الكتاب والفرقان والقرآن العظيم (5) …. بقلم : جمال عمر


توقفنا سابقا عند أهم أفعال الإبداع التي ذكرها سبحانه وتعالى في القرآن العظيم ، والتي من أهمها في عملية الخلق هو فعل الإبراء وهو الخلق من العدم (لا شيء) ، ثم فعل الإنشاء وهو إدخال مخلوق في مخلوق آخر فينتج مخلوقا آخرا مختلفا تماما عن المخلوقين الأولين ، ثم فعل التصوير وهو حصر مخلوق في صورة أقل منه قدرة وحيزا مثل تصوير النفس (اصل الإنسان) في جسد بشري ، ولذلك يذكرنا الله بأنه قادر على إدخال نفسك في أي جسد لقوله تعالى .. {قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ، {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ .. }الإسراء50 ، 51 ، ولكل خلق جديد بداية ، والله هو المبديء ولا يسبقه شيء فهو الباديء بالخلق منذ الأزل ، وهو المنهي لكل شيء وخلق ، فلا أحد ولا شيء بعده ، فهو من يقول يوم القيامة .. ويجيب نفسه سبحانه .. {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }غافر16، وهو المحيي المميت ، فلا تحيا نفس إلا بأمره ولا تموت إلا بأمره .

ونتوقف عند فعل التوفي ، فهو سبحانه من يتوفى الأنفس حين موتها لقوله تعالى .. {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الزمر42 ، وفعل التوفي ليس معناه الإماتة ، لأن الله يتوفى النفوس عند نومها ، ومعناه في اللغة استرداد ما منحته والتكفل به ، وهو يعنيه سبحانه في القرآن العظيم عند الحديث عن النفس هو عودة النفس لحالتها المفردة دون جسد إلى كنف ورعاية الله في ملكه ، فالنفس تعود مفردة بلا جسد كل يوم عندما تنام ، وهي في هذه الحالة تتعامل بصورة مختلفة تماما عن وجودها في الجسد أثناء الاستيقاظ (الحياة) ، ولكن الفارق بين توفي الله للنفس عند نومها ، وتوفي الله للنفس عند موتها ، هو أنها عند الموت تسترد النفس لقدراتها على الرؤية والفهم والاستيعاب والتذكر كاملة ، وذلك عند ترك الجسد للوفاة (بعد تذوق الموت) ، لأن وجود النفس على اتصال بالجسد قبل انتهاء أجلها مع هذا الجسد ، يطمس على كثيرا من قدرات النفس ، ولا يكشفها سبحانه إلا بعد تتخلص النفس من تأثيرات الاتصال مع الجسد لموت الجسد (بخروج الروح منه) ، فيقول سبحانه للنفس عند موتها .. {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }ق22 ، فالنفس لا تموت ولكنها تذوق الموت ، ولكن من يموت هو الجسد ، ويجوز أن نقول للإنسان المستيقظ أنك ميت وستموت ، ومعنى الموت أن الإنسان (النفس) سيفقد الجسد الذي يتعامل به مع الحياة .

ومن أفعال الإبداع أيضا فعل (الذرء) ، وهو فعل يعني الزراعة بمعناها البسيط ، والله زرع في الأرض النبات والحيوان بل وزرع البشر {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }المؤمنون79 ، فصنع بذرته (الحيوان المنوي والبويضة) من تراب الأرض داخل إنسان حي آخر ، فكل ما له نتاج على الأرض يصح القول فيه بـ (الذرء) ، فيقول سبحانه .. {وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً..}الأنعام136 ، ويقول أيضا .. {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ }النحل13 ، بل ويقول لبني آدم .. ، ويقول أيضا .. {قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }الملك24 ، ثم يقول سبحانه واصفا تجهيزه لمن سيسكن جهنم .. {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }الأعراف179 ، فالذرء .. هو إعداد لشيء له نتاج مستقبلا كالزراعة تماما ولكن بمعنى أشمل .

ثم نجد فعلي (الإدخال والإخراج) ومعناهما هو تغيير موضع أو مكان شيء قسرا سواء كان ماديا ملموسا أو معنويا محسوسا وإدخاله أو إخراجه من شيء آخر ، ومن أبلغ معانيهما هو إدخال الله للنفس في الجسد وهو يسميه الله بالـ (إنشاء) ، وأفضل أمثلة الإخراج هو إخراج الزرع من الأرض مثل قوله تعالى .. {… فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ..َ }البقرة61  ، وكذلك إخراج الماء من الأرض أو من الصخر لقوله تعالى .. {… وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء .. }البقرة74 ، ويصح أن يطلق على فعل الهداية إخراج من الظلمات إلى النور مثل قوله تعالى .. {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }البقرة257 ، هو ما يعطي نفس المعنى لفعل يهدي وعكسه يضل وهي من أفعال الإبداع أيضا ، ثم نأتي إلى إعجاز الله في إخراجه الحي من الميت كإخراج النبات من بذرة ميتة ساكنه لا حياة فيها ، وإخراجه جلدك الميت وخلايا جسدك الميتة من جسدك الحي يوميا وهو قوله تعالى   {إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ }الأنعام95 ، وفعل الإخراج ينطبق على كل شيء يمكن إدخاله أو إخراجه من شيء آخر .

ثم نتوقف عند فعل (البعث) ، فالبعث هو إعادة المخلوق للحياة التي توفاه الله منها ، فسبحانه يعيد بعث النفس في الجسد عند الاستيقاظ من النوم ، فيقول سبحانه .. {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الأنعام60 ، وكذلك بعث الموتى من بعد موتهم .. {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ }الأنعام36 ، وقوله تعالى .. {وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ }الحج7 ، ونلاحظ هنا أن القول مجازي ليؤكد لمن يعتقدون أن البشر يسكنون القبور أن الله قادر على أن يبعثهم (يعيد خلقهم) ، وهو ما قاله إبليس لله تعالى يستأذنه أن ينظره فلا يحاسبه إلا يوم يبعث الإنس للحساب … {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }الحجر36 ، ويمكن أن يطلق فعل البعث على أرسال الله لرسول لقوله تعالى … {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا .. }القصص59 ، وقوله تعالى .. {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ }البقرة129 ، وكذلك يقال فعل البعث في إرسال رسول من البشر أو من ينوب عن غيره ، لقوله تعالى .. {قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ }الشعراء36 ، وقوله تعالى .. {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً }النساء35 .

أما فعل النشور فهو فعل يراد به شرح عملية الخلق والإنشاء والتكوين سويا ، فيقول في شرحه رب العزة .. {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ }فاطر9 ، فبداية من تكوين السحاب ثم توجييه لأرض ميتة ثم نزوله ، ثم تفاعل الأرض به فتحيا ، كل هذه الأفعال تسمى "النشور" ، بل ويجه ابن آدم ليستخدم كل ما ينتج من أفعال النشور لله على الأرض بقوله تعالى .. {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ }الملك15 ، وقوله تعالى .. {وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ }الزخرف11 ، ثم يؤكد سبحانه على فهم الكافرين لفعل النشر بقوله تعالى .. {إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ }الدخان35 ، ثم يستخدم سبحانه فعل "النشر" استخداما أكثر بلاغة ببناء واستكمال رحمة الله لبعض عباده بقوله تعالى .. {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً }الكهف16، ثم قوله تعالى .. {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ }الشورى28 ، ثم يتعجب سبحانه ممن يتخذ آلهة من دون الله ويسأل هل يستطيعون أن ينشروا شيئا بقوله تعالى .. {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ }الأنبياء21 ، ثم يتعجب من رغبة الكفرة والمشركين أن يؤتى كل منهم صحفا مجهزة خاصة له بقوله تعالى .. {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً }المدثر52 ، ثم يؤكد سبحانه أن فعور "النشور لا يحدث إلا بأمره وحده بقوله تعالى .. {ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ }عبس22 ، ثم أخيرا يصف سبحانه تجهيز صحف البشر والحياة وعرضها بالنشور بقوله تعالى .. {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ }التكوير10 ، فالنشور هو مراحل وافعال خلق وإبداع وتجهيز وإعداد تنتهي بشيء جديد .

وأخيرا وليس آخرا .. قد تبقى لنا بعضا من أفعال الإبداع التي يجب أن نتوقف عندها لاحقا مثل { الإنشاز – الكلء – الفطر – الفتق – الإنزال – الرفع – البسط – التوسيع – التقدير – الإمساك – الكتابة – الإيتاء – الإرسال – الوهب – الإعطاء – الكساء } وهو ما يجب أن نفهم معانيها جيدا قبل التعرض لخلق النفس وحركاتها وخصوصياتها وبدايتها ونهايتها المعجزة تنفيذا لقوله تعالى .. {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ }الذاريات21 .

جمال عمر

عن الكاتب : جمال عمر

شاهد أيضاً

الأنثى العقربوطية …. بقلم : جمال عمر

سامحوني أولا قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك ، خاصة وأنه يتعلق أساسا بالأنثى ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *