المكتوب .. ما بين الأرزاق والهبات (3) …. بقلم : جمال عمر

استعرضنا سابقا حقيقة .. أن ابن آدم مخير في كل نواياه وما يضمره في نفسه ، وهو ما يحاسبه الله عليه ، ولكنه “مسير” لا يملك شيئا حيال ما يحدث على الأرض من أقوال وأفعال ، لأن مالك الملك لن يترك الكون نهبا لأهواء المخلوقات ، وهو قوله تعالى .. {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ }المؤمنون71 ، ولكن ينفذ بعضا من نواياهم ليريهم سوء أعمالهم لعلهم يرجعون وهو قوله تعالى .. {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الروم41 ، ولكي نعرف حقيقة معطيات الله لنا في الدنيا ، لابد وأن نبدأ بحقيقة خلق الإنسان وتركيبه وتفاعلات مكوناته ، فأنت عندما تصنع جهازا تضع فيه مكونات متوافقة ومتكاملة مع بعضها لتنفيذ المهمة التي صنعته من أجلها ، وتضع فيه ما يضمن اتباع تعليماتك لاستخدامه ، فما بالك بالخلق العظيم في إبداع خلقه .

الإنسان مكون من نفس (هي الأصل) ، وهي التي يهبها الله جسدا حيا ، فتحتله وتسيطر عليه لتستخدمه ، فلا تزيد العلاقة بينك وبين جسدك عن علاقتك بسيارتك ، التي تقودها من مقعد القيادة مستخدما أدوات القيادة ، ولكن الفارق هنا في روعة ودقة المركبة ، فمن صنع لك مركبتك (الجسد) هو الخالق العظيم ، وإبداعه أنه جعل العلاقة بينك وبين مركبتك سلسة ووثيقة وناعمة ، وفي أعلى مستويات التوافق والتناغم ، لدرجة أننا جميعا لا نفرق بيننا (كنفوس) وبين أجسادنا التي نحيا فيها بالإيجار ، وإيجارها إطعامها ونظافتها وعلاجها وحمايتها ، ومن روعة التناغم أنك تشعر أنك وجسدك شيء واحد ، ولكن الحقيقة .. أن جسدك هذا ماهو إلا وسيلة تعاملك وإحساسك وتفاعلك مع معطيات الحياة من حولك على الأرض ، تماما مثل بدلة الفضاء التي تلبسها على سطح أي كوكب آخر ومعطياته ليس متوافقة مع جسدك ، ومن إبداع الله أن هذا الجسد هو أيضا وسيلة تعارف البشر مع بعضهم ، فلكل إنسان له مواصفاته الجسدية الخاصة جدا والتي يعرفه بها غيره ، ولكنها في النهاية مجرد وسائل تعارف تدل على صاحبها (النفس) .

ولذلك يجب أن نبدأ بالتعرف على حقيقة النفس (صاحبة الأمر) ، ثم نعود للجسد (المطية المستخدمة) ، فهذا الإنسان “النفس” يسيطر ويقود جسدا حيا (فيه روح) لأجل محدد (مسمى) ، وعندما ينتهي هذا الأجل ، يسترد الخالق العظيم سر إحياء الجسد (الروح( ، وتذوق النفس آلام خروج هذه الروح من الجسد ، مع العلم أن النفس لم تحضر ولم تشاهد ولم تعاصر دخول هذه الروح لهذا الجسد ، منذ أن كان حيوانا منويا حيا (فيه روح) في جسد ذكر حي (فيه روح) ، وبويضة حية (فيها روح) في جسد أنثى حية (فيه روح) ، ولكن الله شاء أن تحضر النفس وتذوق آلام خروج هذه الروح من هذا الجسد ، احتراما من النفس لهذا الجسد الذي استخدمته لـ (أجل مسمى) ، وعند مغادرة الروح للجسد يعود الجسد جمادا ،فلا تستطيع النفس دخوله ولا استخدامه ، وبذلك تكون النفس قد فقدت وسيلة تعاملها مع الأحياء على الأرض ، رغم أنها تراهم وتسمعهم وتشعر بهم ، ولكن النفس عند هذه اللحظة سرعان ما تفقد اهتمامها بهؤلاء ، خاصة وأنها قد كشف عنها غطاءها وهو قوله تعالى .. {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }ق22 ، فاكتشفت حقائق كثيرة أهم وأخطر من كل حياته التي خرج منها منذ قليل .

فعند الوفاة تسترد النفس ذاكرتها عن حقيقتها التي غابت عنها طوال وجودها في هذا الجسد الذي غادرته ، وبالتالي حقيقة الحياة والموت ، فالنفس لا تموت ، ولكنها تذوق الموت (آلام خروج الروح من الجسد) وهو ما يقوله سبحانه .. “كل نفس ذائقة الموت” ، فعند لحظة الموت تكتشف النفس حقيقتها ، وما ينتظرها من إعادة الإنشاء في جسد جديد مرة أخرى ، وكذلك الشروط المتعددة لإعادة الإنشاء الجديدة ، وذلك ما يشير له سبحانه في الواقعة بقوله “وننشئكم فيما لا تعلمون” ، وذلك في وصف ما سوف يحدث للنفس عند تذوق الموت {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} ، وهي نشأة جديدة مماثلة لتلك تعلمونها وترونها كل يوم ، لو تذكرتم الحمل والولادة وهو قوله تعالى .. وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62}  ، وهي نشأة أخرى كما يقول سبحانه في النجم .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، وهي ليست نشأة يوم القيامة التي يؤكدها سبحانه في العنكبوت .. {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 ، ثم يؤكد سبحانه في ستة آيات في كل من سورة يونس والنمل والعنكبوت والروم على إعادة إحياء النفس مرات ومرات بقوله تعالى .. “يبدأ الخلق ثم يعيده” ، بل ويوضح سبب الإعادة في سورة يونس بقوله تعالى .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4، والسبب المباشر .. هو تحري وتدقيق حساب النفس بالعدل (بالقسط) ، حتى لا يكون لنفس حجة على الله ، بأنه لم يختبر في كل حالات (مواد) الاختبار الدنيوية ، ففي كل مرة تكون معطياته مختلفة ، فكل نفس سوف تختبر كـ ذكر وكـ أنثى ، وكـ مؤمنة وملحدة وكافرة ومشركة ، وكغنية وفقيرة ، وكـ قوية ومريضة ، وعزيزة وحقيرة ومعمرة وغير معمرة ، ولذلك تنصح تعاليم الحكماء في كل الملل والنحل الدينية ، أن لا تعيب على بشر حاله أو أخطائه أو معطياته .. لأنها قدر مكتوب عليه أن يختبر فيه .. واعتراضك وسبك له يكتب عليك أن تجرب حاله.

والمتدبر لآيات الله التي يفصل فيها رحلة النفس حتى يوم القيامة ، يكتشف أنه قد عاش عمره كله مصدقا لأكذوبة حياة القبور وعذاب القبر ونعيمه ، وهي أسطورة سيطرت على فكر وقناعات كل المسلمين منذ أكثر من عشرة قرون ، وابتدعوا لها أحاديث لتثبت صدقها ، والمتدبر بحق لقيمة حياة القبور ونعيمها وعذابها يكتشف أن المستفيد الوحيد من وجود هذه الضلالة هو إبليس وأتباعه ، فهم يرعبون البشر من الموت وما بعده ، وكثير من الناس عندما يوقن أنه لن يعود وحياته هي مرة واحدة بلا رجعة ، فإنه يمعن في قنص وخطف كل ما تصل له يده في الدنيا ، بغض النظر حراما أم حلالا ، وهو ما وقع فيه تجار الدين ، فتجدهم يبتدعون فتاوى تحلل لهم كل شهاواتهم ، حتى ولو كانت إباحة الزنا باسم “جهاد النكاح” ، وإباحة سرقة أموال الناس باسم العشور ، ونسب اشتراكات أعضاء جماعات مثل الشيعة والإخوان ، كما أصبحت ضلالات القبور ونعيمها وعذابها أساسا يبنى عليه كثير من الضلالات الأخرى الخطيرة ، رغم أنه لا توجد آية واحدة تتحث عن حياة القبور ونعيمها وعذابها ، فهل من المنطق أن يتحدث سبحانه في كتابه عن كل شيء في الدنيا ، ومنها مئات المرات عن نعيم وعذاب والآخرة في يوم القيامة ، دون أن يحذر الناس ولو بإشارة أو تلميح واحد عن حياة القبور ونعيمها وعذابها ؟؟؟ .

بل إن الله يؤكد على حقيقة عودة معظم النفوس للحياة الدنيا في نشآت أخرى ، استكمالا لاختبارات النفس حتى يوم القيامة ، ولكن هذه الحقيقة لا يتعرض لها مطلقا أيا من المفسرين ولا رجال الدين ويناورون بالكلام والأحاديث ، حتى لا يتعرضون للإحراج على يد عقول منطقية التفكير والفهم ، ولكن حقيقة عودة النفوس للحياة سوف تجدها عقيدة ثابتة في كثير من الملل الإنسانية عبر التاريخ ، ولكنها كالعادة مختلطة ببعض الضلالات والأساطير ، مثل قول بعض الأمم خطئا عن تناسخ الأرواح ، فلا علاقة للأرواح بتكرار الحياة ، فالإنسان مجرد نفس ، بينما الأرواح هي سر الخالق في إحياء أي جماد ، وموجودة في كل جسد حي (إنسان – حيوان – نبات – حشرات -فطريات – بكتريا – خلايا أحادية) ، وبالتالي فلا علاقة لنا كنفوس بالروح مطلقا ، سوى أنها تحيي لنا الأجساد التي نستخدمها بإذن الله وحده ومشيئته ، ولا سيطرة لنا عليها ، ولا تعامل لنا معها مطلقا ، ولكن ابن آدم يهوى الضلال ويصدق خيالات البشر ، ويتغافل عن حقائق سطرها الخالق العظيم في قرآنه العظيم ، ولذلك يظل ابن آدم جاهلا حتى بتركيبه الإنساني وأصل كينونته ، رغم أن الله أكد في أكثر من ثلاثمائة آية لابن آدم أنه خلقه من نفس واحدة ، وهو ما يجعل نوازع الفطرة واحدة لدى كل البشر .

ولا تقل أن هناك 40 حديثا يؤكدون حياة القبور وعذابها ونعيمها ، فالبخاري مثلا في مقدمته رفض أكثر من (18 ألف) حديث موضوع عن النبي ، ليقرر صحة حوالي ثلاثة آلاف حديث هي كل محتوى كتابه ، فإذا كانت الأحاديث المكذوبة قد بلغت ستة أضعاف الصحيحة في خلال مائة سنة فقط من الدعوة ، فكم عدد الموضوع حاليا بعد 14 قرنا من الزمان ، ولا ننسى أن رسول الله قال لنا .. “إذا جاءكم عني ما يخالف كتاب الله فاضربوا به عرض الحائط” ، فكيف يصف كتاب الله رحلة النفوس بعد الموت ، ويتحدث عن نشأة أخرى جديدة ولها شروط ، ثم نضرب نحن عرض الحائط بهذه الآيات ، ونصر أن النفوس تظل حبيسة القبور مع الأجسام المتحللة لتراب حتى يوم القيامة ، ونخترع لها نعيما وعذابات مماثلة لأساطير عشتاروت “آلهة الخصوبة الرومانية” وبطلها الثعبان الشجاع الأقرع الذي سلطته عشتاروت على عشيقها الإنسي ، بعدما دفنته حيا لأنه خانها مع إنسية ، بل ونصر على شيطنة وتفسيق كل من يخالف هذا الضلال ، لدرجة أن “الشعرواي” قد وصفوه بالفسق والزندقة لأنه قال “لا عذاب إلا بعد حساب ، ولا حساب إلا يوم الحساب” ، وكذلك لم نجد عذاب القبر ونعيمه في أي ملة سابقة أو رسالة سماوية مطلقا ، لأنه أحد ضلالات المسلمين التي أسقطهم فيها البخاري .

ولا عجب .. فالبخاري هو نفسه الذي ارتكب أكبر جريمة في حق الله ودينه ، عندما زور مفهوم العبادة ، وجعل في كتابه بابا خاصا أسماه باب “العبادات” ذكر فيه مناسك الخضوع والاستقامة ترتيبا (الصلاة – الزكاة – الصيام – ذكر الله – الحج) ، والتي ما خلق الله ابن آدم من أجلها مطلقا ، فالله غني عن العالمين ، ولكنها مراسم مهمة العبودية وسماها الله بالمناسك وقال سبحانه .. {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ .. }الحج67 ، والغرض منها الحفاظ على استقامة ابن آدم في تنفيذ المهمة التي خلقه الله من أجلها ، والتي هي العبادة الحقيقية ، وهي إعمار الأرض كخليفة لله عليها ، وهي مؤامرة متعمدة ومخططة بواسطة يهود الشيعة ، لتحويل المسلمين من علماء عاملين عابدين إلى دروايش جهلاء لا قيمة لهم ، والعجيب أننا صدقنا وما زلنا نصدق هذه الأكذوبة ، وتجاهل الجميع تماما أن الله قد سمى الكفرة بقوله “عبادي” مرارا وتكرارا في كتابه العزيز ، ومما أثار الجدل والتساؤل أن الفاطميون عندما دخلوا مصر ، وهم من الشيعة وأصول أئمتهم يهودية ، قد فرضوا حفظ البخاري بالقوة ، ويجلد من يخطيء في البخاري ، فمن الممكن أن تخطيء في حفظ كتاب الله ، ولكن لا تملك الحق في الخطأ في البخاري ، لدرجة أن المصريين توارثوا عبارة تاريخية ” أنا ما غلطتش في البخاري” ، لأن المستهدف من البخاري لم يكن كفرا ولا شركا ، ولكنه كان يحمل داخله أكبر تزوير للدين في تاريخه ، وهو ما حول المسلمين من علماء عاملين إلى دروايش لا قدور لهم ولا قيمة ، وفرغهم للاختلاف حول مسائل الفقه (الفروض والحدود والمعاملات) ، فانقسموا لأكثر من سبعين فرقة .

وتغافلوا عن حقيقة أن العبادة الحقيقية هي تنفيذ مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها ، وهي التي جعلها الله فطرة في النفوس ، وهي إعمار الأرض بالعلم والعمل كخلفاء لله عليها ، وهي المهمة التي من أجل جلالها ، سخر الله أفضل خلقه (الملائكة) لتسجد وتدعو وتستغفر وتحفظ ابن آدم في حياته على الأرض ، ولأنها هي العبادة الحقيقية ، فقد جعلها الله فطرة في النفوس ، فكل إنسان كافرا أو مؤمنا يولد وفي نفسه فطرة الإعمار ، فالكل يريد أن يتزوج ويتناسل ويبني ويعمر الحياة أفضل ممن سبقوه ، فهو عابد لله بفطرته وشهوات ورغبات نفسه ، لأنه بممارسة حياته وتطويرها ، هو ينفذ مهمة العبودية التي خلقه الله من أجلها ، ولذلك يسمي الله الكفرة من عباده بمسمى “عبادي” مثل قوله تعالى .. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ }الفرقان17 ،، ولذلك .. فمن تعمد الفساد في الأرض .. فقد أعلن الحرب على الله ورسوله ، فيفرض الله عليه أشد أنواع العقاب في الدنيا ، ويعده بالخزي في الدنيا ، ويجعل عذابه عظيما في الآخرة ، وهي عقوبة لم يفرضها الله على بشر في الكفر به أو أي خطيئة أخرى ناتجة عن ضعفه أو شهواته ، وهو ما نجده في آية الحرابة .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 .

ولأن إعمار الأرض هو العبادة الحقيقية ، فقد جعل الله من يتقن إعمار الأرض سيدا عليها حتى لو كان كافرا ، ولأنها العبادة الحقيقية فقد قال رسول الله للعابد المعتكف في مسجده دوما عن أخيه الذي يعوله “أخاك أعبد منك” ، بل قال صلوات ربي وسلامه عليه “إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة “نبتة” فليغرسها ، ولم يقل فليلقها ويصلي أو يستغفر ، لأن إعمار الأرض هي العبادة المحاسبون عليها ، بل إن الله عندما ضرب مثلا لأمنيات من يموت بعد موته ، فيقول .. حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ{99} لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{100} ، فالأمنية الوحيدة أن يعود ليعمل صالحا ، وليست الصلاة ولا الصيام عملا صالحا فهي مناسك خضوع لضمان الاستقامة ، ولكن الصدقات عمل صالح فيقول سبحانه .. {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ }المنافقون10 ، ولأن العبادة الحقيقية هي إعمار الأرض يقول رسول الله “لساعة يقضيها أحدكم في حاجة أخيه ، قضاها الله أو لم يقضها ، لهي أحب إلى الله من اعتكاف أحدكم في مسجدي هذا شهرا أو شهرين” .

فإذا كنت من بني آدم وهم آخر سلالات الإنس على الأرض ، وقد جئت مستخلف على الأرض لتعمرها بالعلم والعمل والكد والكدح ، وأنت نفس خلقها الله على صورته ، ويمنحها جسدا (حيا) من مادة الأرض المكلف بالحياة عليها لإعمارها ، وكذلك كنت مخيرا فقط في نواياك وما تضمره نفسك ، وهو ما سوف تحاسب عليه ، وكل ما يحدث لك أو حولك من قبلك ومن بعدك ، ما هو إلا قدر مكتوب بدقة ولا تبديل له ، فلابد وأن تكون معطياتك في الدنيا من أرزاق وهبات .. لها مواصفات وشروط خاصة ، ومسميات تتناسب مع كل معطياتك وصفاتك وسيناريوهات حياتك ، وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *