس ما تتمناه وتريده ، فسبحانه خالق البشر لمهمة إعمار الأرض ، هو وحده صاحب الأمر والقضاء فيمن يولد (متى وأين وكيف وماذا ولماذا) ، فهم صنعته وعبيده في ملكه العظيم ، وكل نفس ينشئها في الدنيا لها مهمة نوعية محددة ومقدرة لا يعلمها سواه سبحانه ، ولذلك لا مشيئة لبشر في كثرة النسل أو منعه أو تحديده مهما فعل ، ومن الحماقة والغباء ان يدعي بشرا أنه يستطيع أن يمنع إنجاب بشر مقدر ومكتوب من الله ميلاده وحياته .

الفئة الثالثة من معطيات الله .. هي “العطايا” وهي للقليل من خلقه ، هي ،وهي التي يؤتيها الله قلة معدودة من البشر ، والعطايا أنواع ثلاثة رئيسية ، أبرزهما {الملك  والحكمة) ، أما الملك .. فهو عطية الله للقليل من خلقه تبعا لناموس الكون ، ليكونوا حكاما للعامة من البشر ، فالملك عطية الله لقلة معينة ومحددة من البشر ، فلا يؤتيها الله إلا لمن هو أهل لها لتكون اختباره فيها ، ولكنه سبحانه ينزعها نزعا مؤلما ومهينا ، ممن يخون أمانتها ، وهو قوله تعالى .. {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }آل عمران26 ، ويستطيع عامة الناس أن تدرك دوما حكمة الله في إتيانه الملك لبشر بعينه أو نزعه منه ، وذلك من مجمل واقع سيرة حياته وأعماله ، فالله يسلط على الظالمين من عباده حاكما طاغية يحكمهم ليذيقهم بأس ظلمهم ، وقد يؤتي الله الملك لبشر لا يستحقه ليظهر للناس سوء فهمهم ويقوم عقيدتهم ويفضح مكر وخديعة وشرور تجار الدين والدنيا ، وكذلك يرزق الله الطيبين حاكما طيبا كريما ليحكمهم ، ويثبت له ملكه ما داموا طيبين ويستحقون كرم الله ورحمته ، ولذلك يقال دوما للشعوب ، “حكامكم هم مرآة صادقة لحقيقتكم” .

النوع الثاني من “العطايا” والتي لا تمنح إلا لأقل القليل من البشر هي الحكمة ، ويقول فيها سبحانه .. {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }البقرة269 ، والحكمة هي .. { فهم ناموس الخالق في حركة الحياة} ، فالحكمة تغنيك عن الوقوع في أخطاء التجربة في حركة حياتك وحياة المحيطين بك ، وأبسط صورها في نفسك أن يرى صاحب الحكمة طفلا فيفاجئك بقوله أن هذا الطفل سيكون له شأن عظيم ، أو تجد عامة الناس متحمسة لفعل شيء وهو ممتنع عنه دون سبب ظاهر ، ثم تكتشف بعد ذلك أنه كان شرا مخفيا ، ولذلك لا يؤتي الله الحكمة إلا من يصون حقها ، ويحسن استخدامها ، فلا يؤتيها سبحانه السفهاء مطلقا ، وقد كانت الحكمة مقصورة على الأنبياء والرسل فيما مضى قبل عهد خاتم الرسل ، ثم أصبحت بنزول القرآن عطية من الله للبعض العامة من البشر ، والحكمة هي دعوة إبراهيم بقول الله تعالى .. {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ }البقرة129 ، واستجابة الله له بقوله تعالى .. {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ }البقرة151 ، والحكمة نعمة كبيرة من الله لقوله تعالى .. { .. وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }البقرة231 ، والحكمة منة الله على عباده لقوله تعالى .. {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ }آل عمران164 ، وهي أمر من الله لمن يتصدى للدعوة لدين الله لقوله تعالى .. {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ .. }النحل125 .

النوع الثالث من العطايا .. هي .. ” فضل الهدى من الله” .. فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، وهو فضل من الله لا يؤتيه إلا من يسعى له ويستحقه ويأتي الله بقلب سليم ، ونوايا طيبة مستقيمة ونفس تقية ، ولذلك يقول سبحانه .. { … قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }آل عمران73 ، ويستتبع الهدى ثواب الله وجزاءه لعباده المهتدين بالجنة وهي قمة العطايا من الله لعباده المهتدين ، وهو قوله تعال .. {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }الحديد21 .

وأخيرا .. لابد أن نتذكر دوما .. أ حياتنا هي رحلة اختبارات متصلة .. يحاسبنا الله فيها على قدور نوايانا فيها ، وقدور سيطرتنا على شهوات ورغبات وفجور نفوسنا الأمارة بالسوء ، ولا ننسى أن كل معطياتنا مجرد اختبارات في الدنيا ، لقوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }الأنعام165 ، وأن اختلاف معتقدات البشر وشرائعهم هي قدر الله وقضاءه ليختبر كل منا فيما قدره وأوجده عليه ، ولو شاء الله لجعلنا جميعا أمة واحدة وشريعة واحدة ، فما علينا إلا التسابق في إعمار الأرض بالخير والعمل الصالح الذي يصلح أحوال البشر والحياة ، والدعوة لدين الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، والتذكرة بالله بالقول اللين الهين وحسن العمل ، وهو قوله تعالى .. { .. لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48 ولا نغتر ولا نتعصب لمن نحب وما نهوى وما نتمنى فكلها (فتن) مواد اختبارات .. لقوله تعالى .. {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ }الأنفال28 ، ولا نملك إلا أن نكون مستخدمين بيد الله ، فلا مشيئة ولا فضل إلا لله وحده ، { .. وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21 .

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *