قيمة أنت .. أم فردا من قطيع ؟؟ (5) ….. بقلم : جمال عمر

استعرضنا سابقا .. أننا كبشر قد جئنا للدنيا لاختبارات متتالية ، وهذه الاختبارات تحتاج إلى سيناريو حقيقي لحياة البشر ، وذلك من خلال المهمة التي خلقنا الله من أجلها على الأرض وكلفنا بها ، هي إعمار الأرض كخليفة لله عليها ، وبالتالي فمن المنطق أن يكون تنفيذ مهمة العبودية التي خلقنا الله من أجلها هي “العبادة الحقيقية ولا شيء سواها” ، وليس كما تدعي ضلالاتنا المقدسة بأن العبادات هي في مناسك وفروض الخضوع { الصلاة – الصيام – الزكاة – الحج – ذكر الله} ، والتي فرضها الله لضمان استقامة ابن آدم في تنفيذ المهمة ، ونجاحه في اختباراته المتتالية على الأرض ، ولأن العبادة هي إعمار الأرض ، فلا عجب أن يلقب الله الكفرة به مرارا بلقب عبادي في كتابه العزيز ، مثل قوله سبحانه وتعالى .. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ }الفرقان17 .

 

ومن أجل جلال وأهمية هذه المهمة (إعمار الأرض كخلفاء عليها) ، جعل الله لها حوافظ لضمان تنفيذها على الوجه الأكمل ، وأول تلك الحوافظ .. أن جعل الله الإعمار فطرة في النفوس ، فكل البشر تولد وهي حريصة بفطرتها على الإعمار فكل البشر تريد أن تتزوج وتنجب وتبني وتعمر وتحيا أفضل من غيرها أو على الأقل مثل غيرها ، ولا فرق بين كافر ولا مؤمن أو مشرك ، فالكل يسعى للامتلاك والبناء والسيطرة على مقاليد حياته ، وجعلها دوما أفضل ، وهو ما يساهم في ضمان استمرار تنفيذ مهمة الإعمار مهما اختلف البشر شكلا ودينا ومعطيات في الحياة ، فتجد البنت الصغيرة في أي بلد أو مجتمع تصنع لنفسها عروسا أو طفلا ترعاه ، وتمثل رعايته في لعبها ، فهي فطرة أمومة ، وتجد الولد الصغير في ألعابه يحاول تقليد والده في كل شيء ، ليشعر بقدرته على أداء واجبه كأب كبير مثل والده ومن حوله من الرجال .

ثاني الحوافظ .. أن منحنا الله بني آدم صفة عظيمة من صفاته الرائعة لتعيننا على إتقان تنفيذ المهمة ، وهي صفة الإبداع “الرغبة في الإتيان بالجديد” ، فكل طفل يولد ويحيا حياته منذ ولادته وهو حريص أن يقدم شيئا جديدا لم يقدمه أحد من قبله وهكذا تطورت وسائل الحياة مساهمة في إعمار الأرض ، ولكن هذه الصفة مثل أي شيء في ناموس الله سلاحا ذو حدين ، فإذا أساء ابن آدم استخدامها كانت وسيلة الدمار للإنسان واستقراره وأمانه وحياته على الأرض ، وهذا ما يقع فيه ابن آدم منذ بدء استخلافه وحتى اليوم ، فأسوأ ما فعله ابن آدم أنه استخدم إبداعه في تزوير كل رسالات الله له ، فغاص البشر في ضلالات مقدسة تهلكه وتجر سخط الله عليه ، وحتى عندما تكفل الله بحفظ آيات كتابه الخاتم ، زوروا مفاهيمه وأغلقوا أبواب الفهم فيه ، ليظل البشر غارقين في الضلال والبهتان ، وهو ما يسهل لهم الانحراف والفساد ، والإتجار بالدين في كل ملة ومذهب ، حتى رأينا اليهود والنصارى والمسلمين وفي كل ملة منهم أكثر من سبعين فرقة وجماعة تكفر بعضها بعضا ويستحلون دماء وأعراض وأموال بعضهم بعضا باسم الدين ، وهو أسوأ استخدام لصفة الإبداع بابتداع الضلال والزور والبهتان .

وثالث الحوافظ .. أن الله جعل من يتقن إعمار الأرض سيدا عليها حتى وإن كان كافرا ، فالكفر والإيمان له تقدير وحسبة أخرى عظيمة وخطيرة ولكننا نجهلها . فلا أحد على الأرض قد اختار أن يولد مسلما أو كافرا أو يهوديا ، فلا أحد قد اختار والديه ولا يوم مولده ولا نوعه ذكرا أو أنثى ولا شكله ولا ظروف حياته ولا عمره ويوم وفاته ، ولكنها جميعا معطيات ليختبر ابن آدم فيها وحده ، وهذه المعطيات هي أسئلة هذه المرة في هذا الاختبار الذي يحياه ، ولابد أن تختلف المعطيات في المرة القادمة ، كما اختلفت عن المرة السابقة ، فالحياة على الأرض ليست مرة واحدة وما يهلكنا إلا الدهر كما يقول الكافرون والجاهلون ، ولكنها حياة متكررة بسئلة مختلفة (معطيات مختلفة) ، وذذلك لتدقيق النجاح بشتى الصور والمعطيات وهو ما يقوله سبحانه .. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }يونس4 ، ويؤكد عليه بأن هناك دوما نشأة أخرى بقوله في النجم .. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى }النجم47 ، والتي جعلها الله خافية لا يعلم ابن آدم عنها شيئا إلا بعد مغادرته النشأة الحالية بقوله تعالى في سورة الواقعة .. { نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ{60} عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ{61} وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} ، فالمؤمن اليوم سوف يولد غدا كافرا أو ملحدا أو يهوديا ، فالدين أحد معطيات الاختبار في الدنيا ، ولا منطق لمن يسأل كيف سيحاسبنا الله حينها أو كيف يحاسب الكافر والمسيحي والمؤمن ، لأن الله شرح هذا وفصله بقول مجمل ومختصر بقوله تعالى .. { .. لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا .. }الطلاق7 ، ثم يفصل المفهوم بقوله تعالى .. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة62 .

رابع الحوافظ .. أن سخر الله أفضل خلقه وهم الملائكة .. لتقوم بأربعة مهام عظيمة لتعين ابن آدم على مهمته ، أولها .. أن تسجد لابن آدم احتراما وتبجيلا لمهمته وهو ما ذكره سبحانه وتعالى ستة مرات في كتابه العزيز أشهرها قوله سبحانه وتعالى .. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ }البقرة34 ، وقوله تعالى .. {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ }الأعراف11  ، وقوله تعالى .. وقوله تعالى ..{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }الحجر29 ، فالسجود قد أمر الله به ملائكته  لجلال مهمة ابن آدم التي خلقه الله من أجلها ، ثم إبداع خلقه ، ولكنه أبدا لم يكن لكبر خلق ابن آدم على غيره من خلق الله ، وهو ما ذكرنا الله به بقوله تعالى .. {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }غافر57 ، وثاني مهام الملائكة مع البشر أن سخرها الله لتستغفر لابن آدم وسجل هذا بقوله تعالى .. {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }الشورى5 ، وثالث المهام أن خص الذين آمنوا باستغفار ودعاء حملة العرش المقربين لهم وهو قوله تعالى .. {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ }غافر7 ، ورابع المهام أن كلف الملائكة بحفظ ابن آدم وسجلها بقوله تعالى .. {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ }الرعد11 ، وقوله تعالى .. {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ }الطارق4 .

خامس حوافظ تنفيذ مهمة الإعمار للأرض  .. أن جعل الله من يفسد في الأرض كأنه أعلن الحرب على الله ورسوله ، ففرض له أشد العقوبات في الدنيا ، ووعده بالخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة ، وهي عقوبات لم يفرضها الله في أي جريمة أخرى حتى ولو كانت الكفر بالله ، وهو ما نجده في آية الحرابة .. {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة33 ، فقد تقتل أو تزني أو تسرق أو ترتكب خطيئة رغما عنك لضعفك أو سقوطك مفتونا بالدنيا أو طاعة لوسواسك الخناس ، فيمكن أن يغفره لك الله ، ولكن لو ارتكبت أقل الخطايا حتى ولو إلقاء ورقة في الطريق العام متعمدا ، فقد تعمدت الإفساد للأرض وأعلنت الحرب على الله لأنك خالفت فطرة نفسك وتحديت خالقك ، وأنت تعلم أن الله نهى قطيعا عن الإفساد بقوله تعالى .. {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ }الأعراف56 .

سادس حوافظ تنفيذ المهمة .. هو إبداع الله لإعجازه في خلقه للإنسان (النفس والجسد الذي تستخدمه النفس في الدنيا) ، فجعل النفس والجسد لا يدركان السعادة إلا بالعطاء وقضاء حوائج الغير وخدمتهم ، وجعل الهلاك والخراب للنفس والجسد في إدمان المتع ، فالمتع جميعها تسبب افراز الجسم لهرمون الدوبامين وهو ما نسميه علميا بهرمون الإدمان ، ولكن خدمة الناس والعطاء يفرز في الجسد هرمونات السعادة مثل السيروتونين ، وهي التي تسبب السعادة والرضا والسكينة ، وأكد هذا بقوله عن ابن آدم .. {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ }العاديات8  ، ولذلك إذا اعتاد الإنسان على الرفاهية والمتع دون عطاء أو خدمة لغيره ، فمصيره هو الحزن والملل والاكتئاب والانتحار ، ولذلك نجد أعلى معدلات الانتحار في العالم بين المرفهين وفي الدول الأكثر رفاهية والأكبر في معدلات دخل للفرد ، واقل الدول والبشر انتحارا في الدول والمجتمعات الفقيرة التي يعتمد بعضهم على بعض ، ويحترفون العطاء ، ونلاحظ هذا واضحا في الأم صاحبة الأولاد والتي تعيش من أجلهم ، تجدها تعاني من التعب ولكنها مستقرة نفسيا ، بينما تجد التي تعيش لنفسها فقط دون أبناء ومسئوليات ، قد تملك منها الملل والحزن والاكتئاب ، لأن طبيعة خلق الإنسان (النفس والجسد) لا يسعده إلا التعب والعطاء من أجل الآخرين ، ليكتمل تنفيذ مهمة الإعمار للدنيا ويستمر الاستخلاف .

سابع حوافظ تنفيذ المهمة .. أن جعل الله تنفيذ المهمة مقرونا بالإيمان به ، ولذلك ذكر الله الإيمان مقرونا بالعمل الصالح أكثر من (70) سبعين مرة في كتابه العزيز ، فلا جنة ولا اعتبار  لمن لم يعمل عملا صالحا ، والعمل الصالح هو ما يصلح به أمر الدنيا والناس فيها ، فمن لم يفعل ما يصلح به أمر غيره في الدنيا فهو لم ينفذ المهمة التي خلقه الله من أجلها وهي إعمار الدنيا بالعلم والعمل والكد والكدح ، ثم أكد سبحانه على ابن آدم أنه جاء الدنيا ليكدح فيها بقوله تعالى .. {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ }الانشقاق6  ، ولأن المناسك لا يكد فيها ابن آدم ولا يكدح ، فلم يجعل الله العمل الصالح أبدا في تنفيذ المناسك (لصلاة – صيام – زكاة – حج – ذكر الله) ، لأن هذه ليست إلا فروض مناسك لضمان الاستقامة ، ولكل أمة مناسكهم لقوله تعالى .. {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ }الحج67  ، وقد أوضح سبحانه بآياته أن هذه المناسك قد فرضها الله على البشر لضمان استقامة البشر في آداء المهمة ، فالصلاة يقول فيها سبحانه .. { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ }العنكبوت45 ، فوظيفتها أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، “ولذكر الله أكبر” .. بمعنى أنك لو كنت ذاكرا لله دوما في نفسك فسوف ينهاك هذا عن الفحشاء والمنكر أكبر من الصلاة ، والصيام يقول فيه سبحانه .. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة183 ، فالصيام قد فرضه الله عليكم لعلكم تتقون بمعنى .. لعلكم تستحون عن فعل الحرام وأنتم ممتنعون عن الحلال بالصيام ، فتتقي غضب الله عليك ، وكذلك الزكاة والصدقات فرضها الله لتطهر وتزكي النفوس ، فالصدقة برهان إيمان وتطهير للنفس وارتقاء بقدور الإيمان فيها ، والحج خضوع كامل وتذكير لنفس ابن آدم أنه عبدا لله وحده لعله يستقيم ، ولكن كل هذه المناسك لا تدخل إنسانا إلى الجنة مطلقا ، ولكنها تحفظ استقامة النفس في آداء العبادة (مهمة العبودية) وهي إعمار الأرض بالعلم والعمل الصالح الذي يصلح به أمر البشر والدنيا من حوله ، والتي اتقانها يهدي إلى رضا الخالق العظيم والجنة .

 

وأخيرا .. قد عرفنا أن العبادة هي آداء مهمة العبودية التي خلقنا من أجلها ، والتي هي إعمار الأرض كخلفاء عليها ، بالعلم والعمل والكد والكدح ، ثم اكتشفنا من كتاب الله أن الله قد فرض حوافظ سبعة تضمن تنفيذ هذه المهمة الجليلة ، وعرفنا أن من حاد عنها فقد أهلك نفسه ، وهو قوله تعالى .. {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ }الزخرف76 ، بل إن الله يضرب للناس الأمثال ويرهم آياته ليتفكروا ويتدبروا ويصححوا مفاهيمهم فقال تعالى .. {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }النمل93 ، ويبقى بعد استعراض حوافظ المهمة (العبادة) أن نتعرض للمؤثرات السلبية والإيجابية على النفس البشرية في رحلاتها المتكررة إلى الحياة ، ثم معطيات الله التي منحها الله لابن آدم لتعينه على تنفيذ المهمة … وهو ما سوف نستعرضه لاحقا ..   

جمال عمر   

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

العالم .. إلى أين (2) ؟؟ … بقلم : جمال عمر

كل عام وكل البشر بخير وصحة وسعادة ، أعاد الله علينا أيامه ونفحاته باليمن والبركات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *